الفصل 27: شتلةٌ في مهبّ القدر

​"يبدو أن لديها مخططاتٍ خاصة، لذا أراقبُ نموّها بشغفٍ واهتمام."

​قالتها "تريشا"، وانعقدت أسارير وجهها عن ابتسامةٍ نادرة وصلت حتى ظلال عينيها. لم تكن تريشا امرأةً يسهل استنباط مشاعرها؛ فقد عُرف عنها الجمود والحدة، لكنها اليوم، ولأول مرة في ذاكرة المحيطين بها، كانت تبدو مستمتعةً بصدق، وكأنها عثرت على لعبةٍ ثمينة.

​"يبدو أن الآنسة هارييت قد نالت حظوةً في قلبكِ."

بمجرد أن نطق الدوق "سيدريك" بهذه الكلمات، انحسرت ابتسامة تريشا سريعاً، وحلّ مكانها تعبيرٌ أرستقراطي متأنق، وكأن كبرياءها قد جُرح لضبطها في لحظة ابتهاج عفوية.

​"ليس بعد.. فهي لا تزال غرسةً لم يكتمل نموّها، فقد انتُزعت من كنف والديها في سنٍ مبكرة، وحُرمت من التعليم الذي يليق بمقامها منذ ذلك الحين."

"أهذا ما حدث حقاً؟"

"لا تتظاهر بالجهل يا دوق؛ فمن الغريب أن يوجد في هذا الوسط من لم تطرق مسامعُه قصتُها. أنا شخصياً، لم تكن الشائعاتُ التي تلاحقها بخافيةٍ عني."

​لامست تريشا بأطراف أصابعها وريقات زهرة "هيدرانجيا" ذات لونٍ منعش، وأكملت بصوتٍ هادئ:

"لكنني لا أقتاتُ على الشائعات. كما تعلم، الشائعات ككرة الثلج، تتضخم لتصير مثيرة، تُشوه في المنتصف أو تُبنى على باطل. لذا، قررتُ أن أسقي هذه الشتلة التي أوشكت على الذبول؛ سأمدّها بالسماد في أوانه، وأعرضها لدفء الشمس.. فمن يدري؟ لعلها تُزهر يوماً بجمالِ هذه الزهرة."

​"وماذا لو ذبلت وسقطت أوراقها رغم كل هذا العناء؟ ألن تذهب جهودكِ سدى؟"

رفعت تريشا بصرها نحو سيدريك، وعيناها تلمعان بتحدٍ وهي لا تزال تعبث بتويجات الزهرة:

"أنت لم يسبق لك الاعتناء بحديقة، أليس كذلك؟"

"في الواقع..."

"البستاني الحقيقي لا يشعر بالحسرة أو الغضب إذا ذبلت شجرةٌ سقاها بجدّ، بل يلومُ مهاراته، ويراجع تقصيره، ولا يلقي باللوم أبداً على الشجرة."

​كانت رسالتها مبطنة وحادة؛ فذبول الشجرة يعني تقصير السجان (البستاني).

'من أوصل هارييت لهذه الحال هو "جون" بلا شك، رغم تظاهره الممجوج بالحرص على ابنته.'

​تذكرت تريشا نظرة هارييت وهي تلتفت إليها أثناء قياس الفساتين، بابتسامةٍ كان الحزنُ يختبئ خلفها كظلالٍ لا تموت: "هذه أول مرة أشتري فيها ثياباً تروق لي منذ رحيل أمي".

لكن هارييت لم تكن مجرد شتلة ضعيفة؛ لقد اختارت أن تشقّ طريقها فوق أنقاض أحزانها.

​"في الحقيقة، أنا لم يسبق لي أن استثمرتُ في مشروعٍ وفشل. هارييت ستغدو امرأةً يُشار إليها بالبنان، فأنا أملك بصيرةً لا تخيب في معادن البشر."

رفعت تريشا ذقنها بزهوٍ وثقة، ووجد سيدريك نفسه ينجذب لهذا الاعتزاز، حتى تمنى لو يطول الحديث معها.

​[في الجانب المظلم: قصر "ليسترويل"]

​في أواخر شهر حزيو حزيران (يونيو)، عاد اسم "هارييت" ليتردد في أروقة القصر الذي طردها، وذلك حين وصل طردٌ بريدي يحمل رسالةً غير متوقعة من مدير بنك "آسيتي" في منطقة "فريلاس".

​"مدير بنك؟ لهارييت؟"

عقد "جون" حاجبيه بفضول وهو يمزق غلاف الرسالة، ليجد بين يديه صدمةً ألجمت لسانه:

​«الآنسة هارييت ليسترويل الموقرة.. العقارات والقصر التي أودعها والدكِ الراحل كرهنٍ للبنك ستعود ملكيتها في الخامس والعشرين من يونيو. وبما أنكِ المالكة القانونية، يتعين حضوركِ شخصياً للتوقيع على مستندات الاسترداد...»

​اتسعت عينا جون بذهولٍ جنوني: "ماذا؟! 165 هكتاراً من الأراضي في فريلاس؟! وقصرٌ شامخ أيضاً؟!"

كانت ثروةً مدفونة لم يسمع بها قط، والأنكى من ذلك أنها مُسجلة باسم اليتيمة التي نبذها!

​كشفت المستندات الملحقة أن الأب الراحل "آرثر" قد أقرض "توماس بيلبورن" (المقامر الشهير) مبلغاً ضخماً مقابل رهن أراضيه. وبما أن آرثر فارق الحياة بعد ثلاثة أيام فقط من عودته من تلك الرحلة، دُفن السر معه.. حتى الآن.

​'تلك الأرض خصبة كالذهب! لو وُضعت تحت يدي، سأغسل بها خسائر تجارتي الغارقة!'

لمعت عينا جون بمكرٍ أسود: 'هارييت لا تعلم عن هذا الكنز شيئاً، سأقوم بنقل الملكية لاسمي وأزوّر توقيعها، ولن يشعر أحد!'

​خطّ جون بيده وثيقةً تنص على تنازل هارييت عن إرثها لصالح عمها "جون" بصفته عميد العائلة الجديد. ثم استدعى ابنته "بيلا" لتكون شريكته في الجريمة.

​"بيلا، وقعي اسم 'هارييت' هنا، لا أريد لخط يدي أن يفضحنا."

"حسناً يا أبي، ولكن ثمن هذا التوقيع هو تلك الأقراط الماسية التي حدثتك عنها!"

أجابت بيلا بوقاحة، وهي تخطّ اسم هارييت باشمئزاز، لكن بريق الأقراط كان أغلى عندها من أي شرف.

​قهقه جون بانتصار، وهو يتخيل الأرض التي تساوى 30 مليون ديرام وقد أصبحت في قبضته.. ولم يدرِ أن رياح القدر تهبُّ عكس ما تشتهي سفنه، وأن الصدمة التي ستزلزل أحلامه باتت على بُعد خطوةٍ واحدة!

2026/04/03 · 45 مشاهدة · 663 كلمة
Hfxbj Hfbmh
نادي الروايات - 2026