تغطي الغابة السحيقة نصف مساحة القارة؛ مستودعاً للموارد الثمينة وموطناً لأشرس الوحوش. لطالما تسابقت الممالك والإمبراطوريات لنهب خيراتها، متناسين حقيقة واحدة: لكل أرضٍ ملوكها، وهؤلاء الملوك ليسوا من البشر.
حين ثار ملوك الوحوش وشنوا حربهم، غرق العالم في فوضى عارمة لم تنتهِ إلا باتفاقية تاريخية صاغت ملامح العصر الجديد. نصّت المعاهدة على تشييد خمس مدن حرة على أطراف الحدود، لتكون البوابات الشرعية الوحيدة لدخول الغابة بغرض الصيد واستخراج الموارد، دون إحداث دمار في بيئتها. وفي المقابل، التزم سكان الغابة بعدم تجاوز حدودهم؛ باستثناء ليلة واحدة كل خمس سنوات، حيث يُسمح بالهيجان العشوائي للوحوش دون خروج قادتهم العظام، وشريطة ألا يتم احتلال شبر واحد من أراضي البشر.
تقع "مدينة هلال" على أطراف الغابة السحيقة، وقد سُميت بهذا الاسم نظراً لأسوارها المقوسة التي تحيط بمدخل الأشجار كالهلال. ورغم أنها مدينة حرة قانوناً، إلا أنها تقبع بالكامل تحت النفوذ السري للإمبراطورية الذهبية، والتي تبسط سيطرتها عبر وكيلها العسكري هناك: جماعة مرتزقة "المخلب الذهبي". المدينة صاخبة، يملؤها ضجيج السلاح، المرتزقة، وتجار المواد السحرية.
كنت أعيش في أزقة هذه المدينة متسولاً يقتات على الفتات، بسبب مرتزق أحمق وعاهرة غبية رميا بي إلى الشارع. لسنوات عشت على التوسل، لكن هذا الصباح تغير كل شيء حين استيقظت قوتي الكامنة. البارحة فقط، نَبشتني كلاب الأزقة وجرحت كاحلي،
لكن مع أول شعاع شمس، رأيت جرحي يلتئم بلمسة من كفي الدافئة. علمتُ حينها أنني لم أعد مجرد جثة تؤجل موتها، بل معالجاً. اتخذت قراري فوراً وتوجهت إلى مقر "المخلب الذهبي"؛ فالإمبراطورية تدعم المواهب المستيقظة عبر هؤلاء المرتزقة، وتوفر للمتطوعين المأكل والملبس وتدريباً يمتد لخمسة أشهر لفرز القدرات.
وقفت بجسدي النحيل وثيابي الممزقة أمام جندي الحراسة الضخم عند بوابة المقر. نظرت إلى حذائه الحربي الضخم الملطخ بالطين، وبلعت ريقي الجاف محاولاً طرد الارتجاف من صوتي الطفولي: "مرحباً.. أريد الانضمام إليكم".
نظر الجندي إليّ بسخرية واضحة، وقهقه مستنكراً: "ارحل من هنا يا بني، نحن لا نأوي الأطفال حتى لو استيقظت قواهم حديثاً".
حبست أنفاسي، وأمسكت بطرف درعه الحديدي قبل أن يدفعني بعيداً، وصرخت بسرعة: "لكن.. قدرتي علاجية!".
تجمّدت ضحكة الجندي فوراً، واختفت سخريته لتحل محلها نظرة جشع حادة؛ فالمعالج وسط غابة الوحوش يساوي وزنه ذهباً. أخرج سجلاً ورقياً قديماً، وهتف بصوت حاد يخلو من الرحمة: "الاسم، العمر، وكم مرة تستطيع استخدامها؟".
أجبت وأنا أرتعد تحت نظراته: "بيل. في السادسة من عمري. وأستطيع استخدامها مرة واحدة فقط في اليوم".
أغلق الجندي السجل بضربة قوية أثارت الغبار وقال بصرامة: "انتظر هنا.. ولا تتحرك".
