سنة 999 إقليم سيبولكرا

نعيق.. نعيق..

المكان ساكن، لا يكسر صمته سوى عويل الرياح وصوت مناقير الغربان وهي تنهش اللحم في نهم.

فجأة، بدأ رنين معدني خافت يتردد في الأرجاء؛ قطرات مطر ثقيلة بدأت تهوي لتطرق دروع الجثث المهشمة، وكأنها تعزف لحناً جنائزياً على بقايا حطام إمبراطوري.

بدت الأرض كأنها مغطاة برداء أسود متحرك بفعل التجمع الغفير للغربان، التي بدأت ألوان ريشها الداكن تكتسب بريقاً لزجاً، وقد تلطخت مناقيرها وأعناقها بالدماء القرمزية.

نظر نيلام في الأفق، حيث تلاشت آخر خيوط الضوء خلف السحب الرصاصية، ثم التفت لمن خلفه وقال بنبرة خالية من الروح: "الغربان تزداد سمنة".

لفح المجموعة هواء البحر المالح، الذي امتزج برائحة الدخان الخانق المتصاعد من قلب المجزرة القابعة أمامهم.

خلف نيلام، اهتز أحد جياد الجنود، جندي غلفه درع فولاذي برونزي صلب لا يظهر منه سوى عينيه الزرقاوتين اللتين تشعان ببرود، بينما كانت أنفاس حصانه تشق الهواء القارس صاعدة نحو السماء كأبخرة مضطربة.

"يا ترى، ما الذي حدث في هذا المكان؟"

بينما كان يلوح بلجام حصانه بتمهل، أردف نيلام: "لن ندرك الحقيقة إن اكتفينا بالنظر من هنا، لننزل ونرى بأعيننا".

امتثل أتباعه لأمره بصمت، وبدأوا يتبعونه من الخلف، بينما كانت حوافر خيولهم تضرب الممر الصخري الغارق بماء المطر، محدثة إيقاعاً جنائزياً يتردد صداه وسط الطريق.

كانت بعض الغربان تحلق فوق رؤوسهم بنعيقٍ متهكم، وكأنها ترفض بحدة وجود هؤلاء الغرباء الذين يزاحمونها مائدة طعامها الفاخرة.

زفر دارفيك بضيق وهو يستل سيفه الفضي من جانبه الأيمن، ووجه نصله نحو السماء قائلاً: "ماذا تريدين أيتها اللعينة؟ ألم تكتفِ بجثث الأموات حتى تطمعي بمهاجمة الأحياء؟"

ومع التماع السيف في يد دارفيك، تراجعت الغربان محلقةً بعيداً إلى حدٍ ما، دون أن يقطع صياحها المستفز هدوء المكان الموحش.

مسح نيلام على عُرف حصانه الذي تلاعبت به الرياح، ثم دنا من رأسه وهمس ببطء في أذنه.

فعلت المجموعة الشيء ذاته قبل أن يبدأوا في التوغل بين الأشلاء والجثث المبعثرة.

كان هذا طقساً خاصاً يمارسه الجنود لتهدئة جيادهم، سواء قبل الولوج إلى المعارك أو في مواقف كهذه؛ حيث يسكن الموت الأرجاء ولا يثبت إلا من كان هادئ الجنان.

ترددت في الأفق همسات المجموعة الموحدة، جملة بسيطة لكنها كافية: "أنت لستَ وحدك".

لوح نيلام بيده معطياً إشارة الانتشار: "دارفين، ثولمير.. الجهة الشمالية. كيلزار، تارفيت.. الجهة الشرقية".

كان لمعان الحديد الممتزج ببريق الدماء القانية هو المشهد الوحيد الذي تقع عليه العين في تلك الأرض الموحشة.

ترجل نيلام عن صهوة جواده بهدوء، ثم قام بربطه بإحكام إلى جانب عربة خشبية كانت قد انشطرت إلى نصفين بفعل قوة مجهولة.

نزع حزام خوذته بتمهل، ورفعها عن رأسه ليضعها فوق سرج الحصان، ثم أجال بصره في الأنحاء محاولاً استيعاب الفاجعة، وهمس بصوت خفيض: "ما الذي حلّ بهذا المكان؟".

بعد فترة من الزمن لم تكن بالقصيرة، اجتمع الخمسة مجدداً في نقطة الالتقاء.

كان صخب الأمواج يزداد حدة مع هبوب رياح عاتية، جعلت القوارب الراسية قرب الشاطئ تتأرجح بعنف وكأنها تمارس رقصة جماعية مضطربة.

