"إبني......، إبني العزيز، لقد عدت أخيرا من مركز الأطلال"

"عفوا!!، أتقصدني أنا !؟"

سأل الفتى و هو ينظر إلى الرجل في منتصف العمر القادم نحوه فاتحا ذراعيه، جين الذي كان لتوه قد غادر قرية الغصن لم يبتعد كثيرا حتى ظهر أمامه هذا الأب من العدم.

"توقف عندك يا هذا "

أشار الفتى إلى الأب الغامض بالبقاء مكانه، فكونه فقد ذكرياته لا يعني أنه فقد حذره كذلك

"ما بك لما تتصرف و كأنك لا تعرفني!، أنا والدك"

"و أي والد هذا الذي يحمل كل هذا الحقد و البغض اتجاه إبنه"

ساو يي،  زعيم الظلاميين الذي اعتقد أن بإمكانه استغلال فقدان جين لذكرياته كي يتمكن بسهولة من أسره و الإستلاء على جسده، تفاجأ أنه رأى بسهولة من خلاله.

لثواني بقي يحدق في إبنه، أو بالأحرى في الجسد الذي تسكنه روح غريبة قبل أن يكتشف أن من يحدثه بشري بالكامل و ليس شظية تحمل فقط جزءا من روح و قوة مالكها كما يفترض أن يكون.

" من أنت؟"

"أنتِ، بصيغة المؤنث"

أجاب الفتى قبل أن يتغير الفضاء من حوله و يتلاشى السراب ليتجلى أن من تنكر على شكل جين هي فتاة في العشرين من عمرها و واضح من قبعتها المدببة و عصاها الخشبية أنها ساحرة.

"قرية الغصن مكان روحي و مقدس، لا يجدر لأمثالك التجول فيها مع نية القتل و هالة البغض التي تحيط بك"

"إذا هناك حارس جديد، و هو ساحر حسي، مع مهارة لإستكشاف الأحاسيس و المشاعر ، قابلت واحدة تشبهك..... ليس تماما فتلك المرأة لا نضير لها"

تمتم ساو يي و هو يتذكر الشقراء غريبة الأطوار التي إلتقاها في مركز الأطلال، قبل أن يبعد هذه الأفكار عن رأسه مركزا في الخصم الخطير الذي حاول جاهدا تجنبه.

ساو يي كان يراقب جين منذ الأمس، لكنه لم يجرؤ على القيام بأي خطوة في قرية الغصن، فلو حدث أمر خاطئ و تحول الإختطاف إلى معركة فسيلفت إنتباه الحراس المكلفين بحماية الشجرة المقدسة، و هؤلاء هم وحوش في ثياب بشرية.

خطته الأساسية كانت سحب جين إلى بعد موازي،إلا أن الساحر الذي يمتلك جوهرة البعد الأصفر، غادر مطاردا تشان لين بحثا عن الإنتقام مخالفا لأوامره.

 و لذلك لم يجد حلا سوى الإنتظار حتى خروج الفتى من القرية، إلا أنه لم يفكر للحظة أن هناك من يراقبه و أنه بالفعل استفز أحد الحراس الوحوش.

لا يعرف ساو متى استبدلت هذه الساحرة الأماكن مع جين، لكن لا يوجد الكثير من المسارات هنا و هذا يعني أنه ليس ببعيد عنهم.

رفع ساو يده و أشار لأتباعه المختبئين كي يبحثوا عن جين و يأسروه، واضح أنه سيعرقل الساحرة بنفسه، لكن الفتاة لم تتحرك من مكانها

"ألن تحاولي منعهم؟"

" منع ماذا؟، أتعتقد أنه لقمة سائغة كونه شظية زمنية مع مهارات الإغتيال فقط ......باه"

نقرت على لسانها بسخرية و أضافت

" نحن نتحدث عن تاي جين هنا....... مثلي الأعلى ، قدوتي و ....... معلمي"

وجه ساو يي تغير و اتسعت عيناه كالفناجين،لا يعرف طبيعة العلاقة التي تربطها بجين، لكن مهما كان الرابط الذي يجمعهما فيستحيل أن تتذكره فلا أحد في هذا الوجود يمتلك القوة لمقاومة سحر مقدس قادر على حذف شخص من الوجود.

 من المفاجأة تراجع خطوة للخلف و نظرا إليها في كفر

" أنت من تكونين؟، كيف لبشري القدرة على مقاومة قوة الأسياد....."

في هذه اللحظة اكتشف ساو أنه أجاب عن سؤاله بنفسه، من تقف أمامه ليست بشرية و لا من أي جنس من الأجناس المعروفة

"هيئة....... هيئة روحية!!!"

في كل مرة يذهب فيها ساو يي خلف إبنه إلا و يرى أمرا عجبا،الإندماج مع الهيئة الروحية الذي يعتبر نسجا من الخيال رآه مرتين

في المرة الماضية عندما إندمجت أسيرة المكعب الأحمر السيدة الأولى هان ايدا مع هيئتها الروحية و هذه المرة  هذه الآنسة الغامضة التي تقف أمامه، و بالطبع الهيئات التي تمتلك وعيا خاصا بها لا تتأثر بالسحر المقدس و لن تختفي ذكرياتها.

رغم هذا ليس بإمكان الهيئات الروحية إبلاغ ملاكها عن الذكريات المفقودة، فبسبب السحر المقدس المتعاقدين المرتبطين بالحادثة يجدون مشكلة في التواصل مع هيئاتهم الروحية، و إذا كان محظوظين كفاية لإجراء هذا التواصل فإنهم سيفقدون ذكرياتهم مرة ثانية لحظة انقطاع الإتصال.

