الفصل الأول: الفلاح

"جومانجي... جومانجي! الغنم والماعز تتجه صوب المنحدر، لا تتركها تغيب عن ناظريك!"

ارتفع الصوت جهوراً من بعيد، يخرق سكون المروج الخضراء. كان صاحبه رجلاً في الثلاثينيات من عمره، يرتدي ملابس رمادية طويلة تماشت مع لون الضباب الصباحي، وقف يراقب الأفق بعينين خبيرتين.

رداً على نداء والده، انطلق صبي صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره يركض فوق العشب الندي، وبجانبه رفيقه الدائم؛ كلب أحمر اللون كان يثب بمرح وكأنه يفهم المهمة الموكلة إليهما. صرخ الصبي وهو يلهث بابتسامة فطرية: "لا تقلق يا أبي! أنا ذاهب خلفها! سأتأخر قليلاً اليوم، لذا لا تنتظروني وقت الغداء، سأتدبر أمري!"

كان جومانجي يرتدي قبعة من الخيزران دائرية واسعة تشبه طبقاً كبيراً يحميه من لفح الشمس، وملابس خضراء واسعة ومنكمشة بفعل الحركة المستمرة، وفي يده عصا صغيرة يهزها بخفة ليوجه بها قطيعه.

في تلك الأثناء، اقترب رجل آخر يقود مجموعة من الأغنام، وقف بجانب والد جومانجي ونظر إلى الصبي المبتعد بإعجاب: "إنه نشيط حقاً.. هذا الصبي لا عجب أنه ابنك، يحمل في طياته روحك الوثابة."

انفجر والد جومانجي ضاحكاً بهدوء، وهز رأسه قائلاً: "إنه يحب ما يفعل يا صديقي، ومن يحب عمله لا يعرف التعب.. لهذا تراه نشطاً كالغزال."

تأمل الرجل الآخر طيف جومانجي وهو يختفي وراء التلة وتمتم بابتسامة: "حقاً.. من شابه أباه فما ظلم."

سكت الرجلان لبرهة يراقبان الطبيعة، قبل أن يسأل والد جومانجي: "وأين هي ابنتك؟ ألن تخرج اليوم إلى المرعى كعادتها؟"

هز الرجل رأسه بهدوء: "بلى، إنها قادمة، تحتاج فقط بعض الوقت لتجمع أشياءها، تعلم كيف هن الفتيات."

"أنا هنا يا أبي!" جاء الصوت رقيقاً وناعماً من خلف الرجلين، كأنه رنين جرس صغير. كانت فتاة صغيرة في العاشرة من عمرها، جمالها يأخذ الألباب؛ عيناها الواسعتان البراقتان تعكسان صفاء السماء، وشعرها الأسود الفاحم ينسدل على كتفيها كالحرير. ارتدت فستاناً أخضر بسيطاً تزينه شرائط صفراء زاهية، وتحمل في يدها عصا خشبية، وكأنها حورية خرجت من صلب هذه التلال.

التفت إليها والدها وقال بحنو: "اعتني بنفسكِ يا ابنتي، ولا تبتعدي كثيراً."

استدارت الفتاة وهي توزع ابتسامة عريضة أضاءت وجهها، ثم همست ببطء وثقة: "لا تقلق يا أبي.. أنا لست صغيرة كما تظن."

ابتسم الرجل وهو يراقب ظهر ابنته وهي تتبع أثر جومانجي، وقال بنبرة غلب عليها التأثر: "إنهم يكبرون بسرعة يا صديقي.. بسرعة لا ندركها."

أومأ الآخر برأسه، وعيناه معلقتان بالأفق: "معك حق، السنون تمر كمرور الرياح، تترك أثرها في الأرض ولا تترك لنا سوى الذكريات."