قال دارفيك وهو يحك ذقنه الكثيف: "خمسون جندياً، وثلاثة وعشرون مدنياً بين رجال ونساء.. وثلاثون شاباً لم يتجاوزوا العشرين من العمر، بالإضافة إلى أربعين رأساً من الخيل وعشر عربات.. جميعهم سقطوا في هذه المذبحة".

سأل نيلام، وعيناه لا تزالان معلقتين بالأفق البعيد: "هل فحصتم المنطقة بأكملها؟".

أجاب ثولمير: "لقد فتشنا بدقة؛ جميع الضحايا من أبناء هذه البلاد وسكان المملكة، لا توجد جثة واحدة لغريب أو عدو خارجي. لا أفهم ما الذي ساق هؤلاء جميعاً إلى حتفهم في هذا المكان، لكن الأمر يثير الريبة".

تدخل كيلزار وهو يربت على عنق حصانه البني: "هناك قرية صغيرة قبالة الشاطئ، تبعد قليلاً عن هنا. قمت بتفقدها ووجدتها خاوية على عروشها؛ يبدو أن جميع سكانها لقوا حتفهم هنا مع هؤلاء الجنود".

"هل بحثت ملياً؟ ربما لا يزال هناك من يختبئ في ركنٍ ما، ناجٍ ينتظر مساعدة." سأل نيلام بنبرة تحمل شكاً دفيناً.

أجاب كيلزار بحزم ويقين: "أنا متأكد؛ لقد فتشت كل شبر في تلك القرية، لا أثر لحيّ هناك. وإن وجد شخص ما، فلا بد أنه قد غادر المكان منذ وقت طويل".

تدخل دارفيك مقاطعاً، وعلامات الحيرة ترتسم على وجهه: "أيها الملازم، ليس هناك جرح سيف، ولا طعنة رمح، ولا أي أثر لسلاح نعرفه. طريقة موتهم غريبة، ألا تظن أن الأمر يتجاوز مجرد مذبحة عادية؟".

راقب نيلام دارفيك بصمت لبرهة، وكأنه يزن كلماته، ثم أجاب بوقار حذر: "هذه الأمور تتجاوز حدود استيعابنا في الوقت الراهن. سنعود أدراجنا لكشف الغطاء عما حدث؛ فمثل هذه الفظائع لا يمكن التستر عليها طويلاً، وما وقع هنا اليوم قد يتكرر في مكان آخر غداً إن لم نفهم الحقيقة".

ثم التفت نحو دارفيك وكيلزار مصدراً أوامره الأخيرة: "أنتما، ابحثا في جنبات هذا المكان عن أي دليل مهما صغر شأنه، أما أنا فسأعود إلى المملكة فوراً لإيصال التقرير، فكل لحظة تمر قد تكون حاسمة".

فك نيلام لجام حصانه ثم ارتقى صهوة جواده بوقار، معيداً خوذته الفضية إلى مكانها فوق رأسه لتخفي ملامحه مجدداً.

وقبل أن ينطلق، ألقى نظرة أخيرة وداعمة على إحدى الجثث القريبة؛ كانت قد انشطرت إلى نصفين تماماً، وبدا الرأس مفقوداً في مشهدٍ بلغ من البشاعة ما يثير الغثيان ويزلزل أعتى القلوب.

أحكم نيلام قبضته على اللجام، وزفر جواده بقوة قبل أن ينطلق بسرعة خاطفة، يتبعه ثولمير وتارفيت، ولم يتركوا خلفهم سوى صدى طقطقات حوافر الخيل وهي تضرب الأرض الصلبة.

التفت دارفيك نحو الدخان المتصاعد بجانبه، ثم رمق زميله بنظرة ذات مغزى، وأومأ برأسه قائلاً: "نلتقي في المملكة".

هزَّ كيلزار رأسه بموافقة صامتة، ثم انطلق بعيداً على حصانه دون أن ينطق بكلمة واحدة، مخلفاً وراءه صمت القبور والدخان.

بعد يوم كامل من المسير المتواصل الذي لم يقطعه سوى نهيج الخيل المضطرب، توقفت أحصنة الثلاثة أخيراً أمام بوابة شاهقة، قد نُحت على صدرها صقر فضي عملاق يبعث الرهبة في النفوس بنظراته الفولاذية الثاقبة.

من أعلى الأسوار، أطلّ جنود يرتدون الدروع البرونزية ذاتها التي يرتديها رفاق نيلام، وبعد تدقيقٍ حذر ومتواصل، انفتحت أسارير البوابة العظيمة بصرير معدني مهيب. تردد صدى وقع حوافر الخيول وهي تطأ الأسمنت المتحجر خلف الأسوار العالية، معلنةً وصولهم إلى قلب السيادة.

مملكة زورف.

نهاية الفصل

2026/06/11 · 6 مشاهدة · 927 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026