لم يكن ذلك صباحًا عاديًا...
كانت السماء حمراء كالجمر، بل أشدُّ حُمرةً من أي غروبٍ رأيته في حياتي السابقة. كانت كأنها بحرٌ من الدم يغلي فوق رأسي، تموج فيه الغيوم مثل دخانٍ أسود يتصاعد من جحيمٍ لا قرار له. أما الأرض فكانت تعكس لون السماء بلونٍ أكثر قتامة، وكأنها مرآة مشروخة امتصت دماء آلاف الأرواح فصارت تصبغ نفسها بذكراهم.
كانت الجثث مبعثرة في كل مكان. بعضها ممزّق الأطراف، وبعضها بلا رأس، وبعضها الآخر متفحم حتى لم يعد يُعرف إن كان إنسانًا أم وحشًا. رائحة اللحم المحترق امتزجت برائحة الحديد والرماد، لتخلق هواءً خانقًا يَصعب حتى على الموتى أن يتنفسوه.
كل خطوة كنت أخطوها كانت تُصدر صدى مكتومًا على الأرض اللزجة بالدماء، حتى الهواء بدا ثقيلاً كأنه يئنّ من وطأة ما رآه.
"إنها نسخة أخرى..."
تمتمتُ بصوتٍ مبحوح.
"وكم من مرة كنتُ على هيئة شخصٍ آخر وانتهيتُ بنفس النتيجة الموت؟ لقد توقفتُ عن العد منذ زمنٍ بعيد..."
كنتُ جاثيًا على ركبتيّ، غارقًا في صمتٍ لم يعد يؤثر بي. تأملتُ المشهد من حولي وكأنني أرى لوحةً مكررة لمأساةٍ لا نهاية لها. لم تكن هذه أول مرة، ولا الثانية، ولا العاشرة. كنتُ أعيش هذه النهاية مرارًا وتكرارًا، أرى الدمار والموت والمصير نفسه يتكرر أمامي كأنني عالق في حلقةٍ زمنيةٍ لا تعرف الرحمة.
نظرتُ حولي، فكل مكانٍ كان يروي قصة فناءٍ جديد. هنا جندي فقد نصف جسده، وهناك امرأة تمسك بطفلٍ ميتٍ بين ذراعيها، وعلى بعد أمتارٍ مني، كانت السماء تمطر رمادًا ساخنًا وقطعًا من اللحم المحترق. كانت الوحوش لا تزال تملأ السماء، تسبح فيها بأجنحةٍ مظلمة كأنها بقايا ظلالٍ ترفض الزوال.
"ههه..هه!"
ضحكت...
ضحكة خرجت رغماً عني، متقطعة، مشوهة، كأنها أنين ميتٍ نُزع صوته من قبره.
لم أعد أعلم هل أضحك على المأساة التي أعيشها، أم على نفسي التي لم تعد تملك القدرة على الشعور. كان داخلي فارغًا، وكأن كل أحاسيسي قد احترقت منذ زمنٍ بعيد.
لم أعد أذكر متى دخلت هذه الدوامة التي لا تنتهي... دوامة من العوالم المحترقة، والممالك المدمّرة، والأرواح التائهة. كل عالمٍ ينتهي بالطريقة ذاتها: الخراب، النار، والموت.
ربما كانت البداية مجرد صدفة، أو خطأ، أو عقاب، أو تجربة فاشلة من أحد ما... لكنني لم أعد أعرف. كل ما أعلمه هو أنني لا أستطيع الهرب.
كل شيء جميل أصبح غامضًا في ذاكرتي، كأن الزمن محا تلك التفاصيل من وجودي.
مددتُ يدي أتحسس جنبي، فشعرتُ بفراغٍ باردٍ حيث كان ينبغي أن تكون ضلوعي. التفتُّ، لأكتشف أن الجهة اليمنى من جسدي غير موجودة، وكأن شيئًا أكله النسيان. يدي اليمنى تحولت إلى رمادٍ يتطاير مع الريح، وعيني اليمنى لم تعد ترى.
كان الألم خافتًا، لكنه حقيقي. لم يكن حلمًا.
ثم جاء الصوت...
ذلك الصوت الذي كرهته أكثر من أي شيءٍ آخر في هذا الوجود.
[هل ترغب في إعادة العالم؟]
صوتٌ بارد، خالٍ من المشاعر، يطرق أعماقي كما لو كان يتحدث من داخل جمجمتي.
سمعته مئات المرات، وربما آلاف المرات.
كل مرة أسمعه فيها، أقول لنفسي إنها ستكون الأخيرة. أنني حين أضغط على "إعادة"، سينتهي هذا الجحيم. لكن كل مرة كانت تُعيدني إلى بداية جديدة وتصبح نهايةٍ أخرى.
كم مرة قلت لنفسي إن هذا مجرد حلم؟
لكن هذا الألم... هذا الاحتراق في صدري... هذا الطنين في أذني، وهذه الرائحة التي لا يمكن أن يخلقها خيال، كلها كانت تقول لي الحقيقة:
هذا ليس حلمًا.