مرت عشرون دقيقة طويلة كأنها دهر، قبل أن يفتح البوابة الحديدية الثقيلة مشيراً برأسه: "تعال معي".
قادني عبر ممرات حجرية باردة ورطبة، ليسلمني إلى موظف معسكر التدريب، الذي دفعني دون أي عاطفة نحو غرفة ضيقة مظلمة، تحتوي على أسِرة خشبية متراصة وثياب عسكرية خشنة لا تناسب حجمي الصغير. التفت إليّ الموظف قبل أن يغادر، وقال بجفاء صدم قلبي الصغير: "هذا مسكنك. سيبدأ تدريبك مع شروق الشمس غداً".
ارتميت على السرير الصلب الذي وخزتني أخشابه، ومسحت دموعاً هربت من عيني وأنا أحدق في السقف وعقلي الصغير يكاد لا يستوعب ما حدث.
تذكرت الإشاعات المخيفة التي كانت تدور بين متسولي الأزقة: "المواهب العلاجية مطلوبة ".
مع أول شعاع لشروق الشمس، دفع الباب رجلٌ يختلف تماماً عن بقية المرتزقة الصاخبين؛
كان يرتدي ثياباً أنيقة ونظيفة تليق بالنبلاء، ويحمل هدوءاً غامضاً وصارماً. نظر إليّ بنظرة فاحصة، وقال بنبرة هادئة: "اسمي وليام، وأنا المسؤول عنك طوال فترة تدريبك.. اتبعني".
توقعتُ بعقلي الطفولي الساذج أن نذهب إلى ساحة التدريب العريضة، ويقوم بتعليمي كيف أمسك سيفاً صغيراً أو رمحاً، لكنني تفاجأتُ حين أخذني إلى غرفة دراسة مغلقة تفوح برائحة الورق القديم.
وضع وليام كتاباً ضخماً أمامي، وقال بصرامة: "بدءاً من الآن سوف تتعلم القراءة, وبعد ذلك وظائف جسم الإنسان".
وقفتُ حائراً، أنظر إلى حجم الكتاب المرعب، فعاد وهتف بنبرة حادة: "لا تقف هكذا كالأبله.. تعال واجلس!".
مرت بضعة أيام قاسية وأنا أحاول فك رموز الحروف المعقدة والدموع تعمي عيني أحياناً. قاطعني وليام ذات صباح وهو يغلق الكتاب فجأة، وسألني: "أنت تحتاج وقتاً طويلاً حتى تجيد القراءة.. أخبرني برأيك، كيف تعمل قدرتك العلاجية؟".
أجبت بتردد وأنا أفرك يدي الخائفتين: "تقوم.. تقوم المانا بعلاج الجسم، سيدي".
هز رأسه نفياً، وسار خلف مقعدي قائلاً: "خطأ. المانا العلاجية تقوم بتسريع علاج الجسم لذاته بشكلٍ عام. لهذا إذا تعلمت تشريح جسم الإنسان، ستعرف كيف تحصر طاقتك في الجزء المصاب بدقة، وبذلك تقلل استهلاك المانا وتزيد شدة العلاج في النقطة الحرجة".
صمت قليلاً، ثم رفع يده فجأة أمام عيني الصغيرتين؛ وفي لمح البصر، تجمّد الهواء وتشكّلت كتلة من الجليد الحاد فوق كفه. تراجعت للخلف بفزع، فتابع بهدوء: "مستخدمو المانا ينقسمون إلى قسمين: فطري ومكتسب. المكتسب يكون عن طريق التدريب والتأمل لكسر حدود البشر، وتقتصر قدراتهم على عناصر الطبيعة الأساسية وتقوية الجسد.. مانا خاصتي جليدية، ولا يمكنني استخدام شيء آخر".
