قاموا بقيادتنا إلى الخارج، وفور خروجي…
اتسعت عيناي قليلًا، وكأنهما تحاولان استيعاب ما أراه أمامي.
كان المكان يشبه حظيرةً ضخمة، بل في الحقيقة…
كان حظيرة حرفيًا.
الاختلاف الوحيد أنها لم تكن فوق الأرض، بل مبنية في أعماقها، تحت طبقاتٍ سميكة من التراب والصخور، وكأنها سجنٌ مخفي عن أعين العالم.
لكن لم يكن لدي وقت للتفكير في ذلك طويلًا،
فبينما كنا نسير ببطءٍ تحت أعين الحراس، بدأت أرى من بعيد أشخاصًا يخرجون من اتجاهاتٍ مختلفة.
إذا كان من الممكن وصفهم بـ"أشخاص" أصلًا…
فهم في الحقيقة كانوا كائناتٍ من أجناسٍ أخرى، مخلوقات لم أرَ مثلها إلا في صفحات الروايات.
وقعت عيناي على مخلوقٍ يبلغ طوله نحو مترٍ ونصف تقريبًا، كان جسده أخضر اللون، وجلده خشن كجلد الزواحف، وأنيابه بارزة إلى الأمام بشكلٍ مخيف، وكأنه مستعد لتمزيق أي شيءٍ يقترب منه.
بل في الواقع، لم يكن واحدًا فقط…
كان هناك عدة أفراد يشبهونه، بعددٍ يساوي عددنا، وربما أكثر بقليل، يقفون في صفوفٍ غير منتظمة، يراقبوننا بنظراتٍ باردة خالية من الرحمة.
لكن ما شدّ انتباهي حقًا لم يكن أولئك الصغار،
بل ذلك الكائن الضخم الذي يقودهم.
كان طوله يقارب المترين تقريبًا، وجسده الأخضر مفتول العضلات، أشبه بكتلةٍ هائلة من اللحم المتحرك، تتضخم مع كل خطوةٍ يخطوها.
وكان يحمل سيفًا عملاقًا بيدٍ واحدة، وكأنه لا يزن شيئًا على الإطلاق، بينما ابتلعتُ ريقي دون أن أشعر، وشعرت ببرودةٍ تسري في أطرافي.
إنه أورك… ما أضخمه عندما تراه في الواقع، وبهذا القرب تحديدًا.
لكن… كيف يستطيع حتى الذهاب إلى الحمام بهذا الحجم؟
تبا… لماذا أفكر بأشياء غبية في موقفٍ كهذا؟
نظرت سريعًا نحو الجهة اليمنى، فرأيت كائناتٍ أخرى قادمة من هناك بخطواتٍ ثقيلة.
لقد كانوا أقزامًا… لكن شكلهم كان غريبًا بعض الشيء.
أين ذهبت لحاهم؟
أليس من المفترض أن يمتلك كل قزمٍ لحيةً كثيفة وشاربًا طويلًا كما في القصص؟
لا… لا أظن ذلك. يبدو أنهم ما زالوا صغار السن، لم تكتمل ملامحهم بعد.
لكنهم، مع ذلك، كانوا بدناء بشكلٍ ملحوظ، وأجسادهم ممتلئة بطريقةٍ غير طبيعية.
"تبا… لابد لي من الهرب من هذا المكان، إن كنت أستطيع ذلك أصلًا. لا أريد أن أتحول إلى أداةٍ في يد شخصٍ آخر، ولا إلى عبدٍ بلا إرادة."
"هااااه… همم… دعني أفكر بهدوء."
أخذت نفسًا عميقًا، محاولًا تهدئة اضطراب قلبي، بينما بدأت أسترجع أحداث الرواية التي قرأتها من قبل.
قلب الشيطان في القصة كان يحتوي على ثلاثين حظيرة، أو ربما أكثر من ذلك بقليل على ما أتذكر،
وكل حظيرة كانت مخصصة لجنسٍ مختلف من الكائنات.
إذًا… كيف سأهرب من هنا؟
أولًا، يجب أن أبقى على قيد الحياة حتى أصبح مستيقظًا.
عندها فقط ستكون لدي فرصةٌ حقيقية للهروب.
سأنجو حتى الغد… إذا كان ذلك الشخص على حق.
