توقفت الأمطار التي كانت تهطل بغزارة خارج أرجاء القلعة فجأة، وبدأت تخف شيئًا فشيئًا حتى تلاشت تمامًا، مخلفةً وراءها سكونًا رطبًا فحسب. شرعت السماء التي كانت مختنقة بالغيوم السوداء في الانجلاء، وكأن العاصفة قد مُحيت عن الوجود.
حدّق لي ليم في أشعة الشمس وهي تنسكب عبر النوافذ، ثم، وكأنما نَحّى جانبًا الألم الذي كان لا يزال يعتلج صدره، جزّ على أسنانه، وأدار وجهه، وتابع سيره في الرواق.
أما الناجا، التي صدمتها رؤية هذا العرض من القوة، فاستعادت رباطة جأشها على الفور، وأبعدت ناظريها عن النافذة، ثم سارت خلفه.
عندما بلغا أبواب القاعة الكبرى، ارتجفت الأبواب ثم انفتحت من تلقاء نفسها، كاشفةً عن حجرة عملاقة أشبه بكاتدرائية مهيبة. في الأعالي، زينت النقوش الأوبسيدية السقف المقبب، ودعمته أعمدة ضخمة من الأوبسيديان ذاته.
ملأت المشاعل الكبيرة المليئة بالجمر الأزرق المتوهج المكان بأسره، ورسمت ظلالًا طويلة متراقصة على الجدران. في قلب الحجرة، انتصبت طاولة ضخمة، نحتت من لوح حجري داكن واحد، امتدت بطول يكفي لاستضافة عشرة أشخاص حولها.
في تلك اللحظة، كان سبعة أشخاص يجلسون في مهابة حول ذلك اللوح الهائل، تاركين ثلاثة كراسٍ شاغرة. من بين الحاضرين، كانت أربع نساء وثلاثة رجال، وخلف كل منهم وقفت ناجا تراقب المشهد.
فور وصوله إلى القاعة الكبرى، دخل لي ليم بخطواته المتجردة من أي اهتمام، ثم اتخذ مكانه عند رأس الطاولة.
أسند مرفقيه إلى سطح الطاولة، وشبك أصابعه معًا، ثم أراح ذقنه على يديه بينما كان يتفحص وجوه الأشخاص السبعة أمامه.
أما الناجا التي كانت تتبعه، فقد اتخذت مكانها خلفه، مطأطئة عينيها في إجلال.
في تلك اللحظة، زمجر أحد الأسياد، وهو رجل بدا عليه نفاد الصبر بطبيعته، وأرخى ربطة عنقه. كان في العشرينات من عمره، بشعر مهذب بعناية، يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وقد ألقى بظهره على كرسيه بطاقة لا تهدأ. بينما كان يمضغ علكته بقوة، أدار رأسه إلى لي ليم وقذف بكلامه: “يا أخي الأكبر، لأكون صريحًا معك، لا أحب الطريقة التي تسير بها الأمور.”
التفت برأسه بحدة نحو الآخرين واستهزأ قائلًا: “قد يكون الأمر مقبولًا بالنسبة لكم أن تلعبوا دور الأسياد في هذا العالم المنسي، لكنني لست كذلك! لديّ زوجة وأطفال، وكانت لي حياة في سيول، وعليّ أن أعود إليها. كلما أسرعنا في إنجاز المهمة التي كلفنا بها الكائن المتعالي الذي أحضرنا إلى هنا، كلما عُدنا أسرع. فلم نتقاعس هنا إذن؟ إلى متى سنظل جالسين بلا فعل أي شيء؟!”
لم يكد الرجل ينهي كلامه حتى التفتت إليه كيم أون-جي، التي كانت تجلس قبالته، وقالت له: “احذر نبرة صوتك يا مين-هيوك.”
على الرغم من أن عيني أون-جي كانتا معصوبتين، إلا أنها بدت وكأنها تستطيع رؤيته بوضوح.
