فراغٌ تام ابتلع كل شيء.

وهدوءٌ مخيف لم يكسره سوى صدى أنفاسه المتقطعة والمنهكة.

حاول تحريك أطرافه الثقيلة، فمزق رنين السلاسل المعدنية وحشة المكان، ترافقه رائحة كريهة امتزج فيها صدأ الحديد بعفونة الدماء.

—: أ... أين أنا؟

خرج صوته مبحوحاً وضعيفاً. كان يرتجف بشدة، يداه وقدماه مكبلتان بقسوة إلى الجدار. كان شبه عارٍ، تلامس قدماه الحافيتان أرضية متجمدة تسحب حرارة جسده ببطء.

الجوع ينهش أحشاءه، والبرد القارس يعتصر عظامه في غرفة غارقة في ظلام دامس لا يخترقه بصيص نور.

تزاحمت الأسئلة في رأسه دفعة واحدة

ما الذي حدث؟ كيف انتهى بي المطاف هنا؟ لكن وسط هذه الفوضى العقلية، برز سؤالٌ آخر... سؤالٌ أسوأ وأكثر رعباً من كل ما سبقه.

— مـ... من أنا؟

سكون قاتل.

توقف عقله عن العمل لبرهة وهو يدرك حقيقة مرعبة؛ إنه لا يملك إجابة. ضربته الصدمة كصاعقة، فصرخ. صرخ بكل ما أوتي من قوة لدرجة أن أذنيه طنّتا من شدة الصوت الذي مزق صمت الغرفة الواسعة.

وفي وسط لهاثه، أتاه الرد:

— "من أنا؟" يا له من سؤال فلسفي جميل.. هاهاها.

كان صوتاً حاداً، مستهزئاً، تخلل رأسه على غفلة. لم يستطع تحديد مصدره بسبب اتساع الغرفة، لكن كل ما أدركه في تلك اللحظة أن النبرة تعود لرجل يتسلى بعذابه.

— من أنت!؟

— من أنا!؟ حسناً، لا أستطيع أن أجيبك على هذا السؤال حالياً، لكن يمكنني الإجابة على سؤالك الأول.

— سؤالي الأول؟

— نعم، هل نسيت بهذه السرعة؟ لقد سألت للتو: "أين أنا".

توقف تنفسه للحظة. هل كان هذا الكيان هنا منذ البداية؟ لم يشعر بحضوره البتة.

— هل فعلاً لا تتذكر؟

سأل الصوت بنبرة غريبة، تحمل طياتها استنكاراً خفياً.

— أتذكر ماذا؟

لم يأتِ أي رد. اختفى الحضور الغامض تماماً، وكأنه تبخر في الهواء أو لم يكن موجوداً من الأساس.

مرت ساعات ثقيلة. اعتادت عيناه تدريجياً على الظلام الذي تحول إلى رمادي باهت. أدرك أن السلاسل الصدئة والمحكمة حول معصميه طويلة بما يكفي لتسمح له بالتجول في محيط ضيق.

بدأت معالم الغرفة تتضح؛ على يمينه ويساره، تدلت مجموعات أخرى من السلاسل من السقف... أربع مجموعات في المجموع. ثلاثٌ منها فارغة، والرابعة هي التي تقيده.

المرعب في الأمر أن السلاسل الفارغة كانت ملطخة بدماء جافة.

رفع بصره نحو السقف، لكنه بدا بعيداً جداً، وكأنه يمتد في ما لا نهائي.

لم يكن للغرفة أبواب، ولا نوافذ، ولا أي مصدر منطقي للضوء.

لفت انتباهه شيء آخر. على ظهر يده، برز وشمٌ غريب وداكن لم تكن ملامحه واضحة تماماً.

— ما هذا الوشم؟ - تساءل بصوت مسموع وعفوي.

— عهد.

فزع وقفز في مكانه حتى كادت السلاسل أن تمزق رسغيه. كان الصوت قريباً هذه المرة، مألوفاً بطريقة غريبة، وكأنه يتردد داخل جمجمته مباشرة. بحث بعينيه يميناً ويساراً، لكن المكان كان فارغاً.

— هل عدت مجدداً؟

صمت.

— انتظر! لا تذهب! ما الذي قصدته بالعهد؟

— تماماً كما قلت... إنه دليل مادي على قيامك بعهد.

— قيامي بعهد؟ لا أعرف عما تتحدث!