مع أنني أعلم جيدًا أنني قد أموت في أي لحظة،
لكن عليّ أن أتمسك ببعض الأمل، ولو كان ضئيلًا،
فحتى إن نجوتُ إلى الغد، فقد أموت بسبب الاستيقاظ نفسه.
لماذا؟
لأنهم سيجبرونني على الاستيقاظ القسري،
وهو أمرٌ قد يؤدي إلى الموت المحتوم في كثيرٍ من الحالات.
ففي هذا العالم، أي شخصٍ تستيقظ قواه يكون عادةً في سن السابعة عشرة، حين يكون الجسد والعقل مستعدين لتحمل تلك القوة.
أما أنا… فلم أكن متأكدًا من عمري في هذه اللحظة،
لكنني على الأرجح بين الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة فقط.
صحيح أن الاستيقاظ القسري قد يكون مفيدًا في بعض النواحي، إلا أنه في المستقبل يصبح عيبًا قاتلًا، يحدّ من تطور القوة، ويترك آثارًا دائمة على الجسد والعقل مع مرور الزمن.
لكن… هذا لا يهمني الآن. فأنا… لست متأكدًا أصلًا إن كان سيكون لي مستقبل.
الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو أنني لا أملك أي خيار. سواء أعجبني ذلك أم لا… سيجبرونني على الاستيقاظ.
توقف صاحب القناع الأبيض، الذي كان في المقدمة، فجأة، مما جعلني أبتلع لعابي، وأتوقف عن التفكير وأنا أنظر إلى الأمام.
لكن ما إن ألقيت نظرةً إلى الأمام... حتى انفتحت عيناي على مصراعيهما، وأنا أحدّق في المشهد بدهشةٍ حقيقية.
كنا نقف في مساحةٍ واسعة، يمتد أمامنا طريقٌ طويل، مصقولٌ بحجارةٍ سوداء متوهجة، وكأنها خرجت تَوًّا من قلب النار. كان الطريق ينبض بحرارةٍ خفية، وكأن كل خطوة عليه قد تكون الأخيرة.
في الأعلى، كانت فؤوسٌ عملاقة تتحرك صعودًا وهبوطًا بلا توقف، تقطع الهواء بصوتٍ حادٍ مرعب، وكأنها تنتظر لحظة غفلة واحدة فقط. ومن مكاني، استطعت أن أشعر برياحٍ قويةٍ قادمة من الأمام، تحمل معها إحساسًا بالخطر.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.
كانت هناك صخورٌ ضخمة تهبط من الأعلى ثم ترتفع من جديد باستمرار، بحركةٍ منتظمة لكنها قاتلة، كأنها مصيدةٌ لا ترحم. وفي المقدمة، كان يقف مخلوقٌ هلامي، يشبه السلايم، يتمدد وينكمش ببطء، يسدّ الطريق بالكامل، وكأنه حارسٌ صامت لهذا الجحيم.
وخلفه...
كان البرق يضرب الأرض عشوائيًا، ومضاتٌ بيضاء تشق الظلام بعنف، تضيء المكان لثوانٍ كاشفةً عن هاويةٍ مرعبة. أما في النهاية، فكانت هناك منصةٌ عائمة في الهواء، تبدو قريبة... لكنها في الحقيقة بعيدة المنال، وتحتها يمتد قعرٌ لا نهائي، ظلامٌ بلا نهاية، وكأن الأرض نفسها قد اختفت.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرت ببرودةٍ تسري في أطرافي، قبل أن أتمتم بصوتٍ خافت: "طريق الموت..."
لقد كان طريق الموت بحق.
بل لم يكن طريقًا واحدًا... بل عشرين طريقًا للموت، كل خطوة تحمل احتمال النهاية. لم أعد قادرًا على التركيز، كانت عينيّ تتحركان بين الفؤوس، والصخور، والسلايم، والبرق، وكأن عقلي يرفض استيعاب هذا الجنون كله دفعةً واحدة.
وفي تلك اللحظة، بعد ثانيةٍ بالكاد مرت...
سمعت صوت صاحب القناع لأبيض.
"ستنقسمون إلى مجموعات، كما في العادة.
