مرت الأيام التالية ببطء ثقيل على جين.
كانت تحاول أن تملأ وقتها بالأعمال البسيطة: الاعتناء بالحديقة الصغيرة خلف الكوخ، تنظيف المنزل، مساعده الخادمة مارغو أحيانًا، لكن مهما فعلت، لم تستطع أن تطرد من رأسها حضور أوتيس الذي أصبح جزءًا يوميًا من حياتها.
كان يظهر في الطرقات أحيانًا، وكأنه مصادفة.
مرة يحمل سلة من الفواكه الطازجة، ومرة يتوقف ليحادث مارغو عن الطقس أو عن حصاد الخريف القادم.
وفي كل مرة، كانت جين تشعر بذلك الانقباض في صدرها، ذلك الغضب الصامت الذي لا تستطيع التخلص منه.
"إنه لا يعرف متى يستسلم، أليس كذلك؟" تمتمت لنفسها ذات مساء وهي تكنس أمام الباب.
نظرت إلى الأفق، حيث بدأت الشمس تغرق ببطء خلف الأشجار، محمرة السماء بلونٍ دافئ حزين.
في تلك الليلة، جاءت مارتا تدعوها للعشاء.
قالت مارتا بابتسامة، "سيأتي السيد أوتيس. لا يمكنكِ أن تتركي العجوز وحيدة في مثل هذا المساء الجميل، أليس كذلك يا يورا؟"
جين ترددت، تمنت لو ترفض، لكنها لم تملك قلبًا لتخيب أمل المرأة الطيبة التي احتضنتها كابنة.
أومأت بالموافقة، رغم أنها كانت تشعر بأن هذا العشاء سيكون كلّه توترًا مكثفًا.
كانت المائدة بسيطة لكنها دافئة: خبز طازج، حساء ساخن، طبق دجاج مشوي تفوح منه رائحة طيبة.
جلست جين إلى يمين مارتا، بينما جلس أوتيس قبالتها تمامًا.
لم يتحدث كثيرًا، كان فقط ينظر إليها أحيانًا بنظرات هادئة، مُتفحصة، كأنه يحاول قراءة مشاعرها بين السطور الصامتة.
لينا ابنة مارتا ، لاحظت التوتر الخفي.
ابتسمت بخبث خفيف وهي تراقب تبادل النظرات الخفية بين جين وأوتيس.
بعد العشاء، عندما تفرّق الجميع قليلًا، جلست جين مع لينا قرب الموقد.
كانت مارتا تجمع الصحون، وكارل يتحدث مع أوتيس في الجانب الآخر من الغرفة عن قوارب الصيد.
لينا اقتربت وهمست لجين بابتسامة خبيثة
"أتعلمين، يورا؟ السيد أوتيس لا يستطيع أن يُبعد عينيه عنك."
تجمدت جين، قلبها قفز في صدرها.
"ماذا... ماذا تقولين؟!" همست بارتباك، خدودها تحمرّ قليلًا.
ضحكت لينا بلطف.
"لا تتظاهري بالجهل. أعرف نظرات الرجال جيدًا. رأيته كيف ينظر إليكِ، وكيف يلين صوته حين يكلمكِ."
هزّت جين رأسها بعنف، تحاول إنكار الأمر بشدة.
"أنتِ تتخيلين! لا يوجد شيء من هذا القبيل."
لكن لينا، بابتسامة الواثق، همست بثقة
"صدقيني، انا امرأة تعرف متى يُعجب الرجل. وهو... معجب بكِ جدًا."
تجنبت جين نظراتها، شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها، وسرّعت خطواتها للابتعاد، تتحجج بمساعدة مارتا.
لكن تلك الكلمات ظلت تدور في عقلها كالدوامة.
"معجب بكِ جدًا."
في الأيام التالية، بدا وكأن أوتيس قد تبنّى عادة جديدة ,زيارة الكوخ الصغير كل صباح تقريبًا.
يحضر تحت ذريعة الاطمئنان على صحة مارغو... أو جلب بعض الفاكهة الطازجة... أو سؤاله العفوي عن أي شيء تافه.
كان يتحدث بلطف مع مارغو، وأحيانًا، يوجه سؤالاً بسيطًا لجين، بصوت خافت يكاد لا يُسمع.
"هل تحتاجين أي شيء من السوق، يورا؟"
"هل بردت الليلة الماضية؟ أتأكد فقط أن النوافذ مغلقة بإحكام."