وكأنه كان ينتظر هذا الرد تحديداً، أجاب الصوت بسخرية لاذعة:

— هوهو، هل تريد أن تعرف؟

أدرك فوراً من نبرة الكيان أنه سيطلب مقابلاً. لكن وضعه المزري والمقيد لم يترك له أي مساحة للتفاوض أو الرفض.

— ... نعم.

مباشرة وبلا تردد، اقترح الكيان:

— لنبرم عقداً.

— عقد؟

— نعم، سأعطيك الأجوبة لأسئلتك، وبالمقابل تعطيني... حسناً، ماذا ستعطيني؟

في تلك اللحظة اليائسة، بدا هذا العرض المجنون وكأنه طوق نجاة.

— أي شيء! سأعطيك أي شيء تريده مني، رغم أنني لا أملك شيئاً الآن، أنا حتى لا أملك ذكرياتي!

— يا إلهي! أنت تجعلني أبدو وكأنني أبتزك يا فتى.

انتظر الشاب أن يطلب الكيان ماله، أو سنوات من عمره. لكن الطلب جاء مرعباً ببساطته:

— عينك.

تجمدت الدماء في عروقه. تراجع خطوة إلى الوراء لا شعورياً، واصطدم ظهره بالجدار البارد.

— مـ... ماذا تعني بعيني؟

بنفس النبرة المستهزئة، أكد الكيان:

— كما سمعت، ستعطيني عينك... آه، وأريد اليسرى تحديداً.

— تـ... تريد عيني؟! لماذا؟

— "لماذا؟" سؤال لا فائدة منه. لماذا تحتاج أن تعرف السبب؟ ستعطيني عينك وسأعطيك أجوبة، هذا كل ما في الأمر. قبول العرض أو رفضه شأنك الخاص.

بدأ جسده يرتعد مجدداً، وهذه المرة ليس من البرد. ما هذا الطلب الجنوني؟ هل يقبل ويفقد نصف رؤيته للأبد؟ لكن... هل يملك خياراً آخر؟ مكبل، جائع، تائه في مكان مجهول؛ سيموت ببطء وتعفن على أي حال. رغم الصقيع الذي كان ينهش عظامه، شعر بقطرة عرق باردة تنزلق من جبينه، لتستقر تماماً في عينه اليسرى... العين التي يطالب بها هذا الكيان الآن.

— كـ... كم سؤالاً ستجيبني؟

بعد صمت قصير، أجاب الصوت وكأنه يقيم بضاعته:

— لستَ غبياً كما تبدو، ها؟ ثلاثة... سأجيب على ثلاثة أسئلة فقط، هذه هي تكلفة عينك.

ثلاثة أسئلة مقابل عين كاملة. نظر بحزم إلى الفراغ أمامه، وكأنه يحدق في عيني جلاده الخفي، وتفوه بالكلمات التي ستغير مصيره:

— حـ... حسناً... أقبل العقد.

بمجرد أن نطقها، حدث الأمر.

دماء.

.. دماء دافئة وغزيرة انفجرت وتناثرت على وجهه. لم يسبقها إنذار، تبعها ألمٌ لا يمكن وصفه بكلمات. صرخ حتى أحس بحنجرته تتمزق. سقط على الأرض الباردة يتلوى كذبيحة، وتأرجحت السلاسل مصدرة ضجيجاً معدنياً اختلط بنواحه وبكائه

.

رفعت يده المرتجفة لتتلمس مصدر الألم الجحيمي، لكنها لم تجد شيئاً. مقلة عينه اليسرى... كانت فارغة تماماً. لقد اختفت.

وبينما هو غارق في عذابه على الأرض، تنهد الصوت بملل:

— يا له من منظر مثير للشفقة فعلاً. كل هذا النواح لمجرد فقدان عين بشرية؟

حاول استجماع شتات نفسه المنهارة، ونهض ببطء، غطى تجويف عينه الدامي بيده وسأل بأنفاس متقطعة:

— أغغـ... هـ... هل تجيب على أسئلتي الآن؟

— هاهاها! هذه هي الروح المطلوبة! نعم، تفضل اسأل. لكن تذكر! بمجرد أن تطرح السؤال لا يمكنك تغييره. وإذا سألتني عما لا أعرفه، فسيضيع سؤالك هباءً. لذا، كن حذراً.

شعر بالدوار من فقدان الدم. رؤيته بالعين اليمنى أصبحت مضببة. هز رأسه بقوة ليطرد الدوار، لكن ما رآه تالياً جعله يشك في قواه العقلية.