كل مجموعة مكوّنة من خمسة أشخاص... عليهم عبور الطريق والوصول إلى المنصة العائمة. بعد ذلك، سيحدث ما كان يحدث في كل مرة. ستقاتلون الأقزام والأورك. المدة خمس دقائق فقط.
بعدها ينتهي الأمر... وسننتقل إلى التدريب العادي."
ما هذا الهراء بحق الجحيم؟
أليس من المفترض أن يكون هناك تدريبٌ أولًا؟
كل هذا بسبب ذلك الكاتب اللعين... إنه يرمي المنطق في القمامة بلا تردد.
أم أن هذا هو "المنطق" أصلًا؟
هززت رأسي بحسرت وأنا لأفكر بأمور الغبية نوعناما.
هل من المفترض أن يكون الأمر مثل تلك الحبكات السخيفة... إنقاذ العالم وما إلى ذلك؟
لكن أي عالمٍ سأنقذ؟ هناك مئات الكواكب في هذه الرواية الغبية.
"دودة الوحل، الغزال النائم، الخنزير الكريه، الدب العملاق، الحشرة الضعيف... أنتم أول من سيذهب. خذوا أماكنكم فورًا."
"أه..."
هل يقصدني أنا؟ لا... ليس بالضرورة.
لكن قد أكون أنا فعلًا. فهم كانوا ينادونني بـ"الحشرة" وفجأة، ضربني لأحد من الخلف وعندما ألتفت ، كان دودة الوحل، وهو يقول بحماس:
"أخيرًا نحن في نفس الفريق يا صديقي! هل ستريني تلك الحركة ما أسمها ،همم أه العائلة في هذه المعركة؟ لقد جعلتني أشعر بفضولٍ كبير."
إذًا... إنه أنا بعد كل شيء. لكن مهلاً، هل فعلت شيئًا في الماضي جعله يظن أنني صديقه؟
ربما كان ذلك قبل أن أتجسد في هذا الجسد.
تقدمتُ إلى الأمام ببطء، وأنا أسير بجانب دودة الوحل، قبل أن ينضم إلينا ثلاثة أشخاصٍ آخرين.
"من هؤلاء؟ هل تعرف لأسمائهم؟"
"نعم، نعم! هل ترى ذلك الذي يبدو وكأنه سينام في أي لحظة؟ اسمه الغزال النائم."
أشار بيده نحوه، فنظرت إلى الصبي الذي يقصده.
كان في مثل عمرنا تقريبًا، بشعرٍ أسود مبعثر، وعيونٍ داكنة، وملامح هادئة توحي بالتعب الدائم.
ثم تابع وهو يشير إلى شخصٍ آخر:
"أما ذلك الذي تنبعث منه رائحة كريهة... فهو الخنزير."
نظرت إليه. كان مظهره قبيحًا نوعًا ما؛
وجهه مليء بالبثور، وبعض أسنانه مكسورة أو متآكلة، وكان أصلع الرأس بالكامل، مما زاد من قسوته وهيبته الغريبة، إذا كان يملكها لأصلا.
"آه، عليك الحذر من الدب... فهو لا يحب المزاح كثيرًا."
الدب؟ نظرت إليه. كان صبيًا سمينًا للغاية، بطنه ضخمة تبرز بوضوح من تحت ملابسه، وخداه منتفختان بشكلٍ ملحوظ.
بدا جسده وكأنه كتلة لحمٍ ثقيلة، لكن عينيه كانتا حادتين على نحوٍ غير مريح.
"هل أنا في حديقة الحيوانات أم ماذا؟ لكن... بحق، أسماؤهم تبدو أفضل من اسمي."
ما هذا؟ فكرت بذلك وأنا أنظر إلى الشخصيات المقنعة التي تسير نحونا.
ثم، من دون أي إنذار، اختفت السلاسل التي كانت تقيّد أيدينا فجأة، وكأنها تبخرت في الهواء.
شعرت بأنني أصبحت حرًا. لكن ذلك الشعور لم يدم طويلًا.
"فلتنطلق المجموعة نحو المنصة العائمة... بسرعة."
تنهدت ببطء، وأنا على وشك أن أخطو أول خطوة في طريق الموت. لم أكن أعلم إن كنت سأبقى على قيد الحياة... أم أنني سأموت، موت الحشرات.