كان المكان فارغاً ..

يخلو من أي ضوء او حتى صوت ، كفضاء واسع بلا نهاية .

وقف زين في وسطه ،جسده متيبس ، عيناه تتابعان المكان من حوله ..

" أين أنا ؟! … " .

لم يكد يكمل وإذ بعينين تنبثقان من اللا شئ .

حمراوتان كلون الدماء ، تحدقان فيه وكأنهما يرين ما بداخله .

تراجع ..

ثم تراجع ..

حتى كاد أن يسقط …

اتبعتها نظرات الأعين أينما تحرك .

فجأة بدأت العيون تدمع دماً ، وفي غضون لحظات أصبح الفراغ من حوله كوعاء يحمل شلالات الدم .

ركض زين مبتعداً عنه .

" لا … لااا .. " .

لكن نال منه بحر الدماء .

ظل يرتفع منسوب الدم حتى وقف عند رقبة زين ..

نظر زين حوله ليجد أن الفراغ قد أصبح بحراً من الدماء ..

بدأت تخرج فقاعات من حوله تبعها خروج أنصال دماء متجهةً نحوه بسرعةٍ خاطفة .

قبل أن تلمسه ….

انتفض من على سريره بقوة ، وظل صدره يعلو ويهبط بشده ..

تصبب العرق من جميع أنحاء جسده …

نظر إلى يده .. فلم يجد شيئاً عليها .

شعر بالراحة .. ثم رفعها ووضعها على وجهه ..

" لقد كان كابوساً سيئاً .. يا إلهي ما بال هذه الأعين .." ..

قاطعه صوت طرقاتٍ خفيفة على باب غرفته تبعها صوت رقيق ..

" هل استيقظت يا زين ، إن فعلت فتعال إلى مكتب المعلم " .

مسح وجهه ثم قام من سريره ..

" أجل يا روز .. قادمٌ حالاً " .

" حسناً لا تتأخر " ..

..

اتجه نحو نافذة الغرفة ثم مد يده فأزال الستائر عنها ، لينساب ضوء الشمس منها مضيئا كامل الغرفة .

غرفته كانت صغيرة ، بسيطة ، منظمة .

فتح دولاب ملابسه ثم أخرج بعض الملابس ، وبدل ملابسه ..

ثم اتجه إلى الحمام ..

وقف أمام المرآة ونظر الى وجهه ..

شعره أسود كظلام الليل تنساب من بينه خصلاتٍ فضية اللون .

وعيناه حادتان ، فضيتان تلمعان في انعكاس المرآة ..

فجأة تغير لون عيناه للون أحمر دموياً ، ثم تبعها خروج قطرات دمٍ منهما ..

تراجع للخلف ، تسارعت نبضات قلبه بشده ..

رمشت عيناه ، ليجدها عادت إلى طبيعتها ..

هز رأسه لعله يستفيق ، رشها بالماء و غسل يديه ثم خرج ..

بعد ذلك اتجه الى مكتب معلمه ، ليجده واقف عند نافذة المكتب ..

كأنه يراقب شئ ما بتمعن .

وكانت روز واقفة هي وماكس بجانب المكتب ..

.

بينما كان ماكس واقفاً ، التفت خلفه فرأى زين يدخل .

" صباح الخير يا زين " .

" صباح الخير ماكس " .

تقدم زين بخطوات ثابتة حتى وقف بجانبهم دون أن يضيف شيئاً.

نظر له ماكس بتأمل ، ثم ضيق عينيه قليلًا، وكأنه يقرأ ما خلف ملامح زين ..

" امم ، ما بال هذه الملامح ، تبدو كمن خرج مهزوماً من معركة كانت بين يديه " .

لم يبالي زين به ، واكتفى بإبعاد نظره .

ارتسمت ابتسامه خفيفه على وجه ماكس ، ثم تابع بنبرة مازحة ..

" لابد ان روز هي من ايقظتك ، هذا وحده يعكر صفو أي شخص " .

" ماااكس !؟ " .

قالتها روز بانزعاج شديد ، وقد عقدت ذراعيها .

اكتفي ماكس بابتسامة جانبية ، ثم عاد إلى زين ..

" بجدية ، ما بالك اليوم ، تبدو شارداً للغاية " .

تردد زين للحظه ، ثم قال بهدوء ..

" لا شئ .. حقاً " .

ظل ماكس ينظر إليه لبضع ثواني ، كأنه غير مقتنع ، لكنه في النهاية تنهد ..

" لا بأس .. مهما كان الأمر أعلم أنك ستتخطاه أليس كذلك " .

ابتسم زين له ..

" لا تقلق كل شئ على ما يرام " .

وفي تلك اللحظة …

استدار فيكير من امام النافذه .

نظراته كانت هادئة … لكنها حادة بما يكفي لتفرض عليهم الصمت ..