كانت القرية التي يقف فيها الرجلان لوحة فنية عجزت الريشة عن رسم كمالها. تتوسد القرية حضن تلال خضراء متموجة، كأنها سرير من المخمل نُسجت خيوطه من أعشاب برية نديّة تفوح منها رائحة الحياة.

بيوتها الخشبية الصغيرة، ذات الأسقف القشية المائلة التي تآكلت أطرافها بفعل الزمن، تبدو وكأنها نبتت من الأرض ذاتها، تتناثر بهدوء بين ظلال الأشجار الوارفة التي تهمس للريح بأسرار قديمة لا يعرفها إلا الراسخون في الصمت.

المسارات الترابية الضيقة تشق العشب بليونة، تربط بين المنازل وسياجات الحظائر البسيطة، حيث يمتزج عبير الزهور الجبلية برائحة الأرض الرطبة بعد فجرٍ ندِيّ. الضوء ينسكب فوق المكان بهدوء ملكي، يغمر المرتفعات بوشاح ذهبي شفاف، ويمنح الأفق مدًى يبعث على الطمأنينة المطلقة، حيث لا حدود تفصل بين الأرض والسماء سوى خط من الضباب الرقيق الذي يداعب قمم التلال البعيدة. كل شيء هنا يوحي بالثبات؛ السكون ليس صمتاً مطبقاً، بل هو عزف خفي لنبض الطبيعة، حيث تتمايل الأغصان برتابة، وتستريح البيوت في أماكنها كأنها حراسٌ لسكينة لا تنتهي.

في وسط القرية، كانت المنازل قد ازدانت بشرائط بمختلف الألوان الزاهية، والناس يمشون ذهاباً وإياباً، والسرور يفيض من أعينهم وكأن هناك فرحاً عظيماً سيحل بالقوم قريباً، فكانت أصوات الضحك تتردد في كل زاوية، تطرد أي شبح للغموض.

في تلك الأثناء، جلس جومانجي مع عدة أطفال آخرين في مثل عمره، وكانت الفتاة الجميلة بينهم. نزع جومانجي قبعته المستديرة ووضعها أمامه، فظهر شعره الأشقر الذي لمع تحت أشعة الشمس، بينما داعبت النسمات عينيه الخضراوين الهادئتين. رتب جلسته بوقار ونظر إلى شيخ عجوز يجلس أمامهم، تماماً كما فعل بقية الأطفال.

رفع العجوز يديه المجعدتين وقال بصوت يحمل وقار السنين: "إذاً، ماذا تريدون أن تسمعوا الآن أيها الأطفال؟"

قفز جومانجي من مكانه بحماس: "جدي! لقد سمعت أنك خرجت للعالم الخارجي من قبل.. كيف يبدو؟ هل هو رائع كما يقال؟"

في هذه القرية، لم يكن "الجد" بالضرورة هو الجد الحقيقي بالدم، بل كان لقباً يطلقه الصغار على كل كبير في السن، احتراماً وتقديراً لحكمتهم.

ضيق العجوز عينيه وكأنه يحاول استرجاع صور باهتة من ذاكرته، ثم ابتسم قليلاً وقال بنبرة جادة: "حسناً، سأقول لكم.. لكن عليكم أن تعاهدوني؛ ألا تسألوا عن العالم الخارجي مرة أخرى، وألا تفكروا أبداً في الخروج إليه."

انتاب الأطفال فضول جارف، وتساءلوا في أنفسهم عن سبب هذا التحذير، لكنهم جميعاً أعطوا الجد وعداً غليظاً بأن يلتزموا بكلامه.

نظر الرجل إلى وجوههم البريئة، ولمح تلك النظرات التي تنتظر بلهفة. بدأ العجوز يحكي عن رحلته، ومع كل كلمة كان ذهول الأطفال يزداد، وكأن جدهم ينسج قصصاً من الخيال المحض.

