الفصل 73

"المستثمرون جميعاً من نفس الطينة؛ فلكي نقلل احتمالات الفشل، نفضل معرفة أدق التفاصيل عن الجهة التي نضع فيها أموالنا."

"...... أظن ذلك منطقياً."

هزت هارييت كتفيها. رغم مفاجأتها، إلا أن الأمر لم يكن غريباً؛ فحادثة موت والديها لم تكن سراً، وقصة هارييت ليستر ويل التي تعيش عالة على عائلة عمها كانت حديث الجميع في هذه الأوساط. لا داعي للشعور بالإهانة لأن شخصاً ينوي استثمار أمواله قد بحث في القيل والقال الذي يعرفه القاصي والداني.

"حسنًا، بما أنك تعرف كل ذلك، فلا بد أنك تدرك سبب رغبتي في جني المال. امرأة شابة قُطع عنها الدعم المادي تماماً، وفوق ذلك هي 'صانعة فضائح' شهيرة.. لا بد لها من المال لكي تعيش دون أن تتعرض للإهانة أو الأذى."

شعرت هارييت بجفاف في حلقها فارتشفت من الشمبانيا مجدداً. كان الشراب الذي حملته عبر البرد لا يزال محتفظاً ببرودته المنعشة رغم دفء الغرفة المنبعث من الموقد.

"هناك أيضاً رغبة في أن أثبت نجاحي أمام أولئك الذين زجوا بي في الدير وتخلوا عني.. أريد أن أرد لهم.. بعض الديون..."

عند نطقها بكلمة "ديون"، لم تستطع إخفاء نبرة الحقد التي اصطبغ بها لسانها. وكأن رائحة الكراهية تلك قد تسللت إلى أنف سيدريك.

"يبدو أن سداد تلك الديون هو المحرك الحقيقي لكِ."

باغتها حدس سيدريك الحاد، فابتسمت قسراً وهي تحاول المداراة:

"لكن هذا ليس بالأمر الهل، حالياً سأعتبر نفسي ناجحة لمجرد أنني استطعت تدبير شؤوني بنفسي."

أنهت هارييت إجابتها عند هذا الحد. شعر سيدريك وكأنه كان ينظر إلى باب فُتحت منه فجوة صغيرة ثم أُغلق فجأة. ما هو المفتاح الذي يمكنه فتح ذلك الباب الذي يخفي خلفه عالماً غامضاً؟

«والأهم من ذلك، لماذا أريد فتح هذا الباب أصلاً؟»

لم يدرك السبب، تماماً كما لم يدرك لماذا قَبّل هارييت ليستر ويل في تلك اللحظة المظلمة تحت بوابة جنوة. كان يظن أن البحث في خلفيتها وإجراء بضعة حوارات سيكشفان له كل شيء، لكن فضوله تجاهها كان يزداد طردياً مع كل معلومة جديدة يعرفها عنها. حينها، بادرت هارييت بسؤالها:

"سأطرح عليك سؤالاً مباغتاً أيضاً؛ لماذا استثمرتَ في مشروعي؟ صراحةً، كنتُ أظن أنك أنت بالذات ستكرهني."

بدلاً من الإجابة الفورية، رفع سيدريك زجاجة الشمبانيا وملأ كأس هارييت ثم كأسه. مالا برأسيهما وارتشفا معاً وكأنهما على اتفاق مسبق. وقبل أن يتلاشى أثر المذاق العبق، فتح سيدريك قلبه قليلاً:

"لم أكرهكِ أبداً."

"هل نسيت ما حدث في مأدبة النصر؟"

"حتى حينها، لم أحمل ضغينة أو اشمئزازاً تجاهكِ شخصياً. إن أردتِ الدقة، فقد كنتُ أشعر بالانزعاج من الموقف برمته."