" يبدو انكم انتهيتم من الأحاديث .. " .

جلس على كرسيه ، ثم شبك بين أصابعه ..

" ستنضمون إلى إختبار الأكاديمية الملكية لنورثيرا "

.

​ساد صمتٌ ثقيل في الكوخ بعد كلمات فيكير الأخيرة، صمتٌ لم يقطعه سوى أزيز النيران الخامدة في الموقد. كان ماكس أول من كسر هذا الجمود، حيث ضرب الطاولة بقبضته، ملامحه التي كانت دائماً تعلوها البلاهة والضحك تحولت الآن إلى انزعاجٍ صريح.

​"أكاديمية نورثيرا؟" قال ماكس بنبرة حادة، "لقد أخبرتك يا معلمي منذ البداية، أنا لا أريد مجداً ولا أريد حروباً. أنا مكتفٍ بهذه الغابة، وبحياتنا الهادئة هنا.. لماذا علينا أن نذهب إلى ذلك العرين المليء بالنبلاء المتغطرسين؟"

​لم تكن روز أفضل حالاً، فقد اغرورقت عيناها بدموعٍ كتمتها بصعوبة. اقتربت من فيكير وأمسكت بطرف ردائه كطفلة تخشى الضياع: "أنت بمثابة والدنا يا معلم.. كيف تطلب منا أن نتركك وحيداً هنا؟ أنا لن أرحل، لن أتركك من أجل أي أكاديمية في العالم."

​تنهد فيكير بعمق، وبدت التجاعيد على وجهه أكثر وضوحاً تحت ضوء المصباح الخافت. وضع يده على كتف روز وقال بصوتٍ رخيم ونهائي: "الأمر منتهٍ يا أبنائي.. هذا هو المسار الأفضل لكم. أنتم تملكون مواهب دفينة، طاقة فطرية لا يمكن لسيافٍ عجوز مثلي —يعتمد على الفولاذ فقط ولا يملك اي تقنيه— أن يطورها. بقاؤكم هنا هو وأدٌ لمستقبلكم."

​هنا، تدخل زين. كانت عيناه الفضية تعكسان ضوءاً بارداً وصلباً. نظر إلى ماكس وروز بهدوء ثم قال: "المعلم محق. انظروا إلى ما حدث بالأمس.. انظروا إلى تلك الوحوش. إن لم نصبح أقوى، فلن نستطيع حماية أي شيء، لا أنفسنا ولا حتى المعلم. إذا كنتم تريدون حقاً أن نعود يوماً لنعيش بسلام هنا، فعلينا أن نذهب هناك لننتزع القوة التي تجعلنا لا نُقهر في أسرع وقت ممكن."

​كلمات زين، برغم برودتها، لمست الحقيقة المرة في قلوبهما. هدأ ماكس ونكّس رأسه بأسى، بينما مسحت روز دموعها بغصة واضحة.

​ابتسم فيكير بمرارة وحاول تلطيف الأجواء: "لا تقلقوا عليّ، لم أصبح حطاماً بعد.. ما زال لديّ من القوة ما يكفي لقطع رأس أي وحش يتجرأ على الاقتراب من هذا الكوخ. والآن، اذهبوا وجهزوا مقتنياتكم، سننطلق مع أول خيوط الفجر."

​وعندما همّوا بالخروج، قال فيكير بنبرة مختلفة: "زين.. ابقَ قليلاً، أريد التحدث معك على انفراد."

​.

​بعيداً عن هدوء الغابة، وفي قلب العاصمة، كان مكتب مدير الأكاديمية يفوح برائحة البخور الباهظ والثراء الفاحش. جلس هناك شخصٌ بملابس مخملية مطرزة بالذهب، واضعاً قدماً فوق أخرى بتعالٍ لا يطاق.

​كان يمسك بقائمة المتقدمين للاختبار، يمرر عينه على الأسماء بملل، حتى توقفت عيناه عند خانة "العامة". فجأة، تشنجت ملامحه، وقبض على الورقة بقوة حتى تمزقت بين أصابعه.

​"عامة الناس؟ قذارة القرى تريد الدخول إلى أقدس صرح في المملكة؟" زمجر بصوتٍ يقطر سماً، ثم ألقى بالورقة الممزقة على الأرض ودهسها بحذائه المصقول.

​تابع بخبث وهو ينظر من النافذة نحو ساحة الأكاديمية: "سيندم الحاكم على هذا القرار الأهوج.. لن أسمح لهذه الحشرات بتدنيس اسم نورثيرا، سأوقف هذا المهزلة مهما كلف الثمن.. حتى وإن اضطررت للوقوع في المحظور.".

يتبع ..

2026/05/09 · 5 مشاهدة · 1078 كلمة
YoussefJoo1
نادي الروايات - 2026