عاد أوتيس إلى الطابق العلوي بخطوات بطيئة، وكأن ثقلاً غير مرئي يسحب قدميه.
كان صدى كلمات إيريس يرنّ في أذنيه كجرس عتيق يضرب بلا توقف.
حين دخل الغرفة التي تنام فيها جين، ساد الصمت فجأة، وكأن العالم أطبق على أنفاسه. لم تكن هناك سوى أنفاسها المنتظمة، ووجهها المسالم المغمور بنور القمر المتسلل من النافذة.
اقترب منها بهدوء، خلع سترته ووضعها على الكرسي القريب، ثم جلس على حافة السرير يراقبها لثوانٍ طويلة.
لم يكن ينوي البقاء، لكنه لم يستطع المغادرة. جزء منه، ربما الجزء الذي كان يحاول كتمانه، أراد أن يبقى قربها.
استلقى بجانبها على السرير، على مسافة معقولة، يضع يده خلف رأسه، وعينيه تتعلقان بالسقف المظلم.
"ما الذي حدث لي؟"
همس بها في نفسه، يستعيد كلمات إيريس… ملامحها المكسورة، دموعها التي خذلتها، وصوتها المتوسل.
إيريس... حب طفولته، حبه الأول، لم تعد تثير في قلبه سوى الذكريات الباهتة.
حتى عندما اقتربت منه، عندما حاولت تقبيله، لم يشعر بشيء سوى الانزعاج الخفيف.
كانت حب حياته. لطالما كانت. منذ الطفولة، لم يكن له سواها، ولم يكن يتخيل مستقبله بدونها.
لكنه الليلة، لم يشعر بشيء. لا ألم، لا رغبة، لا حنين.
حتى عندما كانت بين يديه، يده على كتفها، عينيها تستجديانه، لم يشعر إلا بالرفض.
"ما الذي تغيّر؟"
تردد سؤالها في ذهنه مرة أخرى.
ثم تذكر سؤالها الآخر، الأكثر إزعاجًا:
"هل تحبها؟ هل أصبحت تحب جين؟"
التفت ببطء نحوها، كانت نائمة، بملامح هادئة، تنعم بسلامٍ لم يشعر به منذ وقت طويل.
راح يتأملها بصمت، يحاول أن يقرأ شيئًا في وجهها يخبره بالحقيقة.
'هل أحبها؟'
فكر، لكنه سرعان ما نفض الفكرة من رأسه.
"لا، هذا مستحيل"، قال لنفسه بصوت خافت. "إنها مجرد... زوجتي. وأم طفلي."
لكن حتى وهو ينكر ذلك، شعر بثقل غريب في صدره.
لم يستطع تفسير سبب اهتمامه الزائد بها، سبب رغبته في حمايتها، سبب سعادته عندما تبتسم له تلك الابتسامة النادرة.
وبينما يغرق في أفكاره، قاطعته حركة خفيفة.
شعر بشيء يتحرك فوق ساقيه.
فتح عينيه، ليفاجأ بأن جين، وهي لا تزال نائمة، قد حرّكت قدميها وألقت بهما فوق قدميه، ثم تمددت أكثر واقتربت منه دون وعي، وذراعاها تلتفان حول صدره بهدوء.
تجمد أوتيس في مكانه، غير متأكد كيف يتصرف ، ينظر إليها بعدم تصديق.
شفتيه ارتجفتا قليلاً، ثم انفلتت منه أبتسامة صغيرة .
"ما هذا بحق الجحيم؟"
تمتم لنفسه، ثم ابتسم، ابتسامة لا تشبه أي شيء اعتاد على إظهاره.
مدّ يده بلطف، وسحب الغطاء ليغطي جسدها جيدًا، ثم حرّك جسده قليلاً ليضمها أكثر إلى حضنه.
شعر بأنفاسها الدافئة تلامس عنقه، ويده ارتفعت بهدوء لتلمس ظهرها بخفة.
رائحة زهرة الياسمين الخفيفة من شعرها ملأت أنفه. أغلق عينيه، مفاجأً بمدى راحته في هذا القرب.
"ما الذي تفعلينه بي؟" همس في شعرها .
"ربما..." همس وهو يغمض عينيه أخيرًا، "فقط هذه الليلة..."
واستسلم للنوم، وهي بين ذراعيه.
***
في صباح اليوم التالي…
استفاقت جين ببطء، عينيها تغمضان وتفتحان عدة مرات قبل أن تستوعب أين هي.
كان هناك شعور غريب بالراحة، مختلف عن كل ليلة سابقة.
جلست بهدوء، نظرت حولها… الغرفة الفخمة، الستائر المخملية، الضوء الذهبي المتسلل من النوافذ… ثم تجمدت فجأة.
نظرت إلى جانبها ببطء، وقلبها ينبض بعنف.
وجه أوتيس… نائم بجانبها. على نفس السرير.
شهقت بصوت خافت، وابتعدت قليلاً بسرعة، كأنها لمست نارًا.
