"هاه..."

عادت أنفاسي بصعوبة، وكان تنفسي متقطعًا، وكأنني كنت غارقًا تحت بركة من الماء. وبعد للحظات لأستطعت تنفس بإرتياح.

رفعت رئسي ، بينما عبستُ وأنا أنظر حولي، استطعت رؤية أطفالٍ في نحو الثالثة عشرة، أو ربما أصغر قليلًا، يرتدون قطعًا صغيرة من القماش، وسلاسل تقيّد معاصمهم، بينما كانت أجسادهم مغطاة بالكدمات ولأصابات من كل ناحية.

مهلاً... هذا المكان، ما هو بحق الجحيم؟ أين ذهبت؟ أليس من المفترض أن أكون قد مت بالفعل؟ أم أن كل هذا مجرد حلم؟ شعرت بدهشةٍ عميقة مما يحدث، فقلت دون وعي، وبصوتٍ مرتفع:

"أنا... أحلم. هذا حلم، أليس كذلك؟"

"هل أنت بخير، يا حشرة؟"

قالها صبي نحيل الجسد، ذو شعرٍ أسود طويل، وعيونٍ زرقاء. اقترب مني بحذر، وكان مظهره مثيرًا للشفقة إلى حدٍّ ما.

مدّ يده ووضعها فوق رأسي، لكن فور أن فعل ذلك، ضربتُ يده بعيدًا وأنا أقول بحدة:

"من أنت؟ وما هذا المكان بحق الجحيم؟ ولماذا تناديني بالحشرة؟"

بدا الذهول واضحًا على وجه الصبي، قبل أن يقول بتردد:

"ألا تتذكرني، يا حشرة؟ أنا دودة الوحل. ألسنا أصدقاء؟ هل ربما فقدت ذاكرتك مرة أخرى؟"

دودة؟

ما هذا الاسم؟ هل حقًا اسمه "الدودة" أم أنه يمزح؟

لا... من تعبير وجهه، يبدو أنه لا يمزح بشأن ذلك.

لكن مهلاً... هل قال إنني فقدت ذاكرتي من قبل؟

لا، هذا لا يهم الآن. المهم هو: ما هذا المكان؟

"لا أهتم أيّ دودةٍ أنت. فقط لأخبرني في أي المكان أنا فيه ... قبل أن أُجبرك على ذلك."

اشتعل الغضب في وجه دودة الوحل، وانتفخت خداه قليلًا، لكنه عندما رأى النظرة في عيني أدرك أنني لا أمزح.

"حسنًا، يا حشرة... سأخبرك. لكن لا داعي للغضب كثيرًا. فنحن، بعد كل شيء... في قلب الشيطان."

قلب الشيطان؟ لماذا أشعر وكأنني سمعت هذه الكلمة من قبل؟ مهلًا... مهلًا، مهلًا، لا تقل ذلك...

تبا! أنا... لقد تجسدت من جديد. هل هاذه واحدة من تلك الحبكات ردئة أم ماذا.

وفي تلك الرواية الرديئة، بحق الجحيم! ماذا فعلت لأستحق هذا؟ ألم يكن هناك مكانٌ أفضل من هذا لأتجسد فيه؟ ولماذا أصلًا تجسدت؟

لا... لا داعي للذعر. ما الذي أتذكره عن قلب الشيطان... هممم... آه، نعم.

إنه تابعٌ لمنظمة النسيان.

لقد أنشأت هذه المنظمة "قلب الشيطان" كي تتمكن من صناعة مقاتلين عديمي المشاعر، أشخاصٍ ينسون من كانوا، ويصبحون مجرد أدواتٍ لتلبية أوامرهم. دعني أتأكد... سأسأل هذه الدودة إن كان يتذكر أي شيء قبل أن يأتي إلى هنا.

التفتُّ إليه.

"هل لديك والدان؟ أو عائلة؟ هل تستطيع تذكّر ماذا كنت تفعل قبل أن يتم لأحضارك إلى هنا؟"

حدّق بي للحظة، ثم قال ببراءةٍ ممزوجة بالفضول:

"العائلة؟ ما هذا؟ هل هو اسم حركةٍ قتالية ابتكرتها؟ دعني أراها."

تجمدتُ في مكاني.

شعرت وكأن آخر خيطٍ من الأمل داخلي قد تحطم إلى شظايا. نهضت ببطء، بينما كان الذهول يسيطر على ملامحي... ثم انفجرت ضاحكًا

.

