في أعماق ڨاليس، حيث لم تُلمس أشعة الشمس منذ زمن بعيد، ولم يتردد فيها صوت بشري يُذكر، كانت هناك غرفة تشبه المقابر القديمة… غرفة أُعدت بعناية فائقة، كأنها تنتظر لحظة محددة لتُعيد الحياة إلى ما بداخلها.

داخل تابوت بلوري شفاف، كان شاب يصارع بصمت ليستعيد وعيه.

أطرافه تكاد لا تتحرك، وكل محاولة بسيطة لرفع يد أو تحريك ساق تُعيد إليه إحساساً قارساً بالبرد يتغلغل في عظامه، كأن الزمن نفسه تجمد داخله.

لم يكن في كامل وعيه بعد.

عقله فارغ… فارغ بشكل مخيف. لا ذكريات، لا أفكار، لا حتى تساؤل واضح عن حالته. كل ما يفعله غريزي بحت، كمن يغرق في بحر عميق ويضرب بذراعيه بلا هدف سوى البقاء.

وبعد لحظات طويلة من تلك المعاناة الصامتة، انفتح التابوت البلوري فجأة، كأنما استجاب أخيراً لرغبته اليائسة.

انهار الشاب على ركبتيه فوق الأرض الباردة.

أول شعور حقيقي اخترق جسده كان الألم… ألم حاد، نابض، يذكّره بأنه لا يزال حياً.

فتح عينيه ببطء شديد.

أضواء خضراء باهتة تنبعث من جدران الغرفة كلها، تضفي عليها جواً غريباً مريباً. حاول أن يستوعب ما يراه، لكنه سمع صوتاً هادئاً يأتي من خلفه مباشرة:

«أخيراً استيقظت، رين.»

«من… أنت؟»

نظر الشاب – الذي بدأ يدرك أن اسمه رين – بحيرة عميقة نحو الواقف أمامه.

شاب في مثل عمره تقريباً، شعر أشقر لامع، ملامح نبيلة ومنحوتة بدقة، لكنه يحمل هيبة ورزانة لا تتناسب مع سنه. بدا مألوفاً بشكل غامض… ومع ذلك كان هذا أول لقاء يتذكره رين بوضوح.

في تلك الثواني القليلة، انفجرت في ذهنه عشرات الأسئلة دفعة واحدة:

أنا رين… حسناً، هذا واضح الآن.

لكن أين أنا؟

لماذا يعرفني هذا الشخص؟

من هو هو بالضبط؟

لماذا لا أتذكر شيئاً… أبداً؟

هل فقدت ذاكرتي فعلاً؟

«أنا آرثر.

وهذه آخر مرة أسمح لك فيها أن تنسى اسمي.»

كان في صوت آرثر لمحة انزعاج خفيفة، ممزوجة بشيء أعمق… ربما ألم قديم.

«أين نحن؟»

سأل رين بنبرة طفل ضائع يتطلع إلى معلّم يثق به.

في تلك اللحظة، بدا آرثر الشخص الوحيد القادر على ملء هذا الفراغ المرعب في رأسه.

«هل ذاكرتك ضعيفة إلى هذا الحد؟

دعنا من الأسئلة الآن… هيا نخرج من هنا.»

تقدم آرثر بخطوات واثقة نحو باب أسود ضخم يقابل التابوت. على جانبي الباب موضعان دائريان لليدين. وضع آرثر كفه في أحدهما بلا تردد.

نظر رين إليه بدهشة ممزوجة بخيبة أمل خفيفة.

كان يتوقع شيئاً أكثر غموضاً… طقساً معقداً… لكن الأمر بدا عادياً بشكل مخيب.

ومع ذلك، كلما حاول التفكير في وضعه، اجتاحه خوف غريب. فكرة أنه لا يملك أي ذكرى يستند إليها، ولا حتى فكرة واضحة عما يجري، تجعله يشك في حقيقة ما يعيشه.

والشخص الوحيد الذي يبدو أنه يفهم… صعب التعامل، بارد نوعاً ما.

«حسنًا…»

بالكاد استطاع رين رفع جسده.

ما إن وقف حتى شعر بدوار خفيف وضعف عضلي شديد، كأن أعضاءه لم تُستخدم منذ سنوات.

كم مر من الوقت وهو محبوس داخل ذلك التابوت البلوري؟

الأسئلة لا تنتهي… بل تتكاثر.

وضع يده في الموضع الثاني.

فجأة دوى صوت ثقيل وعميق من خارج الغرفة. اهتزت الجدران بقوة.