وجين؟ كانت ترد بعبارات قصيرة، مقتضبة، كأنها تضع جدارًا سميكًا بينها وبينه.
لكن رغم ذلك، كانت تشعر بقلبها يخونها أحيانًا، ينبض أسرع حين يبتسم لها تلك الابتسامة الصغيرة التي كانت تعرفها جيدًا.
ذات مساء، وبينما كانت تسقي نباتات الحديقة، سمعت وقع خطوات خلفها.
"هل تحتاجين لمساعدة؟" جاء صوته، منخفضًا دافئًا.
استدارت ببطء، لتجده يقف هناك، يحمل دلوا من الماء وكأنه مستعد للانضمام إليها.
"لا." أجابت بجفاء، وأكملت سقاية النباتات دون أن تلتفت إليه مجددًا.
لكنه لم يغادر.
جلس ببساطة على الدرج الخشبي، يراقبها في صمت.
بعد فترة، قال، بصوتٍ شبه هامس:
"الزهور هنا أجمل مما توقعت."
لم ترد.
تنهّد، كما لو كان يعرف أنها لن تجيبه.
"تمامًا مثلكِ." أضاف بهدوء.
توقفت يدها للحظة، لكن لم تلتفت، أكملت سقاية الورود وكأنها لم تسمع شيئًا.
رغم أن قلبها كان قد بدأ ينبض بعنف في صدرها.
كانت تلك الليالي باردة في الجزيرة.
وكانت جين تجد صعوبة في النوم.
كلما أغمضت عينيها، عادت كلمات لينا، وصورة أوتيس وهو يجلس ببساطة قرب الحديقة، ينظر إليها بذلك الحنان .
"لا تتعلقي، لا تثقي مجددًا." كانت تكرر لنفسها كتعويذة.
لكنه كان هناك، حاضرًا... يُضعف أسوارها يومًا بعد يوم.
في صباح اليوم التالي، كانت جين ترتب سلة صغيرة لتذهب إلى السوق.
كان يوم السوق الأسبوعي في القرية الصغيرة مناسبة نادرة للخروج من حدود المزرعة ورؤية الوجوه المختلفة.
مارغو كانت قد أعطتها قائمة بسيطة: بعض الطحين، قطع من الجبن، وقماش لخياطة مناديل جديدة.
سارت جين بخطوات ثابتة على الطريق الحجري المؤدي إلى الميناء الصغير، تنظر أمامها، تتنفس نسيم البحر المشبع بالملح.
لكن لم يمر وقت طويل حتى سمعت وقع خطوات مألوفة تقترب خلفها.
"هل تمانعين أن أرافقكِ؟" سأل أوتيس، صوته منخفض، وكأنه يتوقع الرفض مسبقًا.
توقفت جين لحظة، نظرت إليه من طرف عينها.
كان يبدو مرتاحًا بطريقة مريبة، يديه في جيبيه، ملامحه أكثر استرخاء من المعتاد.
"افعل كما تشاء." قالت ببرود ومشت من جديد.
سار قربها، محافظًا على مسافة محترمة، دون أن يحاول فرض الحديث.
لسببٍ ما، كان صمته مريحًا أكثر من كلام أي شخص آخر.
في السوق، كان كل شيء يعجّ بالحياة:
باعة ينادون على بضائعهم، أطفال يركضون وهم يضحكون، نساء يتجادلن حول الأسعار.
وقفت جين أمام بائع القماش، تتلمس الأقمشة الخفيفة بأناملها.
راقبها أوتيس بصمت من بعيد، عينيه تتبعان حركاتها الدقيقة بإعجاب لم يحاول إخفاءه.
"هذا اللون يناسبك." قال فجأة، مشيرًا إلى قطعة قماش خفيفة بلون الأزرق السماوي.
رفعت جين نظرها إليه، متفاجئة قليلاً، لكنها لم تجب.
"عيناكِ..." تمتم، ثم ابتسم، كأنما أدرك متأخرا أن تعليقاته تزعجها.
"آسف. لم أقصد إزعاجك."
هزت رأسها بإيماءة صغيرة، واشترت القماش دون أن تضيف شيئًا.
لكنه ظل يتبعها، بخطوات هادئة، كما لو كان يرفض تركها وحدها.
بعد أن انتهت من التسوق، جلسا على مقعد حجري قرب المرفأ.
كانت جين ترتب مشترياتها بصمت، بينما نظر أوتيس إلى البحر، إلى الأفق البعيد حيث تتكسر الأمواج.
