الفصل 20_العالم الذي بدأ يختنق
عاد الزمن إلى الجريان.
وكأن العالم… أخذ أول نفس له بعد اختناق طويل.
اختفت الهالة الزرقاء التي غطت الكوكب.
ثم—
اختفى إليون.
وقف مالثير بصمت داخل المبنى القديم.
شعره الرمادي الطويل يتحرك ببطء.
وعيناه تعودان تدريجيًا إلى لونهما الباهت.
نظر نحو السماء للحظات.
ثم تمتم بصوت منخفض جدًا:
“لقد نساك التاريخ مجددًا يا إليون…”
ساد الصمت.
لكن حتى مالثير…
لم يعد يتذكر لماذا شعر بالحزن للحظة.
━━━━━━━━━━━━━━━
في مكان بعيد…
بعيد لدرجة أن حتى النظام العالمي لم يكن قادرًا على رصده.
غابة ضخمة مغطاة بضباب كثيف.
أشجارها سوداء.
والهواء داخلها بارد بشكل غير طبيعي.
حتى الأصوات…
بدت وكأنها تُبتلع قبل أن تنتشر.
وسط تلك الغابة—
كان طفل صغير يسير بهدوء.
شعر أبيض مجعد.
بشرة شاحبة.
وعينان زرقاوان هادئتان.
إليون.
استمر بالمشي وسط الضباب.
خطوة…
بعد خطوة.
وكأنه اعتاد الوحدة منذ زمنٍ لا يمكن حسابه.
حتى وصل إلى منزل صغير.
منزل عادي جدًا.
خشبي.
قديم.
ولا يحمل أي شيء مميز.
لكن…
لو نظر إليه أي حامل خطيئة—
لشعر بشيء مرعب.
لأن الزمن حول المنزل…
كان مختلفًا.
دخل إليون المنزل ببطء.
ثم جلس فوق كرسي خشبي قديم.
رفع نظره نحو النافذة.
وصمت طويلًا.
وكأنه يفكر في أشياء…
لا يعلمها أحد غيره.
━━━━━━━━━━━━━━━
في العالم الخارجي…
بدأت السماء تعود لطبيعتها.
اختفت الغيوم السوداء.
وتوقف الرعد الذي كان يمزق السماء.
واختفت الغربان.
والهمسات.
والأصوات التي دفعت البشر نحو الجنون.
لكن…
شعورًا غريبًا بقي داخل قلوب الجميع.
فراغ.
وكأن شيئًا مهمًا اختفى من العالم.
━━━━━━━━━━━━━━━
في مدينة “الأزار” القريبة من الساحل الجنوبي…
داخل مبنى محطم جزئيًا—
فتح آزارث عينيه ببطء.
كان الصمت يملأ المكان.
لكن أول ما لاحظه…
أنه لا يعرف أين هو.
الجدران متشققة.
الأرض مليئة بالريش الأسود المحترق.
والهواء يحمل رائحة زهور بيضاء.
ثم—
نظر نحو نيكورديس.
كان واقفًا قرب الجدار بصمت.
بجسده شبه البشري الجديد.
معطف أسود طويل.
قرنان ملتويان.
وعينان حمراوان…
أصبحتا أعمق من السابق.
أما الظلال خلفه…
فبدت وكأنها تتنفس.
شعر آزارث بانقباض غريب داخل صدره.
ليس خوفًا.
بل شعور بأن نيكورديس…
أصبح بعيدًا جدًا.
ثم التفت نحو المرأة ذات الشعر الفضي الطويل.
عيناها الرماديتان كانتا هادئتين بشكل غريب.
حتى وسط الخراب.
“من أنتِ؟”
“ولماذا أنا هنا؟”
“وماذا حدث؟”
سأل آزارث الأسئلة الثلاثة دفعة واحدة.
دون أي تغير في ملامحه.
أجابته المرأة بهدوء:
“اسمي فيلاريس.”
“وأنا حاملة خطيئة الحياة.”
ثم بدأت تشرح كل شيء.
قتاله ضد ناغاروث.
موته.
وإنقاذها له بعد توقف قلبه.
كلما استمع آزارث أكثر…
ازدادت برودة عينَيه.
حتى انتهت فيلاريس من الكلام.
ساد الصمت للحظات.
ثم سألها مباشرة:
“لماذا أنقذتني؟”
“وما هدفك؟”
نظرت إليه فيلاريس بهدوء.
لكن هذه المرة…
ظهر التردد داخل عينيها.
“لا أعرف.”
توقفت للحظة.
ثم أكملت:
“أو بشكل أدق…”
“لا أتذكر.”
ضاقت عينا آزارث فورًا.
“أنا لا أصدقك.”
لكن فيلاريس لم تغضب.
بل سألت بهدوء:
“ألا تشعر أنك نسيت شيئًا أيضًا؟”
تجمد آزارث.
للحظة واحدة—
شعر بألم حاد داخل رأسه.
كانت هناك معلومات يعرفها…
دون أن يتذكر كيف عرفها.
وكأن شيئًا ما…
زُرع داخل عقله.
نظر ببطء نحو نيكورديس.
كان نيكورديس صامتًا.
لكن ملامحه لأول مرة…
بدت وكأنه يفكر بعمق شديد.