لم يفهم رين ما يحدث… هل كان وضع يده هو السبب؟

نظر إلى آرثر: وجهه هادئ تماماً، نظرته واثقة ولا تخلو من برود.

«يبدو أن الغرفة التي نحن فيها… عبارة عن مصعد.»

قال آرثر بهدوء.

خفت الصوت تدريجياً حتى اختفى كلياً.

ثم انفتح الباب ببطء.

نظر رين إلى آرثر من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، كأنه يحاول قراءة نواياه.

هذا أول إنسان يعرفه في حياته الجديدة.

والسؤال الوحيد الذي سيطر على تفكيره: هل سيكون صديقاً… أم عدواً؟

فور انفتاح الباب، امتد أمامهما ممر طويل يبتلع النظر، لا يظهر له نهاية واضحة في الأفق المظلم.

الأضواء الخضراء الباهتة نفسها تنبعث من الجدران، تُلقي ظلالاً طويلة وغريبة على الأرضية اللامعة.

كان الممر واسعاً بشكل غير عادي، يتسع لعشرين رجلاً يسيرون جنباً إلى جنب دون أن يشعروا بضيق أو ازدحام.

بدآ يمشيان بخطى بطيئة في البداية.

مر الوقت… والتعب بدأ يتسلل إلى جسد رين بسرعة.

جسده الذي استيقظ للتو لم يكن معتاداً على الحركة بعد، عضلاته تتشنج مع كل خطوة، ونفسه يتقطع بسهولة.

كم من الوقت مضى منذ أن وضع قدمه خارج التابوت؟

ربما ساعتان كاملتان من السير المتواصل في هذا الممر الذي لا ينتهي… أو ربما أكثر. الزمن هنا يبدو مشوهاً، كأنه يتمدد ويتقلص حسب مزاجه.

كان رين يفكر في الجلوس، في الراحة ولو للحظة، عندما بدأ شيء يظهر في نهاية الرؤية: باب آخر.

شعر بدفعة أمل خفيفة تجبره على مواصلة السير، رغم أن قدميه كادتا تخونانه.

عند الوصول، كان الباب مطابقاً للأول تقريباً: سطح أسود لامع، وموضعان للكفين على الجانبين.

وضعا أيديهما معاً في الوقت ذاته.

انفتح الباب بهدوء، ليكشف عن قاعة دائرية هائلة الحجم، تبدو وكأنها قلب مبنى عملاق.

تحيط بالقاعة من كل جانب تماثيل حجرية ضخمة لمحاربين يحملون أسلحة متنوعة: سيوفاً، رماحاً، دروعاً، أقواساً… كل تمثال يبدو وكأنه يراقب الداخلين بعيون فارغة من الحجر.

الجدران مغطاة بنقوش معقدة ورسومات قديمة تبدو وكأنها تحكي قصة طويلة، لكن رين لم يستطع فهمها بعد.

في منتصف القاعة تماماً، وقف خمسة أشخاص يرتدون أردية سوداء طويلة، وجوههم مخفية خلف أقنعة على شكل طيور مختلفة.

برز من بينهم اثنان في المقدمة: الأول يرتدي قناع غراب أسود لامع، عيناه تتلألآن من خلف الفتحات الضيقة. والثاني قناع بومة، بملامح حادة وهادئة في آن واحد.

عندما استقرت نظرة رين عليهم، شعر بتسارع نبضه.

الأسئلة تتزاحم في رأسه مرة أخرى، لكن لسانه لم ينطق بكلمة واحدة.

«يبدو أنكما أخيراً استيقظتما.»

تكلم صاحب قناع البومة بنبرة هادئة، عميقة، خالية من أي عدوانية ظاهرة، لكنها تحمل وزناً لا يُستهان به.

«تقدما إلى هنا… سنرشدكما إلى وجهتكما التالية.»

نظر رين فوراً إلى آرثر.

كان الأخير متوتراً بشكل واضح الآن، جسده مشدود، عيناه تتحركان بحذر بين الأقنعة.

لم يتقدم أي منهما خطوة.

فجأة… وبدون أن يلاحظ رين كيف حدث ذلك، وجد صاحب قناع البومة واقفاً أمامهما على بعد خطوة واحدة فقط.

تفاجأ رين، تراجع خطوة إلى الوراء غريزياً، لكن يداً قوية أمسكت بكتفه من الخلف، تمنعه من الابتعاد أكثر.

في اللحظة ذاتها، اندفع آرثر إلى الأمام ووجه لكمة قوية نحو وجه البومة… لكن الأخير تفاداها بحركة سلسة، كأنها محسوبة مسبقاً، ثم أمسك بكتف آرثر بقبضة حديدية.