كان مجرد تذكر ذلك الموقف يبعث على الإرهاق؛ فصدمة فقدان والده لم تكن قد تلاشت، بينما كان الضجيج حول "النصر" و"خلافة اللقب" يملأ الأرجاء. في ذلك الوقت، كان سيدريك يتمسك ببروش والده ويحاول الصمود فحسب، متظاهراً بالهدوء والوقار كما يُتوقع من وريث دوقية مثالي.

"لم أكن أعتقد أن ما حدث كان من تدبيركِ. في البداية ربما انفعلتُ وضغطتُ عليكِ، لكن بعد سماع تبريركِ والتفكير بعقلانية، أدركتُ أنه ليس من شيمكِ فعل ذلك."

"هل.. هل فكرتَ حقاً بهذا الشكل؟"

"لو لم أفعل، لكان الأمر قد تطور إلى ما لا تحمد عقباه. فأنا لستُ من النوع المتسامح الذي يغفر مثل تلك الإهانة بسهولة."

تذكرت هارييت نظرات سيدريك لها في ذلك الوقت؛ كيف تراجعت حدته، وكيف لم تكن ملامحه تحمل الازدراء.

«لقد صدق كلماتي منذ البداية.»

لم تكن تعلم ذلك؛ ففي تلك اللحظة خُيل إليها أن الجميع يلومها. وبما أن بعض الآنسات في حفلة شاي "أنابيل" شعرن بالريبة أيضاً، فربما لم يكن وضعها مأساوياً كما ظنت. لعلها كانت فقط تتخبط داخل الشباك التي نصبها عمها وبيلا، فلم تستطع رؤية الواقع ببرود.

"شكراً لك."

"لا أدري إن كان الأمر يستحق الشكر، فبسبب جلبة تلك اللحظة انتهى بكِ الأمر في الدير لمدة عام."

"وبسبب ذلك أيضاً، أصبحتُ ما أنا عليه الآن. لذا نعم، هو أمر يستحق الشكر."

ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتي هارييت وهي تطرق ببصرها. يا للسخرية التي تملأ الحياة... ارتشفت ما تبقى في كأسها ثم أمسكت بالزجاجة.

"هل تود كأساً أخرى؟"

"بكل سرور."

أفرغ سيدريك ما تبقى في كأسه ومدها نحوها. انصب السائل الذهبي من فوهة الزجاجة الخضراء الداكنة، عاكساً بريق نيران الموقد. لم يغادر أي منهما مكانه حتى فرغت الزجاجة تماماً؛ كانا يتبادلان أطراف الحديث، وتتلاقى نظراتهما، ويتبادلان الابتسامات الصامتة.. وكأنهما شخصان يودان بقاء هذه اللحظة إلى الأبد.

في الجانب الآخر من المدينة، كان "جون" يراجع رسائل التهنئة بالعام الجديد حين قطب حاجبيه بعنف عند رؤيته لمظروف معين. مزق المظروف بحدة وأخرج الرسالة

«نرجو أن تحل بركة الإله على عائلة ليستر ويل.

نراسلكم مجدداً لعدم تلقينا رداً منذ مطلع العام. نرجو منكم حث الآنسة هارييت ليستر ويل على زيارتنا شخصياً هذا العام للتوقيع على مستندات استعادة الأرض والقصر.

مع خالص التقدير، مدير بنك بيريلاس أسيتي.»

كرمش جون الرسالة بعصبية وألقاها في سلة المهملات وهو يصرخ:

"اللعنة!"

كان مجرد التفكير في أراضي "بيريلاس" يسبب له الصداع.

"كيف سأتمكن من جر تلك الفتاة إلى هناك؟!"

حتى لو تمكن من أخذها، فهناك مشكلة كبرى؛ هارييت لم تعد تلك الفتاة الضعيفة التي يعرفها. لديها الآن "تريشا فيلون" كدرع حصين، وقد جنت المال من عملها كعارضة لصابون الدير. لو علمت هارييت بقيمة أراضي بيريلاس، فلن توقع أبداً على تنازل له. هل سيتوجب عليه تسليم الأرض لها؟

«مستحيل!»

