الفصل13_الخطيئة التي التهمت اليأس
كان الساحل الجنوبي… ميتًا.
البحر الذي كان يضج بالحياة سابقًا…
أصبح أحمر داكنًا.
الأمواج تحمل بقايا الجثث.
والرائحة الثقيلة للدم والموت غطّت المكان بالكامل.
وقف آزارث بصمت.
عيناه مثبتتان على المشهد أمامه.
الجثث.
الوحوش.
الجنود الممزقون.
حتى الأرض…
بدت وكأنها أُكلت أثناء المعركة.
أما ناغاروث…
فكان يقف وسط المجزرة.
هادئًا.
رمحه الأسود يقطر دمًا.
والرياح تحرك شعره الأزرق الطويل ببطء.
ظهرت أمام آزارث شاشة النظام مجددًا:
[تحذير]
[مستوى الخطر تجاوز حدود التقدير]
[الرجاء الهروب فورًا]
[احتمال النجاة: 0.003%]
تجمد آزارث للحظة.
لكن قبل أن يتكلم—
ضحك نيكورديس.
ضحكة منخفضة وخافتة.
“كما توقعت…”
نظر نيكورديس نحو ناغاروث.
ثم أكمل:
“حتى بعد آلاف السنين…”
“ما زلت وحشًا.”
تحركت عينا ناغاروث ببطء نحو نيكورديس.
وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما—
اهتز البحر.
ليس انفجارًا…
ولا هالة.
بل مجرد ضغط وجود.
شعر آزارث وكأن جبلًا سقط فوق جسده.
تشققت الأرض تحت قدميه.
وتوقف تنفسه للحظة.
أما نيكورديس…
فبقي صامتًا.
لكن آزارث لاحظ شيئًا لأول مرة.
نيكورديس…
كان متوترًا.
ابتسم ناغاروث ببطء.
“غراب اليأس.”
“لم أرك منذ الحرب.”
رفرفت أجنحة نيكورديس السوداء.
ثم ارتفعت هالته المظلمة تدريجيًا.
“وأنا لم أشتق لرؤيتك.”
اتسعت ابتسامة ناغاروث.
“جيد.”
“كنت سأشعر بخيبة أمل لو أصبحت ضعيفًا بالكامل.”
ساد الصمت.
ثم…
خطا ناغاروث خطوة واحدة فقط.
انهارت الأرض.
وانفجر البحر خلفه.
وفي اللحظة التالية—
اختفى.
اتسعت أعين آزارث.
ثم ظهر صوت نيكورديس داخل عقله:
“تحرك!!”
قفز آزارث فورًا للخلف.
وفي نفس اللحظة—
مر رمح أسود بجانب وجهه.
فقط ضغط المرور…
مزق نصف الساحل خلفه.
دوّى انفجار هائل.
وتبخر البحر لعشرات الأمتار.
ظهر ناغاروث في مكان آزارث السابق.
نظر إلى الرمح.
ثم تنهد.
“تفاديتها؟”
“مثير للاهتمام.”
شعر آزارث بعرق بارد يسيل على ظهره.
لو تأخر جزءًا من الثانية فقط…
لمات.
رفرف نيكورديس بعنف.
وفجأة—
غطت الغربان السوداء السماء بالكامل.
اختفى الضوء.
وأصبحت المنطقة مغطاة بالظلام.
ثم ظهرت آلاف العيون الحمراء داخل السواد.
تكلم نيكورديس بصوت مرعب:
“مر وقت طويل منذ استخدمت هذه القوة…”
بدأت الغربان تصرخ.
لكن صرخاتها لم تكن طبيعية.
كل صرخة…
كانت تحمل يأسًا مرعبًا.
شعر آزارث أن عقله يثقل.
حتى البحر بدأ يتشوه.
أما ناغاروث…
فنظر إلى السماء فقط.
ثم ابتسم.
“أخيرًا…”
“هذا يبدو كقتال حقيقي.”
قفز ناغاروث نحو الغربان.
ظهر وسط السرب الأسود مباشرة.
لكن هالته وحدها…
جعلت الغربان ترتجف.
نظر حوله وعيناه تمتلئان بالإثارة.
ثم لوّح برمحه.
وفي لحظة واحدة—
اختفى نصف سرب الغربان.
تمزقت السماء السوداء.
وسقطت الغربان كالمطر.
لكن فجأة—
اصطدمت به هالة سوداء هائلة.
تراجع عدة أمتار.
ثم هالة ثانية.
وثالثة.
وعشرات بعدها.
بدأت الهالات السوداء تصطدم بجسده باستمرار.
حتى اندفع أكثر من مئة متر للخلف.
لكن…
لم يظهر عليه حتى خدش واحد.
ابتسم ناغاروث ببطء.
ثم لمس ذراعه.
كانت هناك قطرة دم صغيرة جدًا.
نظر إليها بصمت.
ثم…
ضحك.
لكنها لم تكن ضحكة طبيعية.
بل ضحكة شخص وجد أخيرًا شيئًا ممتعًا بعد ملل طويل.
