الفصل 72

هارييت:

«كنتُ أنوي فقط ترك الهدية والمغادرة، فكيف انتهى بي الأمر هكذا؟ وما الشأن العظيم في زجاجة شمبانيا واحدة على أي حال؟»

جلست هارييت في صالون استقبال قصر كايلاس وهي تشعر بعدم الارتياح. كان رئيس الخدم الذي رافقها إلى هنا لا يزال دمث الأخلاق للغاية، لكنها شعرت —ربما بدافع الظنون— أن نظراته تحمل بريقاً غامضاً ومريباً.

«أفهم أنهم لا يستقبلون أي شيء بسبب محاولات الاغتيال، لكن ما الفائدة التي ستعود عليّ لو قتلتُ مستثمري الوحيد؟»

لكن الحراس لم يتزحزحوا قيد أنملة أمام تبريراتها.

"ربما أغواكِ رجال 'فيرما' بوعود أكبر، فأحضرتِ معكِ سماً ناقعاً."

ورغم تلك الشكوك، استمرت في الإصرار على تسليم الهدية؛ ليس شجاعةً منها، بل لأنها شعرت بالحرج من استرداد ثمن زجاجة باهظة اشترتها بكل تلك الغطرسة، ولم تملك الجرأة لفتحها وشربها وحدها لإخفاء أثرها. وبينما كانت هارييت تتنهد وهي تنظر إلى الصندوق الموضوع بجانبها، فُتح باب الصالون ودخل سيدريك. نهضت من مكانها بملامح يكسوها التردد.

"أعتذر عن إزعاج شخص مشغول مثلك. كنتُ أنوي حقاً تسليم هذا والمغادرة فوراً..."

بسبب ذكرياتها المريرة مع الاتهامات التي كانت تلاحقها بأنها تحاول إغواء الرجال عند كل فرصة، خرجت منها الأعذار حتى قبل أن تلقي التحية. انحنت زوايا عيني سيدريك وهو ينظر إليها ببرود ممزوج بلمحة من التسلية.

"لعل بركة 'ياوار' ترافق الآنسة هارييت في العام الجديد أيضاً."

"آه! وبـ.. وبركته تحل على الدوق أيضاً."

اشتعلت وجنتا هارييت خجلاً حين أدركت أنها نسيت أصول اللياقة، لكن سيدريك جلس بهدوء وكأنه لم يلحظ ارتباكها.

"لقد أخبرتكِ من قبل، أنتِ تمتلكين موهبة في إثارتي دهشتي. لم أصدق أذنيّ حين سمعتُ أنكِ جئتِ تحملين 'هدية' لي."

"ها.. هاها، إنه أمر مفاجئ قليلاً، أليس كذلك؟ هي حقاً لا شيء..."

أرادت هارييت تسليم الهدية والهروب بسرعة، فمدت الصندوق نحو سيدريك.

"إنها شمبانيا. لا أعلم إن كانت ستناسب ذوقك."

بينما همّ سيدريك بأخذ الصندوق، اقترب رئيس الخدم وهمس بصوت منخفض:

"بما أنه مشروب، فيجب أن يخضع للفحص الدقيق أولاً، يا صاحب السعادة."

لم يكن صوته عالياً، لكنه لم يكن خفيضاً لدرجة ألا تسمعه هارييت. وضعت هارييت الصندوق أمام سيدريك بسرعة.

"افعلوا ما يحلو لكم. لقد كنتُ أشتري لنفسي زجاجة وقررتُ شراء واحدة أخرى للتعبير عن امتناني لمستثمري الوحيد، هذا كل ما في الأمر. وبما أنني سلمتها بيدي الآن، فقد أديتُ مهمتي."

تمنت لو كان بإمكانها فعل ذلك عند البوابة والمغادرة. لكن الحراس المتصلبين أصروا على أن الهدية غير المسجلة مسبقاً لا يمكن قبولها، وطالبوها بأخذها والعودة. وكان ذلك الجدال الطويل هو السبب في ترتيب هذا اللقاء غير الضروري. وبينما كانت هارييت تهمّ برفع جسدها عن المقعد للمغادرة، بدا أن سيدريك لا ينوي النهوض أبداً.

"لماذا شمبانيا فجأة؟"

"آه، لقد استلمتُ تقرير التسوية من المحاسب أمس وكانت النتائج أفضل مما توقعت. لذا ذهبتُ لشراء زجاجة للاحتفال و... بالمناسبة، كان يجدر بي إحضار التقرير معي."

تمنت هارييت لو تصفع جبينها. كان عليها إبلاغه بتفاصيل الأرباح ومناقشة مستقبل علامة "كلاريسا" على أي حال، ولو كانت قد طلبت موعداً رسمياً لما حدثت كل هذه الجلبة. أغمضت عينيها وهي تتمنى لو كان كل هذا حلماً، لكن سيدريك ضحك بخفوت ورفع الصندوق.

"شمبانيا من أجل 'هذا القدر' فقط؟"

"تقول 'هذا القدر'؟ هل تعرف كم بلغت الأرباح؟"

"حوالي 370 ألف ديرام كصافي أرباح للأشهر الثلاثة الأولى بعد الافتتاح."

كادت هارييت أن تسأل كيف عرف، لكنها تراجعت. من البديهي أن يعرف، فالمحاسب هو من طرفه. زمّت شفتيها وردت بوجه يتصنع البجاحة:

"بالنسبة لي، هذا مدعاة للسرور العظيم، وأنا أرى أن المرء يجب أن يحتفل بكل لحظة سعيدة في حياته."