بعد أن انتهى، سألت الفتاة الصغيرة بصوت خافت: "هل هذا صحيح يا جدي؟ هل حقاً يمكنهم الطيران؟"

أجاب العجوز بعينين غائرتين: "نعم.. لقد سمعت ذلك أيضاً ولم أصدقه، لكن ذات يوم، رأيت شخصاً يحلق في السماء بوضوح، رغم أنها كانت لحظات قليلة إلا أنني رأيته يخرق قوانين الأرض."

هتف جومانجي متحمساً: "أشخاص يطيرون.. ويرفعون الجبال بإصبع واحد! هذا خيالي يا جدي، إنه أمر لا يصدق!"

بدأ الرجل يلعب بقشة بين أسنانه وقال بوقار: "اعلموا أني لم أرَ أحداً يحمل جبلاً بإصبعه، لكنني سمعت الكثير من العجائب التي تفوق الوصف. في البداية كنت أشك، لكن بعد رؤية ذاك الرجل الطائر، أقررت في نفسي بأن كل ما يقال هناك قد يكون حقيقياً."

توقف العجوز قليلاً، ثم أكمل بصوت منخفض: "شيء واحد فقط لم ولن أصدقه.. وهو أنهم يزعمون قدرتهم على إعادة إحياء من مات.. فهذا محال، والموت حق لا مفر منه."

تمتم أحد الأطفال: "إحياء شخص مات؟ هذا جنون.. لو كان ذلك ممكناً لما زار الموت أحداً."

سألت الفتاة ببطء وهي تتأمل العجوز: "يا جدي.. لماذا يمنع علينا الخروج إذا كان العالم ممتعاً هكذا؟ حيث الطيران والأشياء الجميلة؟"

نظر إليها الرجل، ولم تفارق الابتسامة الهادئة وجهه: "يا صغيرتي.. رغم كل ما يملكونه من قوة وعجائب، فإنهم ليسوا مثلنا.. قلوبهم ليست صافية كقلوب أهل هذه القرية.. الأحزان والكراهية هي ما يغذي أرواحهم."

قطب الأطفال حاجبيهم بعدم فهم، فسأل جومانجي باستغراب: "ما هي الأحزان؟ وما هي الكراهية يا جدي؟"

ابتسم الرجل بشكل خفي: "لا داعي لمعرفة ذلك.. إنه شعور سيء ينهش الروح. لو لم أخرج يوماً بحثاً عن دواء لأخي المريض، لما فكرت في الخروج أبداً. قريتنا ليس لها مثيل في الدنيا، هنا نعيش الحياة البسيطة بأريحية، دون ندم."

"ندم؟ ما هو الندم؟" سأل طفل آخر ببراءة.

ضحك العجوز ضحكة عالية هزت صدره: "لا شيء.. لا شيء! هل لديكم أسئلة أخرى؟"

بعد ذلك تحدثوا لفترة من الوقت قبل أن يتم قطع حديثهم، وصل رجل في الأربعينيات من عمره فوق حصانه، يجر عربة صغيرة محملة بأكياس خشنة.

وقف جومانجي بسرعة والابتسامة تشق وجهه: "حان وقت الفلاحة!" ثم ركض نحو العربة وتبعه بقية الأطفال، بينما اكتفى العجوز بإسناد ظهره للشجرة الوارفة خلفه وأغلق عينيه مستمتعاً بالهدوء.

حمل كل طفل كيسين؛ أحدهما للطعام والآخر مليء بالحبوب المعدة للغرس. انطلق جومانجي مع الفتاة نحو مكان بعيد قليلاً عن المرعى الذي كانوا فيه. كانت هناك مساحات شاسعة تشبه السافانا في اتساعها، تتناثر فيها الأشجار الضخمة وترعى فيها قطعان الأغنام والماعز.

وصلا إلى ضفة نهر كبير عذب، وبجانبه كانت توجد حضيرتان كبيرتان متجاورتان، مليئتان بخضروات لا تزال في طور النمو.

