لم تكن أكاديمية أزينكا الحربية، في معناها الحقيقي، مكانًا يمكن وصفه بـ“الأكاديمية”. فلا دروس تُقام، ولا محاضرات تُلقى، ولا تدريب يُقدَّم. وبالطبع، لا وجود لمدرّبين أو أساتذة. كل ما يحصل عليه الطلاب هو المأوى والطعام واللقب فقط: “طلاب الأكاديمية العسكرية”.

قال الموظف الإداري الجديد وهو ينظر من نافذة المكتب: “ومع ذلك، مجرد نيل هذا اللقب يعني الكثير… أن تصبح مرشحًا لمرافقة فرسان السماء الزرقاء! طبيعي أن يجذب ذلك كل هذا العدد من المتقدمين.”

رفع المسؤول الأكبر رأسه عن الأوراق المكدّسة على مكتبه وقال بعبوس: “ما الذي تهذي به؟”

“لا شيء… فقط أشعر بالفخر لأنني جزء من فرسان السماء الزرقاء، ولو حتى كموظف بسيط.”

“كم أنت ساذج.”

مدينة أزينكا كانت تحت سلطة فرسان السماء الزرقاء، لا تتبع أي دولة. فقد كانت هذه الفرقة تتجاوز الحدود، أشبه بقوة مستقلة تمامًا.

سأل الموظف الجديد: “كم تظن من هؤلاء سيصبح فارسًا حقيقيًا؟”

ردّ الآخر بهدوء: “ربما لا أحد.”

“مستحيل.”

“لا يمكن أن ينضم أحد إلى فرسان السماء الزرقاء ما لم يحمل رتبة «الماستر»، وهل تظن أن بلوغ تلك المرتبة أمر سهل؟”

“كنت أظن أن كل الفرسان ماستر!”

“يا لك من جاهل… يبدو أنك لم تغادر أزينكا قط.”

“حقًا، لم أغادرها. ولماذا تسأل؟”

“فرسان السماء الزرقاء استثناء. كل فرد فيهم ماستر. ولهذا يُلقَّبون بالأقوى.”

“وهل بقية الفرق العسكرية في الدول الأخرى تضم غير الماستر؟”

“غالبًا. في أغلب البلدان، وجود الماستر نادر جدًا. أما هنا، فالفرسان العاديون قادرون على تغليف سيوفهم بطاقة المانا، وهذا فقط المستوى الأول. فوقهم يوجد أصحاب القوى الروحية.”

توقف الموظف الجديد فجأة وهو يحدق خارج النافذة. “سيدي، انظر هناك!”

اقتربت الموظفة الأكبر من النافذة بعد أن سمعت الضجيج القادم من الخارج. ما إن رأت المنظر حتى تجمدت ملامحها.

“كم عامًا عملتِ هنا؟” “سبع سنوات…” “هل رأيتِ متقدمة مثل هذه من قبل؟” “…أبدًا.”

كانت كل الأنظار متجهة نحو فتاة واحدة. لم يكن السبب كونها فتاة، فهناك الكثير من النساء بين المتقدمين. ولا لجمالها، رغم أنها كانت جميلة بحق.

لكن مظهرها هو ما جعل الجميع في صدمة.

كانت ترتدي فستانًا أنيقًا مزينًا بالدانتيل، وقفازات بيضاء، وحذاءً بكعب عالٍ، ومجوهرات براقة كأنها ذاهبة إلى حفل ملكي، لا إلى اختبار سيف.

قال الموظف الجديد بدهشة: “يبدو أنها لا تدرك أين هي.” أجابت زميلته: “حتى لو كانت من عائلة نبيلة، هذا تصرف طفولي.”

تبادلا النكات حول احتمال سقوط السيف من يدها، متأكدَين أنها لم تمسك واحدًا من قبل.

لكن حين جاء صوت بارد من خلفهما، ارتجفا. “ما الذي يحدث هنا؟”

التفتا بسرعة، فوجدا القائد بنفسه خلفهما — قائد فرسان السماء الزرقاء.