«لا تخافا.»

قال البومة بنفس الهدوء المخيف، صوته لا يرتفع ولا ينخفض.

«لو أردت قتلكما، لكان يكفي تحريك إصبعي… وأصبحتما جثتين الآن.»

في تلك اللحظة، أطلق نوعاً من الضغط الغريب – ليس جسدياً تماماً، بل شيء يشبه الثقل النفسي – شعر به كل من رين وآرثر في صدرهما، كأن الهواء نفسه أصبح أثقل.

«حسنًا… سنتبع ما تقوله، أيها الكبير.»

قال آرثر ،و عيناه تحدقان في البومة بحدة، لكنه لم يحاول المقاومة أكثر.

أفلت البومة قبضته عنهما ببطء.

تقدما معاً إلى منتصف القاعة.

في تلك الأثناء، أخرج صاحب قناع الغراب جهاز تحكم صغيراً من تحت ردائه، وضغط على زر واحد.

دوى صوت عنيف جداً في الأعلى، كأنه انفجار بعيد.

ثم بدأ سقف القاعة يتشقق، ويتسع المخرج تدريجياً… حتى أصبح فتحة واسعة تطل على السماء.

دخلت أشعة الشمس لأول مرة، ساطعة، حارقة تقريباً بعد كل ذلك الظلام.

فجأة شعر رين أن جسده أصبح خفيفاً بشكل غريب… يطفو.

نظر إلى أسفل فرأى قدميه تبتعدان عن الأرض فعلاً. الدهشة غطت وجهه كله.

ارتفع هو وآرثر معاً، ببطء ثم بسرعة أكبر، حتى خرجا من الفتحة ووصلا إلى سطح مرتفع.

في البداية بدا المكان عادياً… لكن عند النظر الثاني، أدرك رين أنه يقف على حافة بناية شاهقة جداً، تطل على مدينة كاملة تمتد تحت قدميه كلوحة حية.

اقترب من الحافة بحذر، قلبه يدق بقوة.

أمامه مدينة منقسمة بوضوح إلى نصفين، كأن سكيناً عملاقاً قطعها إلى قسمين متعارضين تماماً.

الشمال: أبراج زجاجية شاهقة تخترق الغيوم، تلمع تحت أضواء ذهبية ناعمة. شوارع نظيفة كالمرآة، حدائق معلقة تتدلى من الشرفات الواسعة كشلالات خضراء. عربات فاخرة تنساب بهدوء تام، نوافير ترقص في ساحات رخامية بيضاء. الناس هناك يرتدون ملابس أنيقة مصممة بعناية، وجوههم هادئة، أيديهم ناعمة لم تعرف يوماً العمل الشاق. كل شيء يبدو مثالياً… كأن الألم والفقر لا وجود لهما في هذا النصف.

الجنوب: عالم مختلف تماماً. مبانٍ متراصة متشابكة، جدرانها متشققة وألوانها باهتة من الزمن والإهمال. أزقة ضيقة تفوح منها رائحة الرطوبة والدخان والمعادن. أسلاك كهرباء متشابكة فوق الرؤوس كشبكة عنكبوت سوداء عملاقة. الضجيج لا يتوقف: صراخ الباعة، صوت مطارق حدادين، بكاء أطفال، صفارات حراس. الهواء ثقيل، خانق. وجوه متعبة، عيون مشتعلة… إما بالأمل اليائس، أو بالغضب المكبوت. هؤلاء يعملون في مصانع تغذي رفاهية الشمال، ولا يحصلون سوى على الفتات.

بين النصفين يقف جدار فولاذي أسود هائل، يمتد كجرح طويل عبر قلب المدينة. بوابة واحدة فقط فيه، محروسة بإحكام. يسميه أهل الجنوب «حائط الصمت»… لأنه لا يمنع الرؤية فحسب، بل يخنق الأصوات قبل أن تصل إلى الجهة الأخرى.

كان المنظر يحبس الأنفاس.

الطبقية معلنة هنا، صارخة، لا تحتاج إلى تفسير.

«في رأيك… ما سبب كل هذا، يا رين؟»

سأل آرثر بهدوء، وهو يقف خلفه مباشرة.

«السلطة الفاسدة… الحكام ؟.»

«لا… إنه الشعب نفسه.»

كان صوت آرثر حزيناً بشكل غريب، كأنه يتكلم من تجربة شخصية عميقة.

