الفصل المئة وواحد وثلاثون : المقدمة الثانية - [البداية]
________________________________________
قبل بضعة أشهر، وقبل الانتقال العظيم، لم يكن سوى كيم مين-جون. شابٌ عاديٌّ يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، يرزح تحت وطأة قلق شديد ينهش روحه.
وفي إحدى ليالي الخميس العاصفة، جلس كيم مين-جون في ركنٍ منعزلٍ بحديقة عامة، يرقب بفارغ الصبر قدوم أهم شخص في حياته. كانت يداه مغروستين عميقاً في جيبي معطفه، وقد طأطأ كتفيه ليحتمي من برودة الليل القارسة، بينما ينساب لحنه المفضل إلى أذنيه عبر سماعاته، متكرراً بلا توقف. كان ذلك اللحن المتواصل هو الشيء الوحيد الذي يصد غوائل أفكاره المتسارعة.
كان لدى سيدريك، أو بالأحرى كيم مين-جون، عادة قضم الأظافر وقرع ساقيه على الأرض بإيقاع سريع وغير متساوٍ، وكأنها وسيلة لإطلاق الطاقة العصبية التي تضطرم تحت جلده.
لم يمضِ وقت طويل حتى لمح حبيبته قادمة بصحبة زميلة لها. كانت فتاة فائقة الجمال، ببشرةٍ عاجيةٍ وشعرٍ أسود حالكٍ قصّته على هيئة "بوب". وعلى أنفها كان يستقر زوج من النظارات السميكة، كانت تعدّلها بين الحين والآخر.
ما إن وقعت عينا كيم مين-جون عليها، حتى رفرف قلبه وذاب قلقه الذي كان يعتريه.
عندما بلغت الفتاتان بضعة أمتار منه، توقفتا لوداع بعضهما. قالت سيو-يون بهدوء: “شكراً لمرافقتك لي إلى هنا يا هيي-جين.”
أجابت هيي-جين: “بالتأكيد. أراكِ في العمل غداً، حسناً؟”
“بالتأكيد.”
استدارت هيي-جين وغادرت، بينما هرعت سيو-يون إلى كيم مين-جون الذي كان واقفاً ينتظرها بابتسامة عريضة على وجهه.
ركضت إلى أحضانه، معانقةً إياه بقوة، ثم سألت بنبرةٍ ناعمة: “هل انتظرت طويلاً؟”
كذب عليها، فأجاب: “لقد وصلت للتو.”
كان كيم مين-جون قصير القامة، لذا كان على سيو-يون أن تنظر إلى أسفل لتتأمل وجهه؛ ثم انحنت وقبّلته على شفتيه. حلّ الدفء محل صقيع الليل لحظة تلامس شفتيهما، ثم تباعدا برفق.
أمسك كيم مين-جون بيد سيو-يون، وبدآ السير معاً.
سألها: “كيف كان عملك اليوم؟ تبدين مرهقة للغاية.”
تنهدت سيو-يون قائلة: “أنا منهكة حقاً يا حبيبي.”
كانت سيو-يون تعمل في شركة ألعاب تدعى إيليسيوم ستوديوز، مصممة شخصيات رئيسية. وفي كل مرة تعود فيها من العمل، كانت تبدو مرهقة على الدوام.
تابعت: “كما هو الحال دائماً، كان اليوم صاخباً. على الرغم من أن الشركة قررت بالفعل الإغلاق، لا يزال هناك الكثير من المهام التي يجب علينا إنجازها قبل أن يتم تسريحنا أخيراً.”
أمالت رأسها قليلاً لتريحها على كتفه، مستشعرةً الدفء المنبعث منه.
قال كيم مين-جون بصوتٍ يملؤه القلق بينما أحكم قبضته على يدها: “لم تخبريني لماذا قررت شركتك الإغلاق فجأة هكذا.”
ابتسمت وهي تقول: “هذا لأن السبب الحقيقي كان سراً. لكنني سأخبرك به على أي حال.”