كانت هناك عين.

.. عينه اليسرى... تطفو في الهواء أمامه، وتقطر بدمائه.

— مـ... ما هذا؟؟؟؟ - صرخ بهلع.

— أوه، هذا؟ إنها عينك. أنا متجسد داخلها الآن.

اتسعت عينه اليمنى برعب نقي. عين تطفو تتحدث إليه! هل هو شبح؟ هل فقد عقله من الألم؟

— كـ... كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا بحق الجحيم؟؟؟ -

صرخ دون وعي.

— هل أعتبر هذا سؤالك الثاني؟

ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر بقلبه يهوي إلى معدته.

— مـ... ماذا؟

— لقد أجبت على سؤالك الأول قبل قليل، ألم تسألني للتو: "ما هذا؟".

لقد تلاعب به! ضاع سؤال ثمين في لحظة ذهول تافهة. اجتاحه غضب عارم ممزوج بيأس خانق. لقد دفع عينه ثمناً، والآن لم يتبقَ له سوى سؤالين. ماذا يختار؟ أين هو؟ كيف يخرج؟ أم من هو؟

أمسك رأسه بيديه المرتجفتين محاولاً التركيز. رفع رأسه مجدداً، وحدق في العين الطافية التي كانت جزءاً منه، ونطق بسؤاله الحقيقي الأول:

— مـ... من أنا؟

تمنى من كل قلبه ألا يسمع الإجابة التي يخشاها. لكن الكيان رد ببرود تام، حطم ما تبقى من آماله:

— لا أدري.

توقف دماغه عن العمل. انهمرت الدموع من عينه المتبقية، وسقط على ركبتيه مجدداً يصرخ ويبكي بانهيار تام. ما الفائدة الآن؟ سيموت هنا نكرة.

وأثناء استسلامه لمصيره اليائس، استطرد الصوت:

— "ڤاين".

— هاه؟

— لست متأكداً تماماً، لكن أظن أن اسمك هو "ڤاين". لا أستطيع إخبارك كيف أعلم ذلك إلا إذا استخدمت سؤالك الأخير.

"ڤاين"؟

بمجرد أن تردد هذا الاسم في عقله، ضربه صداع مرعب وكأن جمجمته تنشطر من الداخل.

— يستحسن أن تتوقف عن التفكير في الاسم بعمق. - حذره الصوت.

ڤاين: هاه؟ لمـ…

أغلق فمه بيده بسرعة البرق قبل أن يكمل كلمة "لماذا". كاد أن يضيع سؤاله الأخير.

— هاهاها! قلت لك أن تحذر. على أي حال، أسرع وأعطني سؤالك الأخير.

أنفاسه تتسارع، والدماء لا تزال تنزف من عينه. وعيه يتلاشى شيئاً فشيئاً. الخوف من الموت في هذا الجحر المظلم سيطر عليه بالكامل. تحول الخوف إلى غضب أعمى. لماذا يحدث له هذا؟ من المسؤول عن كل هذا العذاب؟

بدأ يصرخ بهستيريا، يكلم نفسه والعدم:

ڤاين : اللعنة! اللعنة اللعنة اللعنة!!

— …

ڤاين : مَن؟

— هاه؟! -

رد الكيان باستغراب مصطنع.

صرخ ڤاين بكل ما تبقى في رئتيه من هواء:

ڤاين : من الذي جعلني أمر بكل هذا العذاب؟؟؟؟

ساد صمت ثقيل للحظة، قبل أن يجيب الكيان بهدوء مرعب، تقشعر له الأبدان:

— أوه... أنت.

ڤاين : هاه؟

— كما سمعت. أنت من سجنت نفسك هنا.

اتسعت حدقته بصدمة شلت تفكيره.

ڤاين : مـ... ما الذي تتحدث عنه؟

— انتهت الأسئلة يا فتى.

حاول الصراخ مجدداً، لكن صوته انقطع تماماً. حباله الصوتية تمزقت، وحلقه جف كصحراء قاحلة. تلاشت رؤيته بسرعة، ولم تعد قدماه قادرتين على حمله.

هوى جسده المنهك إلى الأمام، وارتطم رأسه بالأرضية الجليدية.

وهكذا... ابتلعه الفراغ مجدداً.

وفقد الوعي .

2026/06/01 · 5 مشاهدة · 1358 كلمة
TOUDI
نادي الروايات - 2026