تأمل جومانجي الفتاة وقال برفق: "ما رأيك أن أساعدكِ في حرث حقلكِ أولاً، وبعدها تساعديني لكي ننتهي بسرعة؟"

أومأت الفتاة برأسها: "ليكن ذلك.. أساعدك وتساعدني."

حسناً وافق جومانجي دون أن يعلق.

أمسك الاثنان بأدوات الفلاحة وبدأا العمل. فرغم صغر سنهما، إلا أن هذا الكدح كان يسري في دمائهما، كانا يحبان ملمس الأرض ورائحة الطمي، لذا كان العمل يبدو لهما كاللعب.

بعد ساعات من العمل المضني، جلس جومانجي بجانب النهر، يراقب الأسماك التي تسبح في المياه الصافية بسلام، ويستمع إلى سيمفونية جريان الماء. غسل وجهه وشرب من النهر العذب، ثم صمت وهو يتأمل الحركة الانسيابية للحياة تحت الماء. جاءت الفتاة نحوه وجلست بجانبه، وساد صمت طويل لم يقطعه إلا صوتها.

سألت الفتاة فجأة: "هل ستذهب اليوم أيضاً إلى ذلك المكان؟"

اتكأ جومانجي للخلف ووضع يديه خلف رأسه مبتسماً: "نعم." ثم سأل بمداعبة: "هل أنتِ فضولية لتعرفي أين أذهب يا 'مايرومي'؟"

نظرت مايرومي إلى خيوط الشمس التي تتسلل بين الأغصان وهمست: "إنه سرك الخاص.. لا أريد معرفته ما دمت لا ترغب في إخبار أحد."

أغمض جومانجي عينيه وقال بنبرة هادئة: "سأخبركِ يوماً ما، ليس لأنكِ طلبتِ، بل لأنني أريد ذلك."

أومأت مايرومي برأسها بصمت، واستمتعا معاً برياح الصيف التي تحرك أغصان الأشجار الخضراء.

عندما بلغت الشمس كبد السماء، نهض جومانجي وأخذ كيس طعامه، وبدأ يشق طريقه بين الأشجار الكثيفة. راقبته مايرومي حتى اختفى، لكنها لم تتبعه.

واصل الصبي سيره حتى توقف أمام جدار كثيف تغطيه الأعشاب بالكامل. أزاح الغطاء النباتي بيده، فظهر مدخل كهف صغير. التفت يميناً ويساراً ليتأكد من خلو المكان، ثم دخل.

"تك.. تك.. تك.."

تردد صدى خطواته داخل الممر الضيق، وما هي إلا ثوانٍ حتى انفتحت أمامه مساحة واسعة غارقة في الظلام. أشعل جومانجي فانوساً صغيراً كان موضوعاً على نتوء صخري، فانفجر الضوء ليكشف عن معالم المكان. نظر جومانجي نحو شخص ممدد على حجرة مسطحة تشبه السرير. كان الشخص يبدو في الرابعة عشرة من عمره، بشعر أسود طويل كالفحم، وملابس سوداء بالكامل يلتف حول بطنه شريط أحمر بلون الدم. كانت عيناه مفتوحتين تشبهان العتمة، سوداوان مظلمتان كالليل كثقب هائل.

رغم وصول جومانجي، لم يحرك ذاك الشخص ساكناً، وكأنه تمثال منحوت من صخر الكهف.

وضع جومانجي الطعام بجانبه وهمس بابتسامة: "ألا زلت لا ترغب في الأكل؟"

لم يأتِ أي رد ولا حتى رمش بعينيه. جلس جومانجي وبدأ يأكل نصف حصته من الطعام، بينما عيناه لا تفارقان ذاك الفتى الغامض. انتهى من أكله وترك النصف الآخر بجانب الشخص الممدد، ثم حمل بقايا طعام الأمس التي لم يُلمس منها شيء، وخرج بهدوء. كان جومانجي يكرر هذا الفعل يوماً بعد يوم، منذ مدة طويلة لا يكاد يذكر بدايتها.