"حين كنت صغيرًا..." قال فجأة، نبرة صوته تحمل شيئًا من الذكريات، "كنت أحلم بالإبحار بعيدًا. كنت أظن أنني إذا ابتعدت كفاية، سأصبح شخصًا آخر."
نظرت إليه جين بحذر. لم تكن معتادة على سماع أي شيء شخصي منه.
"وهل ابتعدت؟" سألت بهدوء، دون أن تدري لماذا سمحت لنفسها بطرح السؤال.
ابتسم ابتسامة مريرة.
"ابتعدت كثيرًا... لكن الشخص الذي أردت تغييره ظل عالقًا داخلي."
سكت كلاهما.
كان هناك شيء عميق في كلماته، شيء لم تستطع تجاهله.
جاءت نسمة باردة من البحر، فارتجفت جين قليلاً دون قصد.
لاحظ أوتيس ذلك، وبحركة بطيئة شبه خجولة، خلع معطفه ووضعه برفق على كتفيها.
تصلبت جين، حدقت فيه بدهشة.
"لا أحتاجه." تمتمت.
"أعلم." قال ببساطة، "ولكن... اسمحي لي هذه المرة."
كانت نظرته صادقة، دافئة، بطريقة جعلتها لا تملك أن ترفض.
تركت المعطف فوقها، وجعلت عينيها تتعلقان بالأمواج الهائجة كي لا تضطر للنظر إليه.
في طريق العودة، لم يتحدثا كثيرًا.
كان الصمت بينهما ممتلئًا بأشياء كثيرة غير منطوقة.
في لحظة معينة، تعثرت قدم جين بحجر صغير.
مد أوتيس يده بسرعة، وأمسك بذراعها، ثابتًا كالصخر.
تجمدت جين للحظة، تحدق في يده القابضة عليها.
أدرك ذلك بسرعة، وأطلق سراحها بهدوء.
"آسف." قال.
هزت رأسها، تظاهرت أن شيئًا لم يحدث، لكن قلبها ظل ينبض بعنف بقية الطريق.
عندما عادت إلى الكوخ، كانت مارغو تنتظرها بابتسامة دافئة، تراقب تبادل النظرات بين الاثنين بدهشة لطيفة.
"استمتعتِ بالخروج، يورا؟" سألتها مارغو، وهي تلمح كيف أن أوتيس ظل واقفًا على العتبة ينتظر كلمة وداع.
أومأت جين بصمت، قبل أن تدخل وتعيد له معطفه تاركة اياه واقفًا هناك للحظة، ينظر إلى الباب المغلق بتنهيدة خافتة.
في تلك الليلة، بينما كانت جين ترتب القماش الجديد فوق السرير، وجدت وردة صغيرة زرقاء مطوية بعناية بين القطع.
تجمدت يدها.
لم تكن قد اشترت وردة.
ورقة صغيرة كانت مثبتة تحتها.
كتبت عليها ببساطة:
"بعض الأشياء الجميلة تظهر فجأة... دون أن نطلبها."
لم يكن هناك اسم، لكنها عرفت فورًا من أرسلها.
نظرت إلى الوردة بين أصابعها، قلبها ينقبض بانفعال غريب، مزيج من الخوف... والحنين.
لكنها سرعان ما شدت على نفسها.
وضعت الوردة في درج صغير، وأغلقت عليه جيدًا.
"لا." همست لنفسها بإصرار.
"لا مجال للمزيد من الضعف."
مرت الساعات بطيئة فوق رأس جين، مشاعرها مضطربة بين الصمت العميق ونبضات قلبها الخائفة.
***
ذات صباح، بعد أن أنهت بعض الأعمال مع لينا، سمعت من مارغو عن وجود أعشاب مهدئة قريبة من الغابة، فقررت الذهاب وحدها للبحث عنها، هربًا من زحام أفكارها.
"لا تتاخري كثيرًا' وانتبهي جيدا لنفسك " أخبرتها مارغو وهي تراقبها تبتعد حاملة سلة صغيرة.
لكن الوقت مضى... ومضى أكثر.
والشمس مالت نحو المغيب... ولا أثر لجين.
كانت مارغو قد بدأت تشعر بالقلق، تنتقل بين باب البيت والحديقة ، تبحث بعينيها كل حين عن خيال جين العائد.