«آرثر… هل لديك أي فكرة عما يحدث لنا بالضبط؟»

حاول رين استغلال اللحظة ليحصل على إجابة.

«رين… هل فقدت ذاكرتك حقاً؟»

ابتسم آرثر ابتسامة ساخرة، باردة، كأنه شخص آخر تماماً عن الذي كان يتحدث إليه قبل قليل.

نظر إليه رين بحيرة أكبر.

منذ دقائق كان يبدو متعاطفاً… فجأة تحول إلى شخص يحمل ضغينة واضحة.

«يبدو أن هناك نوعاً من العدالة في هذه الحياة.»

أكمل آرثر، والسخرية لا تفارق شفتيه.

بينما كان رين يحاول فهم ما يدور في ذهن هذا الشخص الغامض، تقدم صاحب قناع البومة نحوهما بخطوات بطيئة.

«هناك إجراء صغير يجب أن نتأكد من جاهزيتكما له.

يمكنكما الرفض بالطبع… لكن الأفضل ألا تفعلا.»

كان ينظر إلى رين مباشرة، كأن الكلام موجه له وحده.

استنتج رين أنه المقصود.

هل كان يستمع إلى حديثهما كله؟

سأله عن طبيعة الإجراء. تردد قليلاً… ثم قبل.

أما آرثر فقد رفض على الفور، بنظرة حادة.

ما فهمه رين أن هذا الإجراء أقرب إلى «إعادة تأهيل» خاص… نوع من التهيئة للعالم الذي سيواجهه.

أخذ صاحب قناع البومة رين بعيداً عن آرثر دون كلام إضافي.

كان آرثر يقف مكانه، يراقب بصمت، عيناه تحملان مزيجاً من الغضب والحذر، لكنه لم يحاول الاعتراض.

إقتاد البومة رين نحو الجهة الشمالية للمدينة،

مرّا بنقطة تفتيش ضخمة في الجدار الفاصل. أخرج البومة بطاقة معدنية رفيعة لامعة، مررها أمام جهاز ماسح، فانفتحت البوابة بهدوء تام دون أي سؤال من الحراس.

نظر رين إليه بدهشة خفية: هذا الرجل له نفوذ كبير هنا… نفوذ يتجاوز مجرد قناع ورداء أسود.

كانت شوارع الشمال تتدفق بالهدوء المثالي.

عربات فاخرة تنزلق بصمت كهربائي، لا صوت محركات، لا ازدحام. محطات المترو منتشرة كل بضع مئات من الأمتار، أبوابها زجاجية شفافة تفتح تلقائياً للمارة.

الناس يسيرون بخطى منتظمة، ملابسهم أنيقة، وجوههم هادئة كأنهم جزء من لوحة فنية. لم يرَ رين يوماً – أو على الأقل لم يتذكر – شيئاً بهذا الترتيب والجمال.

بعد عشر دقائق من المشي، توقفا أمام مبنى فندق شاهق، واجهته زجاجية منحنية تعكس أشعة الشمس الذهبية.

«لقد وصلنا.»

تقدم البومة نحو الباب الرئيسي. انفتح تلقائياً بمجرد اقترابهما، كأن المبنى نفسه يتعرف عليه.

ما إن خطا رين خطوة داخل القاعة حتى غمرته رائحة عطرة خفيفة، مزيج من الخشب الثمين والزهور الطازجة والجلد الناعم.

كانت القاعة متوسطة الحجم نسبياً، لكنها فاخرة: أرضية رخامية بيضاء، أعمدة ذهبية رفيعة، أرائك جلدية فاتحة، وإضاءة ناعمة تنبعث من السقف كأنها ضوء طبيعي.

خلف مكتب الاستقبال وقف… روبوت.

جسد معدني أنيق، وجه شاشة يعرض ابتسامة رسمية دافئة، صوت ناعم آلي يرحب بهما.

دهش رين مرة أخرى، لكنه حاول إخفاء ذلك قدر استطاعته.

اقتاده البومة مباشرة إلى المصعد الزجاجي في نهاية القاعة.

أخرج البطاقة نفسها، مررها أمام ماسح مخفي في الجدار. ظهرت أزرار إضافية على الشاشة لم تكن موجودة من قبل – أرقام تحمل إشارة سالبة.

ضغط على واحدة منها. بدأ المصعد يتخرك بسلاسة، رين شعر بوضوح أن المصعد ينزل للأسفل.

«من أنت بالضبط؟»

تساءل رين في نفسه، وهو يعيد تقييم الرجل المقنّع أمامه.

كل خطوة تكشف طبقة جديدة من الغموض.