تغيرت تعابير سيدريك قليلاً، ثم أومأ برأسه وبدأ بفتح تغليف الصندوق. نظرت هارييت إلى رئيس الخدم بحيرة، متسائلة إن كان مسموحاً لها بالانصراف، لكن رئيس الخدم نفسه كان يبدو مرتبكاً وهو يراقب ما يفعله سيده. أخرج سيدريك الزجاجة وتفحصها ثم سأل:

"<فان ريبل> عام 1866. هل هناك سبب خاص لاختياركِ لهذه الزجاجة تحديداً؟"

"... لا شيء، أخبرني صاحب المتجر أنها الأغلى ثمناً فاشتريتها."

توقعت أن يسخر منها، لكنه مرر طرف إبهامه على الملصق ببطء ثم وجه أمره لرئيس الخدم:

"كأسان، من فضلك."

"سيدي! ولكن الفحص أولاً...!"

"وهل هناك فحص أمن من الشرب مع الشخص الذي أحضرها؟"

"ماذا؟ أنا أيضاً؟"

سألت هارييت بذهول، فضيق سيدريك عينيه قليلاً وقال:

"لماذا، هل وضعتِ سماً فيها حقاً؟"

"بالطبع لا!"

"إذاً، لا يوجد سبب يمنعنا من شربها معاً."

في النهاية، خرج رئيس الخدم لإحضار الكؤوس، وبقيت هارييت في مكانها بوجة مرتبك. زاد توترها حين رأت سيدريك يراقبها بابتسامة خفيفة وكأنه يستمتع بالموقف، فلم تحتمل الصمت:

"لماذا تنظر إليّ هكذا؟"

"أشعر بنوع من.. التأثر."

"بماذا؟"

"كنتُ أظن أنكِ تكرهينني، لكنني تأثرتُ لأنكِ فكرتِ بي في لحظة احتفالكِ."

"هذا بديهي، أليس كذلك؟ لولا الدوق لما حققتُ هذا النجاح."

ابتسم سيدريك بصدق. وفي تلك الأثناء عاد رئيس الخدم ومعه الكؤوس وطبق من البسكويت والجبن والزيتون. لم يسعد هذا هارييت أبداً؛ ففكرة مشاركة الكؤوس مع سيدريك كانت جنوناً! لكن سيدريك نزع السدادة دون تردد. كان صوت الفرقعة منعشاً، وصوت صب السائل الأصفر الصافي في الكؤوس الطويلة يبعث على البهجة.

«لهذا السبب هي مشروب الحفلات.»

رغم كل المشاكل، كانت فقاعات الكربون المتراقصة تجعل المرء يرغب فقط في الاحتفال بهذا الحظ الجميل.

"هل نرفع نخبنا؟"

اقترح سيدريك، فاستسلمت هارييت وأمسكت بساق الكأس الرشيقة. اصطدم الكأسان بصوت رنين نقي دلّ على جودة الزجاج. وبينما ادعى سيدريك أن الشرب معاً هو للفحص، كان هو أول من وضع الكأس على شفتيه.

«ليحدث ما يحدث.»

تجرعت هارييت رشفة، واتسعت عيناها بذهول ما إن استقر السائل في حلقها.

"واو! حقاً المشروب الغالي مختلف..."

توقفت عند هذا الحد، وشعرت برغبة في عض لسانها لأنها بدت كحديثة نعمة تقيس كل شيء بالمال.

«لماذا أرتكب الحماقات كلما جئت إلى هنا؟»

تمنت لو يعود الزمن دقيقة واحدة للوراء، لكن سيدريك لعق شفتيه بطرف لسانه وأومأ:

"بالفعل. يبدو لذيذ المذاق كما هو متوقع من ثمنه."

"أوه؟ هل تعتقد ذلك أيضاً؟"

"نعم. إنه يستحق فعلاً أن يكون الأغلى في المتجر."

"الحمد لله..."

بما أن دوق كايلاس أثنى على المذاق، لم تعد الـ 40 ألف ديرام خسارة. كان هذا أفضل بكثير من إحضار شراب رخيص والتعرض للإهانة. راقب سيدريك ابتسامة هارييت العفوية ثم سأل فجأة:

"سؤال مباغت، ما السبب الذي يجعلكِ تجنين المال يا آنسة هارييت؟"

"السبب؟ إنه..."

"لا يبدو لي أن الأمر يتعلق فقط بشرب الشمبانيا الغالية."

تعثرت الكلمات في فم هارييت فابتسمت بارتباك. هل سيُدرك حكايتها لو شرحتها بصدق؟ وهل تحتاج أصلاً لسرد تفاصيل حياتها له؟ قررت تغيير مسار الحديث:

"ولماذا أنت مهتم بمعرفة ذلك؟"

بدا أن سيدريك أيضاً لم يجد رداً فورياً، فظل ينظر للكأس بصمت.

«بالنسبة له، لستُ سوى نملة تتخبط في واقع بائس ويثير فضوله.»

وبينما كانت تهمّ بتحويل الأمر لدعابة، اتجهت عيناه الحمراوان نحوها:

"عام 1866. لا أظن أن هذا التاريخ لا يعني لكِ شيئاً."

توقفت أنفاس هارييت.

"حادثة غرق ركاب قارب متنزه 'ألبرخت' عام 1866. حياتكِ تغيرت جذرياً بعد ذلك التاريخ، أليس كذلك؟"

"هل قمت بالبحث وراء تاريخي

ترجمة~ زينب

2026/06/04 · 48 مشاهدة · 1068 كلمة
Hfxbj Hfbmh
نادي الروايات - 2026