حلمت دائما ان اكون مثلهم لكن كانت حياتي قصيرة..
لم يكن آدم يعرف أن الموت يمكن أن يكون بهذا الملل.
لم تكن هناك سماء تنشق.
ولا ملاك ينتظره.
ولا صوت غامض يخبره أن حياته انتهت وأن حياة أخرى تنتظره.
لم يكن هناك شيء.
فقط صوت مكابح حاد...
ثم زجاج يتحطم.
ثم ظلام.
آخر ما فكر فيه قبل أن يفقد وعيه كان سخيفًا إلى درجة أنه شعر بالخجل منه حتى في اللحظة الأخيرة.
كان يفكر في الرواية التي لم يُكملها.
"تبًا..."
ثم انطفأ كل شيء.
---
حين فتح عينيه...
كانت أول فكرة خطرت له:
لقد حدث ذلك فعلًا.
ظل مستلقيًا على العشب، ينظر إلى السماء الزرقاء.
كانت الغيوم تتحرك ببطء.
طيور صغيرة تحلق فوق الأشجار.
ورائحة الماء تأتي من مكان قريب.
رفع يده أمام وجهه.
توقف.
هذه ليست يده.
حدق فيها طويلًا.
ثم جلس.
جسده أخف.
أقوى.
وكأن السنوات التي عاشها قبل موته لم تكن أكثر من حلم طويل.
ضحك.
في البداية ضحكة قصيرة.
ثم ضحك أكثر.
"لا..."
وضع يديه على وجهه.
"مستحيل."
نهض.
نظر حوله.
غابة.
نهر.
طريق ترابي بعيد.
وفي الأفق قرية صغيرة.
لم يكن بحاجة إلى دليل آخر.
كان يعرف هذا المشهد.
قرأه مئات المرات.
الشاب الذي يموت في عالمه...
ثم يستيقظ في عالم آخر.
جسد جديد.
قوة غامضة.
فرصة ثانية.
نظر إلى السماء وقال:
"إذن أعطيتني فرصة."
لم يجبه أحد.
ابتسم.
"حسنًا."
رفع يده.
ظهرت حول أصابعه خيوط ضوء باهتة.
توقفت ابتسامته.
لم يكن يعرف ما هي.
لكنه شعر بها.
كانت هناك خيوط تمتد داخل العالم.
خيوط كثيرة.
بعضها قريب.
بعضها بعيد.
وبعضها...
لم يحدث بعد.
مد يده نحو أحدها.
وحين لمسه، رأى للحظة رجلًا يسقط من فوق حصان.
سحب يده بسرعة.
اختفت الصورة.
ظل صامتًا.
ثم قال:
"قدرة على رؤية المستقبل؟"
ضحك.
"أحسن."
---
بعد ثلاثة أيام...
كان آدم قد قرر أن اسمه لم يعد آدم.
جلس في حانة صغيرة، يراقب انعكاس وجهه على كأس الماء.
فكر طويلًا.
ثم تذكر اسم شخصية أحبها في رواية قديمة.
اسمًا ظل يراه دائمًا مرتبطًا بالنجاة، والتمرد، والبداية الجديدة.
قال:
"أركان."
نظر إليه الرجل الجالس بجانبه.
"ماذا؟"
ابتسم.
"اسمي."
"اسمك؟"
"أركان."
هز الرجل كتفيه.
"غريب."
ابتسم أركان.
"سأعتاد عليه."
لم يكن قد اعتاد عليه.
لكنه أراد ذلك.
آدم مات.
والرجل الذي أمامه لم يكن يريد أن يكون مجرد نسخة أخرى منه.
كان يريد بداية جديدة.
ولهذا...
اختار اسمًا جديدًا.
أركان.
---
في الأشهر الأولى، لم يكن أركان سيئًا.
بل كان العكس.
كان يساعد الناس.
ينقذ من يستطيع.
ويستخدم قدرته بحماس رجلٍ لم يدفع ثمنها بعد.
إذا عرف أن لصًا سيهاجم متجرًا...
أوقفه.
إذا عرف أن طفلًا سيموت تحت عربة...
أنقذه.
إذا عرف أن رجلًا سيخسر مبارزة...
حذره.
وكان كل شيء يسير كما تخيل.
الناس يشكرونه.
الأطفال ينظرون إليه بإعجاب.
وبعضهم بدأ يسميه:
"البطل."
كان يحب الكلمة.
أكثر مما ينبغي.
كان يحب أن يرى الناس ينظرون إليه وكأنه مختلف.
وكان كلما أنقذ شخصًا...
ازداد اقتناعه بأن العالم منحه هذه القدرة لسبب.
لم يفكر في العواقب.
لماذا يفكر؟
أليست هذه هي الطريقة التي تسير بها قصص الأبطال؟
شخص يحصل على القوة.
ثم يستخدمها لإنقاذ الآخرين.
بسيطة.
---
كان أول تغيير حقيقي بسبب رجلٍ اسمه كايل.
كان كايل لصًا.
وهذا ما جعل أركان يضحك حين قابله.
كان يفترض أن يموت كايل في أحد الأزقة بعد ثلاثة أيام.
رآه أركان في إحدى رؤاه.
سهم.
صدر.
دم.
ثم نهاية.
كان يستطيع تجاهل الأمر.
لكنه لم يفعل.
وجد كايل.
وأخبره.
لم يصدقه كايل في البداية.
ثم أنقذه أركان بالفعل.
نجا.
وكان ذلك اليوم بداية صداقتهما.
قال كايل:
"أنت مجنون."
قال أركان:
"لماذا؟"
"لأنك تدخلت لإنقاذ لص."
ابتسم أركان.
"ربما كان يحتاج فقط إلى فرصة."
نظر إليه كايل طويلًا.