“لقد جعلتموني أنزف…”
“أخيرًا.”
فجأة—
انفجر البحر.
ظهرت آلاف الأذرع السوداء من الأعماق.
كانت مكونة من مياه كثيفة تشبه الوحوش.
اندفعت جميعها نحو الغربان.
صرخ نيكورديس.
وانطلقت موجات اليأس عبر السماء.
بدأت الأذرع السوداء بالتآكل.
لكن—
كلما اختفت ذراع…
ظهرت عشرات غيرها.
اتسعت عينا نيكورديس قليلًا.
“كما توقعت…”
“الجوع البدائي يلتهم حتى الفناء نفسه.”
ضحك ناغاروث.
ثم اختفى.
لكن هذه المرة—
حتى نيكورديس لم يستطع رؤيته.
فقط شعر بالخطر.
ثم—
ظهر ناغاروث فوق الغراب العملاق مباشرة.
لكنه لم يهاجم فورًا.
بل أمسك رأس الغراب بيد واحدة.
تجمدت السماء.
توقفت الغربان.
حتى البحر هدأ للحظة.
نظر ناغاروث داخل عيني نيكورديس مباشرة.
“لقد أصبحت أضعف بكثير.”
ثم…
ضربه برمحه.
انفصل رأس الغراب العملاق.
وانفجر الدم الأسود فوق البحر.
سقط الجسد العملاق على الساحل بعنف.
وخلال ثوانٍ…
تحول البحر الأسود إلى لونٍ قرمزي.
تجمد آزارث عندما رأى رأس نيكورديس يسقط.
لأول مرة…
شعر بالخوف الحقيقي.
ليس خوف الموت.
بل خوف العجز.
“نيكورديس… خسر؟”
“بهذه السهولة؟”
بدأ اليأس يتسرب من جسد آزارث.
تشققت الأرض حوله.
وظهرت ظلال سوداء خلفه.
وجوه مشوهة ظهرت داخل الظلام.
تبكي.
تصرخ.
وتضحك بجنون.
حتى البحر أصبح أكثر ظلمة.
لكن…
ناغاروث فقط ابتسم.
“هذا أفضل.”
“أرني يأسك.”
ارتجف الفراغ.
ثقل الهواء.
ظهرت نية القتل داخل عيني ناغاروث لأول مرة منذ استيقاظه.
الزمكان.
الحياة.
الوجود نفسه…
بدأ يخضع له.
كان آزارث يحاول التحرك.
لكن جسده لم يستجب.
شعر أن الموت يقترب منه ببطء.
ثم—
تشوه الفراغ.
وظهرت خيوط سوداء رمادية أحاطت بناغاروث.
خيوط الفناء.
توقفت حركة ناغاروث للحظة.
بدأت الخيوط تشد جسده.
حتى ظهر الدم من ذراعيه.
لكن…
ابتسم فقط.
“خيوط الفناء…”
“كما توقعت.”
ثم بدأت هالته البيضاء الرمادية بالظهور.
هالة الجوع البدائي.
بدأت الخيوط ترتجف.
ثم تتلاشى.
لقد التهم القوانين التي تثبت الخيوط داخل العالم.
اختفت الخيوط بالكامل.
اقترب ناغاروث ببطء من آزارث.
ثم داس على صدره.
تشقق الساحل بالكامل.
صرخ آزارث بعنف.
“ضعيف.”
رفع ناغاروث رمحه.
ثم قطع ذراع آزارث اليمنى.
تناثر الدم.
صرخ آزارث من الألم.
لكن ناغاروث فقط نظر إليه بصمت.
“هل هذا كل شيء؟”
ثم قطع الذراع الأخرى.
بدأ اليأس يفيض من جسد آزارث.
حتى الهواء أصبح أسود.
“لماذا…”
صرخ آزارث بعنف.
“لماذا اتبعت نيكورديس؟!”
“لماذا وصلت إلى هذه النهاية؟!”
ضحك ناغاروث.
ثم التهمت هالته اليأس نفسه.
وفي اللحظة التالية—
قطع ساقي آزارث بكل هدوء.
ثم أمسك رأسه.
وطعنه مباشرة في صدره.
اخترق الرمح قلبه بالكامل.
توقف كل شيء.
لم يكن قتالًا أصلًا.
القتال يكون بين طرفين متكافئين.
أما أمام ناغاروث…
فكان مجرد سحق.
خلال أقل من خمس دقائق—
سقط نيكورديس وآزارث.
ضحك ناغاروث.
وعيناه تمتلئان بالجوع البدائي.
“يا للملل…”
لكن فجأة—
توقفت ضحكته.
شعر بشيء.
رفع رأسه ببطء.
ثم نظر نحو السور الذي دخل منه جيش الساحل الجنوبي.
كان هناك طفل يجلس فوقه.
شعر أبيض مجعد.
وبشرة شاحبة كثلجٍ لم تلمسه الشمس.
وعينان زرقاوان بشكل غير طبيعي.
أما ابتسامته…
فبدت وكأنه يبتسم للمصير نفسه.