قالت فيلاريس بهدوء:
“على الأغلب…”
“سبب إنقاذي لك مرتبط بتلك الذكريات المفقودة.”
خفض آزارث رأسه قليلًا.
ثم قال:
“أنا لا أحب أن أبقى مدينًا لأحد.”
“لذلك أخبريني بشيء أستطيع من خلاله رد الجميل.”
“حسنًا.”
أجابت فيلاريس.
ثم نظرت مباشرة نحو نيكورديس.
“أريد معلومات عن الشخص القديم.”
اتسعت عينا نيكورديس فجأة.
لكن الصدمة اختفت بسرعة.
وعاد ذلك البرود المرعب إلى وجهه.
“لا أعرف الكثير.”
“حسب معرفتي…”
“كنت دائمًا بجانب الشخص القديم.”
ردت فيلاريس فورًا.
ساد الصمت.
ثم قال نيكورديس بصوت منخفض:
“صحيح…”
“كنت معه دائمًا.”
توقفت الظلال خلفه للحظة.
“لكن…”
“كلما حاولت تذكره…”
“شعرت وكأن شيئًا يمزق عقلي.”
شحب وجه فيلاريس قليلًا.
“إذن حتى أنت… لا تستطيع التذكر؟”
رفع نيكورديس عينيه الحمراوين نحوها.
ثم قال:
“هناك قوة تمنعني.”
ساد الصمت مجددًا.
ثم قالت فيلاريس:
“إذًا أخبرني بما تتذكره فقط.”
أغمض نيكورديس عينيه للحظات.
ثم قال ببطء:
“كان شخصًا عظيمًا.”
“ومات…”
“وهو يحاول الوصول إلى هدفه.”
ارتجفت عينا فيلاريس.
“مات…؟”
“هل يمكن لشخص بتلك القوة أن يموت؟”
فتح نيكورديس عينيه ببطء.
“كيف تعرفين قوته؟”
“رأيت ذكريات خطيئة الحياة القديمة.”
أجابتها بهدوء.
“هكذا إذًا…”
تمتم نيكورديس.
ثم سألته فجأة:
“هل حقق هدفه؟”
ساد الصمت طويلًا.
حتى الظلال خلف نيكورديس…
بدت ساكنة.
ثم قال:
“لا.”
“مات قبل أن يحققه.”
“كيف مات؟”
سألت فيلاريس بصوت منخفض.
خفض نيكورديس رأسه قليلًا.
“عندما وصلت…”
“كان جالسًا فوق العرش.”
“وسيف يخترق قلبه.”
تجمد الهواء داخل الغرفة.
حتى آزارث شعر بقشعريرة غريبة.
ثم أكمل نيكورديس:
“هذا…”
“كل ما أتذكره.”
ساد الصمت.
ثم قالت فيلاريس:
“حسنًا.”
“لم تعد مدينًا لي.”
━━━━━━━━━━━━━━━
في أعماق البحر المظلم…
فتح ناغاروث عينيه ببطء.
كانت الظلمة تحيط به من كل اتجاه.
لكن عينَيه الزرقاوتين ظلتا تلمعان داخل الأعماق.
ضاقت عيناه قليلًا.
“لماذا…”
“عدت إلى البحر بهذه السرعة؟”
وضع يده فوق رأسه.
“لا أتذكر شيئًا…”
“بعد قتل ذلك الطفل الذي يحمل اليأس.”
ساد الصمت.
ثم تمتم:
“هل فقدان ذاكرتي…”
“له علاقة بمالثير؟”
━━━━━━━━━━━━━━━
وفي مكان آخر…
داخل مكتبة لا نهاية لها—
كان رجل يجلس وسط بحر من الكتب.
شعر فضي طويل يغطي نصف وجهه.
وعينان ذهبيتان تضيقان ببطء.
لأن الكتب من حوله…
بدأت تذوب.
صفحات كاملة اختفت.
أسماء اختفت.
وأحداث كاملة مُحيت من السجلات.
رفع الرجل كتابًا قديمًا.
ثم شاهد الكلمات تتلاشى أمام عينيه.
“هناك شيء…”
“تم حذفه من التاريخ.”
ثم ضاقت عيناه أكثر.
“مالثير…”
“ماذا فعلت؟”
ساد الصمت للحظة.
ثم تمتم:
“هل لهذا علاقة…”
“باستيقاظ عرش اليأس؟”
━━━━━━━━━━━━━━━
داخل المدينة مجددًا…
وقف آزارث أخيرًا.
“شكرًا على إنقاذي.”
أجابته فيلاريس بهدوء:
“لا داعي للشكر.”
“لقد سددت دينك.”
أومأ آزارث بصمت.
ثم استدار هو ونيكورديس.
وبدآ بالمغادرة.
لكن بمجرد خروجهما من المبنى—
سقط نيكورديس فجأة على ركبته.
اتسعت عينا آزارث.
“نيكورديس!”
لكن نيكورديس رفع يده بصعوبة.
“لا شيء…”
“فقط…”
“لم أعتد بعد على هذا الجسد.”
ثم نهض ببطء.
لكن أثناء سيره—
كانت الظلال خلفه تتحرك بصمت.
وكأن شيئًا داخلها…
بدأ يستيقظ.