تبخر الجليد من يده كالسحر، واقترب مني ينظر في عيني مباشرة: "لكن الفطري مثلك مختلف تماماً. القدرات التي يحصل عليها مستخدمو الفطري عشوائية، لا علاقة لها بالتدريب أو النسب. قد تشمل العلاج، أو تحويل الجسد، أو التحكم بالدمى. والطريقة الوحيدة لتصبح أقوى هي فهم قدرتك بعمق، أو وضع شرط وقيد صارم على نفسك لا تتخطاه مقابل أن تمنحك المانا قوة مضاعفة".
بعد مرور شهرين كاملين من الدراسة المكثفة والمرهقة لجسم الإنسان،
جاء وقت الاختبار العملي. اقتادني وليام إلى قبو المعسكر الداكن. كتمت أنفاسي بيدي الصغيرة؛ فالرائحة في الأسفل كانت ثقيلة وخانقة، تفوح بحديد الدم وعفن الرطوبة المتراكمة. وجدنا أنفسنا أمام زنزانة حديدية يرقد بداخلها مرتزقٌ ضخم الجثة يئن بصوت مرعب، وهناك طعنة غائرة في جانبه الأيمن تنزف بغزارة صبغت الأرض بالأسود.
خلفنا، ظهر قائد المعسكر ذو الملامح الخشنة المرعبة، ونفث دخان غليونه بجفاء: "حسناً يا وليام، لقد أهدرت شهرين من وقتنا في تعليم هذا القزم. اليوم سنرى إن كان يستحق فتات الخبز، أم سنرميه بشارع. أمامك جندي مصاب بنزيف داخلي حاد وطعنة في الكبد. عالجه الآن.. وإلا ستبيت الليلة في الشارع مجدداً".
تراجعت خطوة إلى الوراء، وكان قلبي يقرع صدري كالطبول من شدة الرعب. انحنى وليام نحوي وقال بصوت منخفض جداً: "تذكر ما تعلمته يا بيل. لديك فرصة واحدة فقط اليوم.. ركز طاقتك".
اقتربت بجسدي الصغير من العملاق المتألم. ركعت بجانبه في بركة الدم، ووضعت كفي الصغيرة المرتجفة فوق الجرح المفتوح. أغلقت عيني واستجمعت المانا الدافئة من أعماقي، وتخيلت شريان الكبد الممزق بناءً على ما حفظته في الرسوم. حاولت حصر الطاقة في تلك النقطة، وخرجت من كفي هاله خضراء باهتة.
في تلك اللحظة، شعر جسدي النحيل بجهد هائل يمتص كل ذرة حياة في داخلي. رأيت الجلد يلتحم من الخارج بنجاح، لكنني سمعت صوتاً مكتوماً مرعباً يشبه تدفق سائل محبوس داخل تجويف بطنه، وظلت أسفل ضلوعه منتفخة وزرقاء بشكل غريب.. شعرت بدوار ساحق، وسواد يهاجم عيني، وسقطتُ غائباً عن الوعي دون أن أفهم ما حدث.
...
فتحتُ عيني ببطء لأجد نفسي مستلقياً على سريري الخشبي. كان وليام واقفاً عند زاوية الغرفة يراقبني بصمت.
سألته بصوت مبحوح ومتردد وأنا أرتجف شوقاً للجواب: "سيدي وليام.. الجندي.. هل.. هل نجحت؟".
اقترب وليام خطوة، وبدت على وجهه ابتسامة غامضة مطمئنة، وقال بنبرة ثابتة: "نعم يا بيل. لقد نجحت تماماً. لقد أغلقت الجرح ببراعة، والرجل استعاد عافيته وغادر الزنزانة بفضلك".
شععر بفرحة عارمة غسلت كل خوفي، وابتسمت بفخر واثق؛ لقد أثبتُّ نفسي أخيراً ولم أعد متسولاً بلا قيمة!