"هاهاهاهاها...!" ضحكت بصوتٍ عالٍ، ضحكةً أقرب إلى الجنون منها إلى الفرح.

"ما هذا الهراء؟ حتى أنا انتهى بي الأمر داخل هذا القرف اللعين... يبدو أنني حقًا قد أُصبت بلعنة."

نظرتُ إلى الأطفال الآخرين بفضول، لكنني لم أعرهم أي اهتمام.

وكيف يمكنني فعل ذلك أصلًا؟

فأنا... لقد تجسدت في روايةٍ رديئة، محكوم عليها بل الفناء.

كانت قصتها تدور حول حربٍ لا تنتهي بين الأجناس، البشر، مصاصو الدماء، الأورك، الأقزام، الشياطين، الملائكة، الإلف، الوحوش، النسيان، والعمالقة ،والتنانين.

وكانت هناك أجناسٌ أخرى، لكنها سقطت في بداية الحرب، لتتحول إلى عبيدٍ لدى الأجناس التي ما زالت قائمة، ولأخري كانت محايدة في بداية لكنها وفي لأخير لأنضمت إلي الحرب.

وهكذا، عمّت الفوضى الكون بأسره، وانتشر الدمار في كل مكان. لكن... ما سبب تلك الحرب؟

لم أكن أعرف.

وفي كل مرة كنت أسأل المؤلف "رأس السمكة" — كان يجيبني بنفس العبارة الغامضة:

"الجوع يولّد الكراهية، والكراهية تولّد الحلم، والحلم يولد من الظلال، والظل يسير خلف الرغبات... إما أن ينجو، أو يبقى في طيّ النسيان."

بحق الجحيم، كيف يُفترض بي أن أفهم هذا؟

لا بد أن ذلك المؤلف أخذ كلماتٍ بلا معنى ودمجها معًا من دون تفكير.

لكن هذا لا يهم الآن.المهم هو: كيف بحق الجحيم سأخرج من قلب الشيطان؟

وأيضًا... ما هذا الاسم أصلًا؟

قد يظن أحدهم أنني داخل قلب شيطانٍ حقيقي، لكن لا، لأمر ليس الأمر كذلك.

أنا في الحقيقة داخل أعماق لأرض ،داخل الكوكب معزول في عمقٍ مجهول.

ولماذا سُمّي بـ"قلب الشيطان"؟

أطلق المؤلف ذلك الاسم عليه لأن كل ما يحدث فيه قاسٍ ووحشي، مكانٌ تُسحق فيه الأرواح قبل الأجساد.

لكنني أظن أن المؤلف لم يجد اسمًا أفضل من هذا، فهو يكتب فقط ما يخطر على باله...

وها أنا الآن عالقٌ داخل هذا الهراء المحض. بحق الجحيم... ماذا فعلت لأستحق هذا؟

"هاه"

فجأة، انقطع سيل أفكاري عندما سمعت وقع خطواتٍ قادمة من الأمام.

نظرت نحو المصدر، فرأيت مجموعةً من الأشخاص يرتدون ملابس داكنة ويضعون لأقنعة السوداء، بينما كان يقودهم الشخص يرتدي القناع لأبيض في المقدمة.

توقفت المجموعة على مسافةٍ قصيرة منا، ثم ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ خانق، حتى إنني استطعت سماع أنفاس الأطفال من حولي، متقطعةً ومليئةً بالخوف.

بعد لحظة، رفع صاحب القناع الأبيض رأسه قليلًا، وكأنه يتفحصنا واحدًا تلو الآخر، ثم قال بصوتٍ حاد، بارد، خالٍ من أي مشاعر:

"الروتين اليومي سيبدأ... فليستعد الجميع ، كما أنه لدي الخبر لكم ، ستكون الطقوس لأستيقاظ غدا."

ترددت كلماته في أرجاء المكان، ثقيلةً كالحكم بالإعدام.

ابتلعتُ ريقي بصعوبة عندما سمعت تلك الكلمة.

روتين.

لو لم أكن أعرف معناها، لظننت أنها شيءٌ عادي، مجرد تدريبٍ بسيط أو نشاطٍ يومي لا يستحق القلق.

لكنني كنت أعلم جيدًا.

كنت أعرف تمام المعرفة ما الذي تعنيه تلك الكلمة في هذا المكان. لم يكن هناك أي شيءٍ لطيف ينتظرني. بل كان العذاب وحده هو ما سيبدأ.

2026/04/19 · 3 مشاهدة · 870 كلمة
محمد
نادي الروايات - 2026