يعود المقاومون أخيرًا إلى القرية، ومعالم الحزن والخيبة تعلو وجوههم. صيحات الناس وهدوء الأطفال أدخلا الشك والرهبة في قلوب الذين ظلوا في القرية. يتوجه نحوهم علي، وعلى فمه جملة واحدة:

"أين سالم؟"

يستمر في السؤال وسط صمت العائدين، إلى أن يخبره أحدهم بما جرى، وعدم معرفتهم ما إذا كان سالم ميتًا الآن أم لا.

يعلو الغضب والاستياء على وجه علي، فيركض نحو خيله، رغبةً منه في إنقاذ سالم، لكن الرجال يوقفونه، طالبين منه التريث؛ فهم لا يدرون ما إذا كان حيًّا أم لا، وحتى لو كان كذلك، فاندفاعه بهذه الطريقة إلى معتقل شديد الحراسة أشبه بالانتحار.

يتوقف علي أخيرًا، وقد بدا عليه العجز، ويقول بصوت خافت:

⌖ علي: لكنه... لكنه وعدني. لماذا؟ ماذا حصل هناك؟

يأخذه الرجال إلى خيمته، ويحكون له مجريات ما حصل. وعلى غير المتوقع، لم ينفعل علي، بل ينهض من مكانه فجأة، وكأن فكرةً ما خطرت في باله، ويقول:

⌖ علي: بعد ابتعادكم، ألم تسمعوا إطلاق نار أو مدافع، أو أي علامات لمعركة حصلت؟

يجيبه الرجال بالنفي.

يسود الصمت للحظات، ثم تتغير ملامح علي، ويظهر الارتياح عليه أخيرًا، قبل أن يقول:

⌖ علي: إذًا هذا يعني... سالم! سالم لا يزال حيًّا!

يصمت الرجال لوهلة، ثم ينظر بعضهم إلى بعض باستغراب.

⌖ أحد الرجال: وكيف عرفت ذلك؟

⌖ علي: عدم سماعكم لأصوات معركة يعني أنها لم تحدث أساسًا، وهذا يعني أن سالم قد استسلم... وهو الآن حيٌّ يُرزق.

يرد أحد الرجال بيأس:

⌖ أحد الرجال: هذا لن يغير حقيقة أنه في يد الفرنسيين الآن. ليس بيدنا ما نفعله.

تتغير ملامح علي مجددًا، ويمسك أحد الرجال من ثيابه بغضب:

⌖ علي: حمقى! ضحّى سالم بنفسه لينقذكم، والآن تريدون تركه بكل بساطة؟! بئس معشر الرجال أنتم! هيا، اخرجوا قبل أن أسفك دم أحدكم! هيا!

يخرج الرجال بعدها من الخيمة، مرعوبين من علي، الذي تركوه وحيدًا مع أفكاره.

يبقى علي واقفًا في مكانه، يحدق في الفراغ، وكأن عقله لا يزال يحاول إيجاد طريقة للوصول إلى سالم.

أما الآن، فنعود إلى سالم.

وصل سالم إلى معتقل ابن داود، أو المعروف لدى الفرنسيين بـ"Ben Dawed". أُدخِل إلى المعتقل وسِيق إلى إحدى الزنزانات، لتُغلَق خلفه أبواب الحديد الثقيلة.

لم تمضِ سوى لحظات حتى جاءه أحد الضباط، ونظر إليه بنظرات باردة.

⌖ الضابط: وأخيرًا وقعت بين أيدينا. ستمكث هنا إلى حين وصول المبعوثين لأخذك.

⌖ سالم: وماذا يريدون مني بالضبط؟

⌖ الضابط: لا أدري، ربما يجرون عليك بعض التجارب، أو يعدمونك. لو كنت مكانك، لانشغلت بالدعاء كي يكون حظي لا بأس به.

يخرج الضابط من الزنزانة، وتتعالى ضحكاته التي لا تبشر بالخير، تاركًا سالم وحده.

ينزعج سالم ويبدأ في ضرب الجدار بغضب، ثم يتوقف بعد لحظات، ويأخذ نفسًا عميقًا، وكأنه تذكر شيئًا مهمًّا.

⌖ سالم: لا... عليك أن تهدأ يا سالم. لا يزال الوقت مبكرًا على تنفيذ خطتك. تحمّل قليلًا، لا أكثر.

يحين موعد الطعام، فيتناول سالم بعض الخبز القديم والماء، ليساق بعدها للعمل تحت أشعة الشمس الحارقة.

كان العمل شاقًّا، والصخور لا ترحم، لكن سالم لم يتذمر. وبينما كان بصدد تنقيب الصخور، سمع جماعة من السجناء يتهامسون حول أحد الحراس.

يتوقف سالم عن العمل للحظة، ثم يقترب منهم محاولًا سماعهم بشكل أفضل.

⌖ أحد السجناء: أقول لك، لقد رأيته بعيني!

⌖ آخر: مستحيل! لا يمكن لبشريٍّ أن يفعل ذلك.

يستغرب سالم، ويواصل الاستماع.

⌖ أحد السجناء: أقسم لك أنه فعلها! في إحدى المرات، شاهدته مع بعض السجناء يرفع عربة محطمة، وينقلها بيديه العاريتين!

يصدم سالم مما سمعه، فيقترب أكثر ويسألهم:

⌖ سالم: هل تعرفون من يكون؟

يلتفت السجناء إليه بدهشة؛ فلم يتوقعوا أن شخصًا كان يستمع إليهم.

يخاطبه أحدهم قائلًا:

⌖ أحد السجناء: يجب أن يبقى هذا سرًّا بيننا. لا تخبر أحدًا بما سمعته.

⌖ سالم: اطمئن، لن أخبر أحدًا. لكن من يكون هذا الشخص؟

ينظر الرجل حوله بحذر قبل أن يجيب:

⌖ أحد السجناء: لا نعرف عنه الكثير... كل ما نعرفه أنه أحد حراس هذا المعتقل.

يصمت سالم للحظات، ثم يعود إلى عمله، لكن عقله لم يعد مع الصخور التي أمامه.

من هو هذا الشخص؟

وهل هو من العقارب؟

أم أنه شخص عادي، لكنه يملك قوةً لا تُصدَّق؟

تلك الأسئلة لم تفارق سالم طوال اليوم.

وعندما عاد إلى زنزانته، ظلت تدور في رأسه حتى حلّ الليل، ولم يستطع النوم البتة.

فغدًا ينتظره يومٌ شاقٌّ آخر...

وربما، إجابة عن سؤالٍ أخطر من كل ما سبق.

يــتــبــع...

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

إنستغرام الكاتب: uruma._.01@

تلغرام الكاتب: itz_shun1@

2026/08/14 · 2 مشاهدة · 679 كلمة
Reda_Lhamdani
نادي الروايات - 2026