ثم قال:
"أنت تتحدث كأنك تعرف كيف تسير الأمور."
ضحك أركان.
"ربما أعرف."
لم يكن يعرف.
---
بعد عام...
كانت المدينة في حالة حرب.
لم يكن من المفترض أن تقع الحرب.
كان أركان يعرف ذلك.
كان قد منع موت كايل.
وكان كايل، في المسار الأصلي، سيموت في ذلك الزقاق.
لكن كايل لم يمت.
وعاش.
والعام التالي...
التقى بامرأة.
وتزوجها.
ثم أصبح شريكًا لرجلٍ في تجارة السلاح.
ثم باع السلاح إلى الجهة الخطأ.
ثم بدأت الحرب.
وقف أركان فوق أحد الأبراج، ينظر إلى المدينة المحترقة.
كان كايل بجانبه.
قال:
"أنت شاحب."
لم يجب.
قال كايل:
"أركان."
التفت إليه.
"ماذا؟"
"هل أنت بخير؟"
نظر أركان إلى النار.
ثم قال:
"أنا أنقذتك."
ضحك كايل.
"أعرف."
"لو لم أنقذك..."
توقف.
لم يستطع إكمال الجملة.
قال كايل:
"لكنت ميتًا."
أغمض أركان عينيه.
"نعم."
ثم نظر إلى المدينة.
"وهذا لم يكن ليحدث."
ساد الصمت.
لم يفهم كايل.
لكن أركان بدأ يفهم.
وللمرة الأولى...
لم تبدُ قدرته كهدية.
---
في تلك الليلة...
لم ينم.
كان يرى الخيوط.
لكنها لم تعد تبدو جميلة.
كل خيط كان يقود إلى آخر.
كل قرار كان يفتح احتمالات.
وكل احتمال يحمل موتًا مختلفًا.
حاول أن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه.
لم يستطع.
كلما حاول تصحيح شيء...
زاد الأمر سوءًا.
وفي النهاية...
جلس على الأرض.
وقال:
"ماذا فعلت؟"
لم يجبه أحد.
رفع رأسه إلى السماء.
كان هناك قمر كامل.
هادئ.
بعيد.
قال:
"إذا كان أحد يراقب..."
صمت.
ثم ضحك على نفسه.
"هذا سخيف."
لكنه لم يكن يعرف...
أن أحدًا كان يراقب فعلًا.
---
بعيدًا عن ذلك العالم...
كان هناك مكان لا يعرفه البشر.
لم يكن قصرًا.
ولا سماء.
ولا جحيمًا.
كان فراغًا ساكنًا، لا يمكن للعين أن تحدد أين يبدأ أو أين ينتهي.
وفي وسط ذلك الفراغ...
وقف رجل.
لم يكن يرتدي تاجًا.
ولا درعًا.
ولا يحمل سلاحًا.
كان يرتدي ثوبًا أسود بسيطًا، يمتد حول جسده دون أن يتحرك رغم عدم وجود ريح.
كان وجهه هادئًا.
هادئًا إلى درجة يصعب معها معرفة إن كان حيًا أصلًا.
أم أن الحياة نفسها شيء تجاوزه منذ زمن بعيد.
أمامه...
ظهرت خيوط.
آلاف.
ثم ملايين.
كل خيط يحمل عالمًا.
وكل عالم يحمل حياة.
وكل حياة تحمل احتمالات لا يعرف أصحابها أنها موجودة.
رفع الرجل يده.
توقفت الخيوط.
ثم تحرك أحدها.
ارتجف.
لم يكن ارتجافًا طبيعيًا.
كان المسار نفسه يحاول مقاومة شيءٍ ما.
نظر الرجل إليه.
وبقي صامتًا.
ثم ظهرت صورة.
شاب.
واقف تحت المطر.
عيناه معلقتان بالسماء.
كان أركان.
ظل الرجل يراقبه.
ثم قال:
"غريب."
جاءه صوت من العدم:
"هل وجدته؟"
لم يجب فورًا.
ظل ينظر إلى الشاب.
ثم قال:
"نعم."
"هل تعرف من هو؟"
قال:
"إنسان."
"هل تعرف ماذا فعل؟"
"غيّر المسار."
"هل تدرك خطورة ذلك؟"
صمت الرجل.
ثم قال:
"ليس بعد."
توقفت الصورة أمامه.
ظهر أركان وهو يمد يده نحو أحد الخيوط.
وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعه المسار...
تفرع.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم عشرات المرات.
نظر الرجل إلى التشعبات.
لم يتغير وجهه.
لكن شيئًا في عينيه تبدل.
قال الصوت:
"ماذا ستفعل؟"
ظل صامتًا.
ثم أغلق يده.
فتوقفت الصورة.
قال:
"سأنتظر."
"إلى متى؟"
نظر إلى المسار مرة أخرى.
ثم قال:
"حتى يثبت أنه اختار هذا الطريق."
"وماذا إن استمر؟"
لم يجب.
فقد كان يعرف الجواب.
وكان الجواب شيئًا لم يكن أركان يعرفه بعد.
شيئًا سيحتاج إلى وقت طويل حتى يفهمه.
---
في العالم البعيد...
كان أركان لا يزال واقفًا تحت المطر.
لا يعرف أن أحدًا رآه.
ولا يعرف من يكون ذلك الرجل.
ولا يعرف لماذا شعر، للحظة عابرة...
أن السماء كانت تنظر إليه.
رفع رأسه.
حدق طويلًا.
ثم قال:
"هل هناك أحد؟"
لم يجبه أحد.
عاد المطر يهطل.
وحده.
وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن في مكان آخر...
كان الرجل قد استدار.
وللمرة الأولى...
ظهر اسمه.
أزران.