"ماذا يفعل هنا؟!"
تمتمت وهي تحدق في ملامحه الهادئة.
"هل… هل نام هنا طوال الليل؟"
وضعت يدها على قلبها، ثم على رأسها، تحاول أن تتذكر أي شيء من الليلة الماضية.
لكن عقلها كان فارغًا. آخر ما تتذكره هو أنها استلقت على السرير، ثم الظلام.
عينيها اتسعتا برعب، وسألت نفسها هامسة:
"هل… هل حدث شيء؟"
أسرعت بالنظر إلى نفسها، فوجدت أنها لا تزال ترتدي فستانها ، شعرها مبعثر قليلاً، لكنها بكامل ملابسها.
زفرت براحة، ثم ضغطت على صدرها وهي تهمس:
"الحمد لله… لم يحدث شيء."
ثم عاد نظرها إليه.
كان وجهه يبدو… هادئًا. كما لم تره من قبل.
بدا مختلفاً تماماً.
لم تكن هناك تلك العبوسة المعتادة، لا آثار الغضب أو التوتر. فقط وجه هادئ، أشبه بطفل. شعرت برغبة غريبة في لمس خده، رؤية إذا ما كان ناعماً كما يبدو.
اقتربت ببطء، دون وعي منها، وجلست على ركبتيها قربه.
كانت أنفاسه المنتظمة، ملامحه الخالية من التوتر، وحتى شفتيه، كل شيء فيه بدا كمن خرج من حلم بعيد.
مدّت يدها بخفة، ترددَت، ثم لمست خده بأطراف أصابعها، خشية أن توقظه.
"يبدو كملاك وهو نائم..."
همست بابتسامة صغيرة، وكأنها تتحدث لطفل.
ثم، وبحركة عفوية منها، اقتربت أكثر، حدّقت في شفتيه لبعض الوقت، ووضعت سبابتها فوقهما بلطف.
لكن فجأة، سمعته يقول بصوت خشن ناعس، دون أن يفتح عينيه:
"هل أنا وسيم لهذه الدرجة؟"
شهقت جين بكل قوتها، وارتدت للخلف بسرعة، وجهها صار أحمر كالتفاح، وعيناها تجمدتا على عينيه… المفتوحتين!
"أنت… أنت مستيقظ؟!"
"منذ لحظة." قالها بابتسامة خفيفة، وعيناه تتابعان ارتباكها باستمتاع واضح.
حاولت النهوض، لكن قبل أن تبتعد أكثر، أمسك يدها برقة وسحبها نحوه.
"مهلاً، لا تذهبي..."
وبحركة خاطفة، وجدت نفسها تسقط فوق صدره، بينما هو يحيط ذراعيه حولها.
تجمدت، وعيناه تحدقان بها من قريب جدًا.
"فقط استرخي قليلاً، جين…"
همس وهو يضمها بلطف،
"نامي لبعض الوقت، قبل أن نعود للقصر. لا أريدك أن تتعبي."
تلعثمت، لم تستطع النطق، خجلها كان يسيطر عليها بالكامل.
أومأت بصمت، كان بإمكانها أن تقاوم، أن تدفعه بعيداً، لكن شيئاً ما في عينيه جعلها تتجمد في مكانها.
بدلاً من ذلك، أغلقت عينيها واستسلمت لدفء حضنه،دفنت وجهها في صدره.
بينما ذراعه القوية تحيط بها برفق.
كان قلبها يدق بجنون . كانت راضية بشكل غريب بهذا القرب.
***
نزلت جين الدرج برفقة أوتيس بخطى مترددة. لم تكن قد استعادت كامل توازنها بعد، وحرارة كفه التي تمسك بكفها جعلت وجهها يحتقن من جديد.
ورغم أن خطواتها كانت ثابتة، إلا أن قلبها كان يخفق بعنف لم تستطع تفسيره.
أما أوتيس، فكان يسير بجانبها بصمتٍ مهيب، وملامح وجهه خالية من أي توتر. بدا وكأنه في عالم آخر، غير مبالٍ بنظرات الخدم ،
خطواتهم كانت متزامنة على السجادة الحمراء الفاخرة التي تؤدي إلى طاولة الطعام.
إيريس كانت جالسة بالفعل عند رأس الطاولة، ترتدي فستاناً أخضر فاتحاً يبرز عينيها البنيتين. عندما رفعت رأسها ورأت يديهما المتشابكتين، تجمدت شفتاها المبتسمتان للحظة، ثم عادت ابتسامتها المزيفة بأسرع ما يمكن.
"صباح الخير!" قالت بنبرة عالية أكثر من اللازم، "هل نمتما جيداً الليلة؟"
جين أومأت برأسها، "نعم، شكراً لكِ على استضافتنا." صوتها كان هادئاً لكنه واضح.
"العفو دائماً، عزيزتي." ردت إيريس بينما عيناها تنتقلان بينهما بسرعة، تحاول قراءة ما حدث بينهما.