تابع وليام قائلاً: "لكن القائد يرى أنك استهلكت طاقتك بسرعة وفقدت الوعي، وهذا يعني أن جسدك ما زال ضعيفاً كالأطفال. لذلك، قرر نقلك مؤقتاً للعمل في المطبخ والمخازن لتعتاد على الأعمال البدنية الشاقة وتكتسب بعض البنية الجسدية، حتى يحين موعد تسليمك للإمبراطورية بعد انتهاء الأشهر الخمسة".
أومأتُ برأسي بحماس طفولي نقي: "سأفعل أي شيء سيدي! سأعمل بجد وأصبح أقوى!".
غادر وليام الغرفة متوجهاً للممر المظلم، حيث كان قائد المعسكر ينتظره وهو يدخن غليونه وعيناه تلمعان في الظلام.
سأل القائد بصوت منخفض خبيث: "هل صدق القزم البليد كذبتك؟".
أجاب وليام بنبرة باردة خالية من أي مشاعر إنسانية، وهو يمسح بقايا دم المرتزق الميت عن كم ثوبه الأنيق: "بالطبع صدقها، إنه في السادسة من عمره. لو علم أنه فشل وسد الجرح سطحياً بينما مات الرجل نزيفاً وغرقاً بدمائه في الداخل، لتدمرت ثقته بنفسه".
...
مرت ثلاثة أشهر قاسية في غياهب المطابخ والمخازن الثقيلة. لم تكن مجرد أعمال بدنية، بل كانت جحيماً طحن عظامي الصغيرة وجعل جسدي النحيل يكتسب صلابة لم أعهدها، وكتفاي اللتان لطالما انحنتا تسولاً أصبحتا أكثر استقامة وثباتاً. كنت أستغل كل ليلة، وسط عتمة المطبخ وبقايا الطعام، لأراجع رسوم التشريح في مخيلتي وأتحسس نبضات جسدي، مستعداً لليوم الذي أثبت فيه كفاءتي مجدداً.
ذات صباح، دَوى جرس الإنذار النحاسي في أرجاء المعسكر؛ نغمة حادة متسارعة تعني أمراً واحداً: هجوم أو مهمة طارئة.
لم تمر دقائق حتى دُفع باب المطبخ بعنف، وظهر وليام بهدوئه الصارم المعتاد، لكن عينيه كانتا تحملان جدية غريبة. نظر إليّ وسط غبار الدقيق والدخان، وقال بنبرة قاطعة: "بيل، جهز نفسك فوراً. ستقوم بأول مهمة ميدانية لك مع فرقة الاستطلاع عند تخوم الغابة السحيقة. القائد يريد معالجاً في الخلفية لحالات الطوارئ".
قشعريرة من الحماس والخوف سرت في جسدي. أومأت برأسي سريعاً دون تردد. ركضت نحو غرفتي الضيقة، وخلعت مئزر المطبخ الملطخ بالرماد. لأول مرة، ارتديت الثياب العسكرية الميدانية؛ كانت سترة جلدية مدعمة بصفائح حديدية خفيفة عند الصدر، صُممت خصيصاً لتناسب حجمي الصغير. ربطت حذاء الحربي الجلدي الطويل حول ساقي بإحكام، وحملت حقيبة الإسعافات الجلدية الصغيرة التي تحتوي على بعض الضمادات ومشرط طبي نظيف، وعلقتهما حول كتفي.
وقفت أمام المرآة الزجاجية المكسورة في زاوية الغرفة. نظرت إلى عينيَّ؛
لم أعد ذلك المتسول الخائف، بل أصبحت جندياً ومعالجاً ينتظر مواجهة الغابة المخيفة. شددت على قبضتي، والمانا الدافئة تتدفق في عروقي مستجيبة لحماسي الساذج.
خرجت إلى الساحة الرئيسية حيث كانت الخيول تصهل والمرتزقة يربطون دروعهم وصيحاتهم تملأ الأفق. كان وليام ينتظرني عند البوابة، أشار إليّ بيده نحو عربة الإمدادات الخلفية وقال بجفاف: "اصعد هناك يا بيل، وحافظ على حياتك.. فالغابة لا ترحم المغفلين".