"يومي... يومي.... هذا الرجل قد تعرف عليك"

لا تزال المفاجآت تتوالى، و الهيئة السحرية صاحبة القبعة العصا تحدثت هذه المرة بصوت طفلة صغيرة

"أخبرتك مئة مرة ألا تتحدثي، و إلا سيكتشفون هويتك"

"ها.... ماذا عن القبعة و العصا؟، عمتي اكتشفتنا بسببهما"

" هذا لأنك تستمرين في إظهاري من أجل استعراض التوأم خاصتك"

" ألا تحبين لعبة التوأم..... هل يومي غاضبة مني؟"

" أرجوك لا تحزني أنا لم ......يا لئيمة لا تعتقدي أنه بمقدورك خداعي فأنا أقرأ المشاعر "

استمر الشجار بين الفتاة و نفسها بعض الوقت، و استمر ساو يي في التحديق ، حتى مع خبرته استلزم الأمر منه بعض الوقت لتحليل الوضع، حتى و إن كان لا يعرف سر الهيئة و سبب مناداتها لجين بالمعلم فهو بالتأكيد يستطيع أن يحزر و بسهولة هوية الطفلة التي تمتلكها.

*ههه......ههه.....هاهاها*

إنفجر زعيم الظلاميين ضاحكا كالمجنون و معها إنفجرت نية قتل مشؤومة، حتى أن ملامحه تغيرت و ضاقت عينيه لتكشف عن وميض دموي.

"مي ،فلتتراجعي"

شعت الهيئة الروحية يومي بالمانا اللازوردية و سحبت روح مالكتها إلى عالمها الروحي، الحقد و الكره الذي استشعرته سابقا ضد جين لا يمكن مقارنته بموجة الغل ضد مالكتها.

 

" من يصدق أن الطفلة التي نجت مني و هي رضيعة كبرت لتشكل خطرا علي،سي مار لقد أقسمت مرة أني سأذيقك الأمرين و أني سأفني نسلك من الوجود،و يبدوا أن وقت الإيفاء بهذا العهد قد حان أخيرا"

قبل سنوات عندما كانت مي رضيعة عمرها لا يتجاوز السنة، تعرضت لمحاولة إغتيال، ليلتها والدها كان غائبا و نجت بفضل رفيقه الذي تمكن بمعجزة من تهريبها و إيصالها لإيلين زوجة أبيها حاليا

" إذا أنت من كنت السبب في فراق الإبنة عن والدها طيلة تلك السنين"

تحدثت الهيئة مرة أخرى لكن هذه المرة بلسان جديد يعود لإمرأة بالغة، لإمرأة يعرفها ساو يي حق المعرفة

"هان ايلين!!...... "

أشياء كثيرة لا يمتلك ساو يي تفسيرا لها لكنه لا زال قادرا عن التغاضي عنها كفكرة الطفلة التي أصبحت  تمتلك جسد امرأة بالغة بعد اندماجها مع هيئتها الروحية، وعن حقيقة أن بمقدورها الحديث بلسان بشري بدلا عن  الأصوات كباقي الهيئات.

ساو يي يمكنه فقط أن يعيز كل هذا إلى السحر،  سحر لتغيير الشكل و آخر لتجسيد الأفكار، لكن ما لا يجد له تفسيرا هو لماذا شخص آخر غير مالك الهيئة الروحية يتحدث من خلالها؟.

"يومي، إستخدمي الإنتقال الآني لإحضاري"

" أجل سيدتي"

أنهت يومي الحديث مع نفسها، و أرخت قبضة يدها عن العصا التي تحملها لترتفع هذه الأخيرة في السماء و قد أحاطت بها دائرة سحرية،لمع ضوء يعمي الأبصار و عندما بدأ يتلاشى ظهرت صورة ظلية لإمرأة و قد أمسكت بالعصا الروحية.

بهدوء و بطئ نزلت السيدة الجميلة و شعرها الأبيض الطويل يرفرف مع الهواء.

"ايلين، لا تزالين جميلة كما عهدتك"

" ساو يي، بالرغم من أنني لا أرى فبإمكاني القول أنك ازددت قبحا و دناءة"

الإثنان اللذان كانا يوما ما يجمعهما رابط مقدس و انتهى بمحاولة قتل أحدهما الآخر إلتقيا أخيرا بعد كل تلك السنين.

نظر ساو يي إلى الجمال الواقف أمامه و قد اختلجته مشاعر متضاربة، لقد كانت المرأة الوحيدة التي أحبها في حياته و أم إبنه الوحيد، لكنها اليوم زوجة عدوه اللدود

"لأنني أحببتك ذات مرة، و لأنني ظلمتك مرة سأمنحك فرصة للنجاة بحياتك، تراجعي"

"أتراجع، واجب الأم حماية أطفالها"

"إنها ليست إبنتك، و ما عساك  تفعلين و أنت ضريرة عاجزة"

*تاب*

ضربت تاي إيلين بعصاها على الأرض ليتفجر جسدها بالمانا، مع ارتفاع شعرها إلى السماءو ببطئ فتحت السيدة الضريرة عيناها لتكشف عن عيون تتلألأ كالنجوم

"أنا لست بعاجزة و لا ضريرة، ليس بعد الآن ،ليس مع هذه العصا الروحية"

 هيئة إبنتها السحرية ذات الأدوات الروحية، و بمقدورها نقل هذه الأدوات إلى سحرة آخرين، عائلة ايلين اكتسبت فردا جديدا و هذا الفرد ليس سوى روح الفتاة التي توفيت في الماضي دفاعا عن ولديها..... الساحرة الجميلة يومي.

التعليقات
blog comments powered by Disqus