استأنفت سيو-يون سيرها ثم بدأت حديثها: “لقد بدأ كل شيء قبل بضعة أشهر. بدأ أشخاص مهمون في الشركة بالاختفاء واحداً تلو الآخر. في البداية، ظننا أنهم ربما ذهبوا في إجازة أو ما شابه، لكن المزيد من الأشخاص اختفوا دون كلمة. حتى بعد عدة أشهر، لم يعد أي منهم. لا أحد يعلم أين هم، وحتى الشرطة لم تتمكن من العثور على أي خيط؛ كأن هؤلاء الأشخاص قد تبخروا في الهواء.”
“أول شخص اختفى فجأة كان رئيسنا التنفيذي، السيد لي ليم. ثم تبعه مساعده، كيم إيون-جي، ثم رئيس قسم التطوير، والعديد من كبار المسؤولين الآخرين. كان الأمر كأن جوهر الشركة بأكمله يُسحب قطعة تلو الأخرى. حتى صديقتي هانا. تعرفها، أليس كذلك؟”
أومأ كيم مين-جون برأسه، واتسعت عيناه في دهشة.
أومأت سيو-يون أيضاً وقالت: “لقد اختفت هي الأخرى.”
عند هذه النقطة، توقف كيم مين-جون. “انتظري... إذاً لماذا لا زلتِ تعملين هناك؟ إذا كان كل هؤلاء الأشخاص يختفون، فلا بد أن شيئاً مريباً يحدث بالتأكيد. لا أعتقد أن فكرة الاستمرار في العمل هناك جيدة. ماذا لو…”
قاطعت سيو-يون كلامه بلطف قبل أن يتمكن من إكمال جملته: “أردت أن أستقيل… ولكن بعد ذلك، كثّفت الشركة إجراءات الأمن فجأة وزادت أجورنا. تعلم أننا بحاجة إلى ذلك المال، بما في ذلك مكافأة نهاية الخدمة، من أجل المنزل الذي نرغب في شرائه.”
تنهد كيم مين-جون. كان كلاهما يدخران لشراء منزلهما الخاص، لذا كان بإمكانه أن يفهم. ومع ذلك...
“أنا لا أشعر بالراحة حقاً. هل أنت متأكدة من أن الاستمرار في العمل هناك آمن؟”
أومأت سيو-يون برأسها.
“لم يختفِ أحد في الأشهر القليلة الماضية. بالإضافة إلى ذلك، ستغلق الشركة أبوابها خلال شهرين، لذا سأبقى هناك حتى النهاية.” [ ترجمة زيوس]
نظرت إلى وجه كيم مين-جون، وعندما رأت القلق لا يزال بادياً في تعابيره، انحنت وقبّلته على خده، ثم همست له بكلماتٍ خجّلت وجهه.
عندما تلعثم، ابتسمت قائلة: “لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام. سأكون بخير.”
ثم أشرق وجهها وكأنها تذكرت شيئاً. “بالمناسبة، أحضرت لك شيئاً.”
توقفت ومدت يدها إلى حقيبتها، ثم أخرجت لعبة.
أخذها كيم مين-جون وتأملها.
على غلاف اللعبة كانت صورة صبي ذي شعر أشقر ذهبي وعينين خضراوين بارزتين، يقاتل شخصية تبدو كملاك ضخم الجناحين. وعلى الجانب، كُتب اسم اللعبة بخط عريض وأحمر:
[سيرافيم أوف دوم.]
قالت سيو-يون: “إنها اللعبة التي كانت شركتي تعمل عليها طوال هذا الوقت. إنها غير مكتملة، حيث اضطررنا إلى إيقاف التطوير في منتصف الطريق، ولكن بما أن الاستوديو سيغلق أبوابه، فقد منحونا نسخاً أولية للعب بها في المنزل. أعلم كم كنت تتطلع لرؤية ما أمضيت ليالي متأخرة في العمل عليه.”
ما إن تحدثت سيو-يون، حتى ابتسم كيم مين-جون وسحبها إليه في عناق آخر. كان يعشق الألعاب، لذا كانت هذه أفضل هدية يمكن أن تمنحه إياها، خاصة وأنه يعلم كم بذلت من نفسها في هذا المشروع.
همس في شعرها: “شكراً لكِ،” بينما كانت يداه بالفعل تتحسسان حواف غلاف اللعبة. “لا أطيق الانتظار لأرى أخيراً العالم الذي صنعتيه.”