كان رجلًا ذا شعر فضي طويل وعينين زرقاوين كصفاء السماء، مظهره يشبه الشاعر أكثر من المحارب، لكن هالته القاتلة كانت كافية ليُدرَك أنه عاش حياته مع السيوف.

إنه يوريين دو هاردن كيرييه ، أصغر من نال رتبة الماستر في التاريخ، وحامل السيف المقدس لانجيوسا.

اقترب من النافذة حين أشار إليه الموظفان. نظر إلى الفتاة، فجمُد في مكانه. عرفها فورًا. لم يكن بحاجة إلى وقتٍ للتفكير.

تغيّر بريق عينيه للحظة، لكنه سرعان ما أخفى مشاعره.

سأل بهدوء: “هل قالتما إنها متقدمة؟” “نعم، يا سيدي. يبدو أنها لا تعرف طبيعة المكان.”

كان ردّهما بسيطًا، لكن نظرات يوريين كانت مختلفة. لم يكن يستنكر مظهرها، بل بدا وكأنه لا يصدق أنها “مجرد متقدمة”.

ثم تابع مراقبتها بصمت.

حين رفعت الفتاة سيفها، كانت حركتها هادئة وسلسة لدرجة أن السيف بدا كأنه ينساب في الهواء. وفي لحظة واحدة، انشطر الجذع الخشبي نصفين بدقة مذهلة.

ساد الصمت، ثم صاح المشرف بصوت متردد: “إيكينيسيا رواز… اجتازت المرحلة الأولى!”

لم يُظهر يوريين أي دهشة، بل قال ببرود: “أحضروا لي استمارة هذه المتقدمة.”

جاءه الموظف بالاستمارة، فتصفحها بسرعة.

إيكينيسيا رواز – 20 سنة – من إمبراطورية كيرييه – ابنة عائلة نبيلة.

قرأ الاسم بصوت منخفض: “إيكينيسيا…” لم يكن يعرف الاسم، لكنه كان يعرفها هي.

وفي زمنٍ آخر، لم تكن لتوجد هنا أصلًا.

تمتم لنفسه: “لقد تغيّر كل شيء.” ثم غادر المكتب بهدوء.

في الخارج، كانت إيكينيسيا تغادر ساحة الاختبار دون أن تبالي بنظرات الآخرين. توقفت لحظة، ونظرت إلى يدها اليمنى المغطاة بالقفاز. على راحتها وُجدت علامة سوداء غامضة.

[هل تنوين التخلص مني مجددًا؟ يا لكِ من قاسية.]

كان الصوت يرنّ داخل رأسها، صادراً من العلامة ذاتها — من روح السيف الملعون الذي تحمله.

ابتسمت بسخرية وقالت بصوت منخفض: “بالطبع، جئت إلى هنا لأتخلص منك.”

[لكنني أنا من علمكِ كيف تعبثين بالزمن!]

“لو لم تكن أنت، لما احتجت إلى ذلك أبدًا.”

[ما زلتِ تذكرين الماضي؟ دعينا منه.]

“اصمت، أيها السيف الملعون.”

قالتها ببرود، ثم تقدمت نحو قاعة الاختبار التالية. كانت خطواتها ثابتة رغم الكعب العالي.

اليوم يبدأ طريقها الجديد.

ستصبح فارسة في فرسان السماء الزرقاء، لكن دون أن تكشف حقيقتها. عليها أن تبدو عبقرية، لا أكثر.

وقبل كل شيء، يجب أن تتجنب مواجهة القائد يوريين مهما كلّف الأمر.

‘حتى لو تذكرني… فلن يعرفني بهذا الشكل.’

نظرت إلى فستانها الأنيق، وتنفست بعمق.

فهي لم تكن مجرد متقدمة عادية، بل امرأة عادت من الماضي.

في عمر الخامسة والثلاثين، أعادت الزمن خمسة عشر عامًا إلى الوراء. محَت حياتها السابقة لتبدأ من جديد. ولم يكن ذلك صدفة، بل ثمرة صفقةٍ مظلمة وجهدٍ يائس منحها فرصة ثانية.

2025/11/08 · 52 مشاهدة · 795 كلمة
نادي الروايات - 2026