"أعد العالم."
نطقتُ بالكلمتين بصوتٍ ميتٍ، كأنني أردد طقسًا اعتدت عليه أكثر مما أختار فعله.
وفجأة، توقّف كل شيء.
توقّف الهواء، توقّفت الأصوات، حتى رمش عيني تجمّد في مكانه.
صارت الرؤية أمامي بيضاء بالكامل، بياضًا ناصعًا يخترق كل شيء. شعرتُ بجسدي يتلاشى تدريجيًا، كأنني أذوب في الضوء.
الإحساس كان غريبًا... خليطًا بين الطمأنينة والخوف، بين الموت والحياة، كأنني أُسحب نحو المجهول بخدرٍ لذيذٍ لا إرادة لي فيه.
حين فتحتُ عيني مجددًا، لم أدرِ كم من الوقت مرّ.
أول ما رأيته كان سقفًا أبيض ناصعًا، تزينه زخارف باهتة. حاولت أن أتنفس، لكن الهواء كان ثقيلًا، كأنه يمر عبر طبقة من الغبار القديم. رأسي كان يؤلمني بشدة، كأن أحدهم غرس بداخله مئات الإبر.
"آغغغ!"
صرخة خرجت من فمي بلا قصد.
ذلك الألم... ألم الاستنساخ، الذي يتكرر بعد كل ولادةٍ جديدة في جسدٍ جديد. كان الألم هذه المرة أشد، وكأن كل الحيوات السابقة اجتمعت لتذكّرني بوجودها.
ثم بدأت ذكريات متقطعة بالتدفق.
ذكريات لم أعشها، لكنني شعرت بها وكأنها تخصني منذ الأزل. صورٌ لأماكنٍ وقصور، أصوات خدمٍ، ضحكات نساء، وصوت رجلٍ مخمور يصرخ على الجميع.
ثم اسمٌ يتردد في ذهني كنبضٍ ثابت:
أرين فالكان.
كان معروفًا في المملكة كلها بلقب الأمير الفاسد الأول.
أحد أبناء العائلة الملكية، لكنّه كان وصمة عارٍ على جبينها. ارتكب كل خطيئةٍ تخطر على البال: فساد، عربدة، خيانة، إذلال للخدم، استغلال للسلطة، وحتى القتل من أجل التسلية.
لم يكن أحدٌ يجرؤ على معارضته، لأنه أمير، لأن اسمه وحده كان يحميه من العقاب.
لكن كل شيء تغيّر في يومٍ واحد.
في أحد الأيام، بينما كان يعبث بسيفه ويمزح مع إحدى خادماته بطريقةٍ مهينة، زلّت قدمه، وسقط أرضًا، فدخل السيف في جنبه.
جُرحه لم يكن قاتلًا في البداية، لكن العدوى أكلت جسده ببطء حتى صار طريح الفراش. ومنذ تلك الحادثة، تغيّر مجرى حياته... أو بالأحرى نهايته.
حين عادت إليّ السيطرة على جسدي، بدأ الوجع يخفّ قليلًا، فتمكنت من النظر حولي.
كانت الغرفة فخمة، جدرانها مغطاة بالحرير الأحمر، والثريات تتدلى من السقف كأنها شموعٌ تجمد ضوؤها من شدة البهاء.
السرير الذي كنت عليه ضخم، يتسع لثلاثة أشخاص، تحيطه ستائر شفافة تفوح منها رائحة عطرٍ ثقيلٍ يختلط بالدواء.
حاولت أن أنهض، لكن جسدي لم يطاوعني.
كان ثقيلاً، بطيئًا، وكأن طبقاتٍ من اللحم تغطيني وتمنعني من الحركة.
حين نظرت إلى نفسي، فهمت السبب...
"هههه..."
ضحكت مجددًا بمرارة.
"هذه المرة في جسد خنزير... يا لسخرية القدر."
كان هذا هو ثمن اللعنة التي حُبست فيها.
كلما انتهى العالم، أُمنح فرصة لإعادته، لكن في كل مرة أعود فيها، أجد نفسي في جسدٍ مختلف، شخصيةٍ مختلفة، حياةٍ جديدة لا أملك منها إلا الألم والذكريات المتقطعة.
لا منطق في الترتيب، لا سبب، لا تبرير.
تكررت الإعادات حتى فقدت ذاكرتي الأصلية.
لم أعد أعرف من كنت أول مرة دخلت فيها هذه الدوامة. نسيت ملامحي الأولى، اسمي، بل حتى صوتي.
كل نسخةٍ كانت تسرق شيئًا مني، تترك جزءًا من روحي عالقًا هناك، في عالمٍ آخر، حتى لم يبقَ مني سوى رغبة واحدة...
رغبةٌ لم تتغير رغم كل الحيوات التي عشتها، رغم كل النهايات التي رأيتها.
أن أعود إلى النسخة الأولى.
أن أعرف الحقيقة.
أن أكتشف من الذي أدخلني في هذه الدوامة التي لا تنتهي،
ومن الذي قرر أن يجعلني أعيش الموت مرارًا... إلى الأبد.