جلست جين بجانب أوتيس، الذي بدأ فوراً بإعادة ترتيب الأطباق أمامها.
أزال طبق الجبنة ذات الرائحة القوية ووضع بدلاً منه طبق الفواكه الطازجة.
ثم ملأ كوبها بعصير البرتقال الطازج قبل أن تطلب ذلك.
إيريس كانت تشاهد كل هذه الحركات بعينين تتسعان أكثر فأكثر.
أصابعها تضغط على شوكتها بقوة حتى أن مفاصلها ابيضت.
"أوتيس..." قالت فجأة بصوت حلو، "أريد أن أعتذر عن... ما حدث بيننا البارحة."
جين رفعت حاجبيها، لكنها استمرت في تناول فطورها بهدوء، وكأنها لا تهتم.
لكن عيناها كانتا تتابعان الموقف من تحت الرموش.
أوتيس نظر إلى إيريس بعينين لا تعكسان أي مشاعر. "لا داعي للاعتذار. لم يكن هناك شيء."
إيريس ضغطت شفتيها معاً، ثم قالت بجرأة: "لكن قبلة الجبين تلك... كانت تعني الكثير لي."
جين كادت تختنق بقطعة الفاكهة التي كانت تمضغها، لكنها استمرت في التظاهر بعدم الاهتمام، عيناها مثبتتان على طبقها.
تنهد ببطء، ثم قال: "لا بأس، إيريس. كانت مجرد قبلة على الجبين... من أخ لأخته."
توقفت جين للحظة، شوكة الطعام عالقة بين أصابعها. لم تنظر نحوه، ولم تُعلّق، لكن قلبها ارتجف.
'أخ لأخته؟'
رددت الكلمة في عقلها، وشعرت بطعنة خفيفة لا تعرف سببها. لكن وجهها ظل هادئًا، كأن شيئًا لم يحدث.
إيريس من جانبها فتحت فمها بدهشة، بدت غير مصدقة لكلامه. أوتيس لم يترك لها فرصة للرد، إذ قال بنبرة حاسمة:
"على كل حال، علينا العودة للقصر اليوم."
رفعت إيريس حاجبيها بدهشة: "تغادران بهذه السرعة؟"
أجاب دون تردد: "جين بحاجة إلى الراحة. هي حامل، ولا أريد إرهاقها أكثر."
كأن صاعقة ضربت إيريس في مكانها.
"ح...حامل؟" صوتها ارتفع بنبرة غير متوقعة، عيناها تنتقلان بينهما بذهول.
جين نظرت إلى أوتيس بعينين واسعتين من الصدمة.
لم تكن تتوقع أنه سيخبر إيريس بهذا. لكنها سرعان ما استعادت هدوئها، وأومأت بتأكيد.
"نعم، حامل." قال أوتيس ببساطة، ثم نهض من مكانه. "إذا هل انهيت طعامك ?" مد يده نحو جين.
جين نظرت إلى يده الممدودة، ثم وضعت يدها الصغيرة فيها. "نعم، لقد انتهيت."
"لنذهب." قال وهو يشدّ على يدها بخفة.
مرّا بجانب إيريس الصامتة، التي كانت لا تزال تحمل الصدمة في عينيها، وعبرا باب القاعة بهدوء.
خلفهما، بقيت إيريس واقفة، تنظر نحو الأبواب المغلقة بدهشة ومرارة.
في الممر، كانت جين تسير خلف أوتيس، عيناها مثبتتان على ظهره العريض، تتساءل في داخلها: "ما الذي يفعله؟"
"لماذا أخبرها؟"
"لا بد أن كل ما يفعله… من أجل طفله فقط."
ركبوا العربة في صمت. جين جلست في زاويتها، تنظر من النافذة الصغيرة، بينما أوتيس كان جالساً في الزاوية المقابلة، عيناه مغلقتان، يداه متشابكتان على حضنه.
بعد دقائق من الصمت الثقيل، شعر أوتيس بنظراتها الثاقبة. فتح عينيه ببطء وسأل دون أن ينظر إليها: "ماذا؟"
جين لم تتوقع السؤال، فتلعثمت قليلاً: "لماذا... لماذا أخبرتها عن الحمل؟"
أدار رأسه نحوها، عيناه الرماديتان تلتقيان بعينيها الزرقاوتين. "لأنها الحقيقة. أم أنكِ تفضلينِ أن أكذب؟"
"لا، لكن..." توقفت، ثم هزت رأسها. "لا يهم."
أوتيس تنهد، ثم قال وهو يغلق عينيه مجدداً: "استريحي قليلاً قبل أن نصل. الطريق طويل."
جين أطاعت دون اعتراض، لكن عقلها كان يعج بالأسئلة التي لم تجرؤ على طرحها. هل كل هذا الاهتمام من أجل الطفل فقط؟ أم أن هناك شيء آخر؟ .