توقف المصعد بعد دقائق قليلة.

انفتح الباب على ممر طويل مضاء بأضواء زرقاء خافتة، جدرانه معدنية ناعمة، صامتة تماماً.

أدخله البومة إلى غرفة بسيطة نسبياً مقارنة بما رآه فوق: كرسي مريح في المنتصف، شاشة كبيرة مثبتة على الحائط، وخوذة سوداء لامعة موضوعة بجانب الكرسي على طاولة صغيرة.

«اجلس.»

جلس رين ببطء، قلبه يدق بقوة أكبر الآن.

أخرج البومة شريحة معدنية صغيرة من جيبه، أدخلها في فتحة جانبية في الخوذة، وبدأ يعدل في إعداداتها بأصابع دقيقة.

بينما كان مشغولاً، جلس رين يفكر في كل ما مر به منذ أن فتح عينيه داخل التابوت.

الفراغ في رأسه يؤلمه أكثر من أي جرح جسدي.

كل قرار، كل خطوة، كل كلمة… يبدو أنها تُفرض عليه من الخارج. شعر بضعفه يغرقه كالموج، كأنه دمية في يد شخص آخر.

بعد دقائق، ناوله البومة الخوذة.

«ارتدها.»

ارتداها رين بتردد.

ظلام دامس لثوانٍ… ثم انفجر ضوء أبيض ساطع يملأ الرؤية.

ظهر أمامه شخصية افتراضية: روبوت أنيق بصوت هادئ، يبدأ بشرح معلومات معدة بعناية من طرف البومة نفسه.

كان البومة قد راقب ردود أفعال رين طوال الطريق: الدهشة، الحيرة، الخوف المكبوت، عدم القدرة على التأقلم السريع.

أدرك أن فقدان الذاكرة حقيقي وعميق، وأن العالم الخارجي سيبدو له غريباً تماماً. لذا صمم هذه الجلسة ليمنحه الأساسيات بسرعة: شكل العالم، التقسيم الطبقي، التكنولوجيا اليومية، القوانين الأساسية، وحتى بعض المصطلحات الشائعة.

استمرت الجلسة ساعتين كاملتين.

كانت المعلومات متنوعة، غزيرة، تغطي جوانب متعددة دون التركيز على شيء واحد بعمق مفرط.

عندما أطفأت الشاشة أخيراً، نزع البومة الخوذة برفق.

تنهد رين بعمق، وكأنه خرج للتو من حلم طويل.

رأسه يدور من كمية المعلومات، لكنه شعر – لأول مرة – أنه يفهم شيئاً من العالم الذي استيقظ فيه.

«إذا كان لديك أسئلة… اطرحها الآن.»

ابتسم رين ابتسامة خافتة وهو ينظر إلى البومة.

كان يشعر بشوق حقيقي لإجابات تقربه من ذاكرته المفقودة، لكنه لم يعرف من أين يبدأ.

«من أنا؟ ما أصلي؟ لماذا كنت في ذلك التابوت؟ لماذا يعاملني آرثر كعدو؟ لماذا تفعل كل هذا من أجلي؟»

فجأة قاطعه البومة بهدوء:

«في الواقع… بعد تفكير إضافي، قررت ألا أجيب على أسئلتك .

سأخبرك فقط بما أستطيع – وبما يُسمح لي – قوله.»

اندهش رين، وبدأ يشعر بشيء يشبه الشك: هل هو مجرد أداة في تجربة ما؟

«كل ما تحتاج معرفته الآن هو أنك واثنا عشر شخصاً آخر يتم تجهيزكم بعناية للخروج إلى العالم الخارجي.

لقد رأيت – من خلال الخوذة – أن عالمنا محصور في عشرين مدينة فقط، مغلقة، لا مخرج منها لجميع السكان… أما أنتم فتملكون قدرة خاصة تسمح لكم بالخروج بسهولة نسبية.

أما ذاكرتك… لم تفقدها بسبب حادث أو مرض.

فقدانها كان مقصوداً. حدث لأن شخصاً ما أراد ذلك بالضبط.

ولذلك… ليس لدي سلطة لأعارض قراره. لا أستطيع إخبارك بأصلك، بماضيك، أو بأي شيء آخر لا يريده لك أن تعرفه.

سوف نتوقف هنا.

اعتبر ما قدمته لك اليوم خدمة… خدمة كبيرة.

وعليك – في يوم من الأيام – أن تدفع ثمنها.»

2026/02/13 · 4 مشاهدة · 2313 كلمة
Loki
نادي الروايات - 2026