مرت الأيام والسنوات رتيبة وجميلة في آن واحد. جومانجي استمر في روتينه؛ يرعى الأغنام، يزرع البذور، ويزور الكهف بصمت. كبر الأطفال، ودخل جومانجي ومايرومي سن الرابعة عشرة، وفي تلك السنة، وكعادات أهل القرية، تزوجا، وتزوج معهما أصدقاء الطفولة في أجواء من البهجة التي لا تنقطع.

بعد سنة من زواجهما، كانت مجموعة كبيرة من الرجال، ومعهم جومانجي، يحملون نعشاً خشبياً بسيطاً. لكن المثير للدهشة هو أن وجوههم لم تكن تحمل ذرة من حزن أو ألم، بل كانت الابتسامات الصافية تعلو المحيا.

كانوا يشيعون ذاك العجوز الذي حدثهم يوماً عن العالم الخارجي. بالنسبة لهم، هو لم يمت بل أتم رحلته بسلام، عاش سعيداً ورحل لمكان أفضل، دون أن تلوث قلبه كراهية أو بغض.

بعد مراسم الدفن، وبينما هم عائدون، لمحوا صبياً في العاشرة يركض نحوهم بأقصى سرعته، يلوح بيده ويصرخ بفرح: "الأخ جومانجي! الأخ جومانجي! أسرع.. أسرع!"

توقف جومانجي والقلب يدق في صدره: "ماذا هناك؟"

التقط الصبي أنفاسه وقال: "أسرع يا أخي.. الأخت مايرومي تلد الآن!"

لم ينتظر جومانجي سماع المزيد، انطلق يركض بكل قوته نحو منزله، وكله حماس. فبينما كانوا يودعون روحاً قبل قليل، ها هم يستقبلون روحاً جديدة.

وصلت أصوات الفرح والزغاريد إلى مسامعه قبل وصوله للبيت. دخل جومانجي ليجد المنزل ممتلئاً بنساء القرية، والبهجة تفيض من وجوههن وكأن كل واحدة منهن هي الأم.

اقترب جومانجي من زوجته مايرومي، قبل رأسها وسأل بلهفة: "هل أنتِ بخير؟"

أومأت مايرومي بابتسامة متعبة لكنها مشرقة، وأشارت بعينيها إلى سلة من الخيزران بجانبها.

فجأة، ارتفع صوت بكاء حاد: "واااا... واااا..."

اقترب جومانجي ببطء، ليجد المفاجأة التي لم يتوقعها؛ لم يكن هناك صوت واحد، بل صوتان! نظر داخل السلة فإذا بتوأم، فتى وفتاة، يصرخان بقوة يعلنان قدومهما لهذه الحياة.

وقفت والدة جومانجي، وهي امرأة في أواخر الثلاثينيات، ووضعت يدها على كتفه قائلة: "مبارك يا بني.. لقد رزقت بتوأم، فتى وفتاة كالقمر."

لم يتمالك جومانجي نفسه، رفع يدي أمه وقبلهما بحرارة، ثم احتضنها بقوة، والدموع تنهمر من عينيها من شدة الفرح لأجل ابنها.

---

مرت السنوات كسحاب عابر. في هذا الوقت كان جومانجي ذو العشرين عامًا يجلس عند حافة الحقل، يراقب ابنه الصغير وهو يحاول حمل عصا أكبر من جسده.

"أبي! انظر! أنا مثلك!"

كانت العصا أثقل من أن يحتملها، فسقط الصغير على الأرض وضحك بدل أن يبكي.

اقترب جومانجي، جلس أمامه، ووضع يده الكبيرة فوق رأسه الصغير. "ليس بعد… لكنك ستكون أفضل مني عندما تكبر."