لا بد من وجود طريقة! وبينما كان يمسك برأسه من الألم، دخلت بيلا الغرفة وهي ترتدي ثياب الشتاء الجديدة وتداعب فرو السمور الفاخر.

"بيلا؟ ماذا هناك؟"

"جئتُ لأخبرك أنني ذاهبة للقاء جيمس. هناك الكثير من الترتيبات لحفل الخطوبة."

"آه، حسناً. اذهبي."

لكن بيلا لم تغادر، بل لاحظت ملامح والدها المجهدة.

"ما الخطب؟ يبدو وجهك شاحباً."

"آه.. تلك الفتاة هارييت تسبب لي الصداع."

أخبرها عن رسالة بنك بيريلاس أسيتي.

"إنهم يطالبون بحضورها شخصياً للتوقيع، ولا أجد طريقة لإقناعها أو جرها إلى هناك."

فكرت بيلا للحظة ثم ابتسمت بخبث.

"أبي، هل من الضروري حقاً أن تأخذ هارييت الحقيقية؟"

"هذا ما أقوله! هؤلاء القرويون المتزمتون يصرون على وجودها! أنا لورد ليستر ويل، لماذا يحتاجون لابنة أخي؟"

صرخ جون بانفعال، لكن بيلا هزت رأسها بدلال وضاقت عيناها:

"لا أقصد ذلك. سؤالي هو: هل يعرف هؤلاء الناس شكل هارييت أصلاً؟"

"هاه؟"

"إنهم لم يروا وجهها أبداً. يمكننا ببساطة استئجار ممثلة تشبهها قليلاً لتنتحل شخصيتها وتوقع الأوراق."

"أوه! يا للروعة!"

شعر جون وكأن غشاوة قد انزاحت عن عينيه. "أنتِ حقاً ابنتي!"

"لكن لا يجب أن نتهاون؛ فالتوقيع يجب أن يكون دقيقاً. درّب الممثلة على توقيع هارييت."

"هل لدينا عينة من توقيعها في البيت؟"

"وثيقة تعيين الوصي؛ لم تتخلص منها، أليس كذلك؟"

"صحيح! لقد كانت هناك فعلاً!"

فتح جون خزينة العائلة بحماس، وأخرج الوثيقة التي وقعت عليها هارييت قديماً للموافقة على وصايته.

"رائع! هذا سيفي بالغرض!"

"لقد وجدتُ لك الحل، أليس كذلك؟"

"بالطبع! اذهبي واشتري لنفسك ثوباً جميلاً آخر كمكافأة."

"لا، ليس ثوباً."

كان لبيلا سبب آخر لتقديم هذه المساعدة لوالدها: "إذا حصلتَ على أراضي بيريلاس بهذه الطريقة، أريد منكِ أن تقتطع جزءاً منها وتكتبه باسمي."

"ماذا؟ هـ.. هذا..."

"لقد أعطى عمي لابنته أراضٍ شاسعة كهدية، ألا يستطيع والدي أن يعطيني جزءاً بسيطاً؟"

شعر جون بنظرة بيلا الباردة. ابنته كانت تبتسم لكن عينيها كانتا تخفيان طمعاً لا يقل عن طمعه. وبما أنها ستصبح قريباً "كونتيسة"، فليس من الحكمة إغضابها.

"بالطبع سأفعل! سأعطيكِ نصف الأرض بمجرد الحصول عليها."

"شكراً لك يا أبي!"

حينها فقط، عادت ابتسامة بيلا لتشرق بوجهها الماكر.

خطة شيطانية تُحاك في الخفاء! ( يا ولاد ال..)

ترجمة ~ زينب

2026/06/04 · 77 مشاهدة · 1140 كلمة
Hfxbj Hfbmh
نادي الروايات - 2026