بجانبها، انحنت امرأة جميلة ذات ملامح حادة وشعر أشقر إلى الأمام فوق الطاولة، وقالت: “في الواقع، أنا أتفق مع مين-هيوك في هذا الشأن. أعني، لقد جُررنا جميعًا إلى هنا رغماً عنا بواسطة ذلك الكائن المتعالي. أليس من الظلم أن يكون أخي الأكبر هو الوحيد القادر على التحدث إليه؟”
قبالة المرأة الشقراء، كان رجل يبدو كرجل أعمال مثقف يشرب من زجاجة ماء. ألقى الزجاجة على الطاولة بقوة بعد أن تحدثت، ثم رفع يده وقال: “حسنًا، أنا لا أفتقد كوريا في الحقيقة. أحب العيش هنا. لكنني أيضًا أؤيد مين-هيوك وهانا. فلمَ لا نفعل شيئًا؟ إننا نعرف مكان القادمين من عالم آخر.” ثم التفت إلى لي ليم وأضاف: “فلِمَ لا نذهب إلى بستان الدمى ونقضي على هؤلاء الأوغاد؟!”
خيم الصمت للحظة.
مال لي ليم إلى الخلف في مقعده، ونظر إليهم بنظرة باردة جعلت بقية الأسياد يتململون في أماكنهم بانزعاج. ثم كسر الصمت أخيرًا بصوت خالٍ من أي عاطفة: “قد لا تعلمون هذا، ولكن سو-مين وتاي-هيون قد فارقا الحياة.”
“ماذا؟!”
فجأة، توترت الأجواء في القاعة الكبرى، وخيّم الصمت المطبق على الجميع. تبخرت الطاقة العدوانية التي كانت تملأ المكان قبل لحظات في لمح البصر. [ ترجمة زيوس]
كان من السهل ملاحظة أن الجميع قد أصابهم الذهول فجأة، وعقولهم غمرتها الأسئلة حول كيف يمكن لكائنين من الرتبة الرابعة أن يلقيا حتفهما بهذه السرعة. في عالم كانوا فيه أشبه بالكائنات السامية، لطالما بدا مفهوم الموت الدائم مجرد ذكرى بعيدة، حتى هذه اللحظة.
في تلك اللحظة، رفع لي ليم يده، فناولته الناجا الواقفة خلفه كأسًا من النبيذ. حدّق لي ليم في السائل الأحمر لعدة ثوانٍ قبل أن يواصل حديثه.
“في الفترة الوجيزة التي قضيناها في هذا العالم، أصبحنا أقوياء لدرجة أن السببية نفسها اضطرت للتدخل.”
رفع رأسه من يده إلى الوجوه الشاحبة للأشخاص السبعة في القاعة وقال: “السببية تعشق التوازن، كما تعلمون. ولهذا السبب، لم يعد بإمكاننا التحرك بحرية كما نشاء. إذا غادرنا منطقة الرتبة الثالثة، فإن السببية تخفض رتبتنا بالقوة وتقمع معظم قدراتنا. وإذا انتقلنا إلى منطقة الرتبة الثانية، فإننا نهبط رتبة واحدة، ورتبتين إذا ما توغلنا في منطقة الرتبة الأولى.”
ارتسمت ابتسامة باردة على جانب شفتيه. “لقد حذرت سو-مين وتاي-هيون من قبل، وطلبت منهما التحلي بالصبر والثقة بي. لكنهما رفضا الإصغاء. لقد عبرا إلى منطقة الرتبة الثانية، فجرتهما السببية إلى مستوى أولئك الذين سعيا لقهرهم، ليُذبَحا على يد حفنة من أوغاد قادمين من عالم آخر من الرتبة الثانية.”
أشار إلى الآخرين، الذين كانوا يحدقون به الآن بعيون واسعة، وقال: “إذا كنتم يا أوغاد مصممين على الذهاب إلى بستان الدمى، فليكن. اذهبوا. لكن بعد أن تُسقطكم السببية إلى الرتبة الثانية، سأكون فضوليًا لأرى كيف ستواجهون ألفًا منهم على نفس مستواكم.”