رفع الصغير عينيه البريئتين وقال بثقة: "عندما أصير كبيراً سأحمي أمي وأختي!"

أطلق جومانجي ضحكة خفيفة للحظة، "هذا ما أريد منك أن تفعله عندما لا أكون أنا…"

أما ابنته… فكانت أكثر هدوءًا. كانت تجلس قرب النهر، تقلد أمها في غسل الثياب، لكن الماء كان يصل إلى ركبتيها.

اقترب جومانجي وقال ممازحًا: "هل أصبحتِ سيدة البيت؟"

رفعت وجهها الصغير نحوه وقالت: "سأهتم بك عندما تكبر وتصبح عجوزًا."

ضحك… لكنه شعر بشيء يلين. لقد كان شعور الأبوة يغمر قلبه. جلس خلفها وأحاطها بذراعيه، يساعدها في عصر القماش، بينما هي تضحك لأن الماء يتناثر على ثيابها.

---

في إحدى الليالي، بعد أن نام الطفلان، جلس جومانجي خارج المنزل ينظر إلى السماء.

جلست مايرومي بجانبه دون أن تتكلم.

قال بهدوء: "هل تعتقدين أن العالم خارج قريتنا جميل كما قال لنا جدي ذلك اليوم؟"

أجابته دون أن تنظر إليه: "إن كان بعيدًا عنا… فهو ليس أجمل مما لدينا."

نظر إليها…

ابتسم.

"طالما أنكم هنا… لا أريد شيئًا آخر."

وضعت رأسها على كتفه.

لا تحتاج أكثر من هذا.

في صباحٍ باكر، كان الضباب ينساب بين البيوت، وقطرات الندى تتشبث بأطراف العشب كدموع صامتة.

خرج جومانجي ممسكًا بيد ابنه الصغير، بينما كانت مايرومي تحمل الفتاة بين ذراعيها. كان ينظر إليهم وكأنهم أثمن ما امتلكه في هذه الدنيا.

ابتسم وهو يقول: "اليوم سأعلمك كيف تقود القطيع يا بطل."

لكن قبل أن يخطو خطوة أخرى—

"جومانجي…"

كان صوت أمه.

لم يكن نداءً عاديًا.

التفت فورًا.

رأى وجهها… شاحبًا، جامدًا، وكأن الدم انسحب منه فجأة.

قال بسرعة: "ماذا هناك؟"

لم تجبه مباشرة.

فقط همست:

"والدك…"

تجمّد قلبه.

سلّم الطفل لمايرومي، ودخل المنزل مسرعًا.

كان والده ممددًا على الأرض.

يتنفس بصعوبة.

وجهه محمر، وعروقه بارزة بشكل غريب.

ركع جومانجي بجانبه: "أبي؟ ماذا بك؟"

لم يأتِ رد.

اقتربت الأم بيد مرتجفة، ورفعت طرف سروال زوجها.

تجمّد الهواء.

جلد كاحله لم يعد جلدًا.

كان كأنه طبقة شمعية مشدودة، تتخللها ثقوب صغيرة متراصة…

مثل خلايا نحل دقيقة.

ومن داخل تلك الثقوب…

كان يتسرب سائل أسود كثيف.

تراجع جومانجي خطوة دون وعي.

"ما هذا…؟"

ثم رفعت الأم سترته.

صدره…

نفس الشيء.

جلد مشمّع.

ثقوب متلاصقة.

وسائل أسود ينبض ببطء من الداخل…

كأنه حي.

والده فتح عينيه بصعوبة.

نظر إلى جومانجي.

وللمرة الأولى في حياته…

رأى الخوف في عيني أبيه.

انتهى الفصل.

الفصل الاول كان طويلا اسف على ذلك لكن كان علي أن أظهر كيف يعيش البطل وعائلته هذه الأيام أرجو أن تتركوا تعاليقكم فهي محفزة لي

2026/03/05 · 5 مشاهدة · 2319 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026