حين اقترب المساء أكثر، واشتدت برودة الجو، قررت مارغو أخيرًا أن تخرج للبحث عنها بنفسها.
كانت تخطو على عجل على الطريق الموصل إلى حافة الغابة، حين صادفت أوتيس قادمًا من الميناء بعد إنهاء بعض الأعمال مع كارل.
رمقها أوتيس بنظرة متفحصة، جبهته تعقدت لرؤيتها مضطربة وحيدة.
اقترب منها، يسأل بنبرة حادة خفيفة:
"مارغو؟ ماذا تفعلين هنا بمفردك؟"
ترددت لحظة، ثم قالت بقلق ظاهر:
"أنا... كنت أبحث عن يورا... خرجت هذا الصباح للغابة تبحث عن أعشاب طبية... ولم تعد حتى الآن."
للحظة، تجمد الهواء حول أوتيس.
شحب وجهه، وتجمدت أصابعه المرتخية على زمام حصانه.
"ماذا قلتِ؟" همس، كأن الكلمات لم تدخل عقله بعد.
"لقد مضى وقت طويل جداً... ولم تعُد." أضافت مارغو بصوت مرتجف.
رمش أوتيس بقوة، ثم ضغط على فكه بعنف، يسيطر على الرعب الذي بدأ يتسلل إلى جسده.
دون أن يقول كلمة أخرى، التفت إلى مارغو قائلاً بأمر صارم:
"عودي فورًا للكوخ. سأجدها."
ثم ركب الحصان ،وانطلق كالعاصفة نحو الغابة.
السماء كانت قد بدأت تتشح باللون الأرجواني الغامق، والرياح تهب محملة برائحة الأرض المبللة.
بحث أوتيس بعينين مذعورتين، ينادي باسمها بين الأشجار، يتحسس الأرض بعينيه بحثًا عن أي أثر.
أخيرًا، على حافة منحدر منخفض قريب من النهر، لمح شيئًا غير طبيعي
سلة صغيرة ملقاة بين الأعشاب...
وبجانبها، آثار انزلاق على الحافة الطينية.
اندفع نحوها بلا تردد.
أسفل المنحدر، وجدها.
جين، مستلقية فوق الأعشاب المبتلة، ذراعها ملتوية بزاوية غريبة، وقطرات دم صغيرة تتسرب من جرح واضح في جبينها ،وارجلها .
"جين!!" صرخ أوتيس، صوتُه تمزقه الخوف.
انحنى فوقها، يتحسس نبضها المرتجف، قلبه يكاد يتحطم من الرعب.
حين تأكد أنها لا تزال تتنفس، وإن كانت أنفاسها ضعيفة، كاد ينهار.
"يا إلهي..." تمتم، صوته مبحوح.
رفعها برفق شديد، يحتضنها كما لو كانت هشة للغاية، وكأن لمسة واحدة قد تفنيها.
ضغطها إلى صدره وهو يهمس قرب أذنها:
"تمسكي ... أرجوكِ جين... لا تتركيني..."
عاد بها إلى الكوخ بأقصى سرعة ممكنة.
كانت جين فاقدة الوعي، رأسها يستند إلى كتفه، وبرودة جسدها تتسلل إلى جلده وتلسعه كالخناجر.
حين وصل، هرعت مارغو نحوهما فزعة.
صرخ أوتيس بأوامر سريعة
"أحضري الطبيب فورًا!"
ثم حمل جين إلى الداخل، لم يترك يدها من يده، ولم يبعد عينيه عن وجهها لحظة واحدة.
عند وصول الطبيب، فحصها بعناية لمدة طويلة ، ثم أخبرهم
"ذراعها مكسورة. هناك جرح بسيط في رأسها لكنه ليس خطيرًا. لاكن الجنين حالته غير مستقرة وخطيرة إنها بحاجة للراحة والمراقبة... الأيام القادمة ستكون حرجة."
كان أوتيس جاثيًا بجوار السرير، لا يحرك ساكنًا.
ينظر إلى جين وكأن العالم كله قد انكمش داخل هذا السرير الصغير.
"لا بأس عليكِ... أنا هنا..." همس، إصبعه يمر برقة مرتجفة على شعرها المبعثر.
للمرة الأولى منذ زمن طويل، سمح لمشاعره أن تظهر.
خوفه، ضعفه، عشقه الذي كاد يُقتله.
وجعل قلبه يقسم بهمس لا يسمعه سواه
'هذه المرأة... لن أتركها مرة أخرى.'