الفصل 74

بمجرد أن ودعت والدها ولوحت له بابتسامة، اختفت تلك الملامح الودودة عن وجه بيلا تماماً.

«أبي ضيق الأفق حقاً. طالما أنه سيمنحني الأرض، فلماذا لا يعطيني إياها كاملة؟ لماذا يصر على تقسيمها إلى نصفين؟»

في المرة السابقة، لم تفكر بالأمر بعمق واعتبرت حصولها على زوج من الأقراط مكسباً، لكنها الآن أدركت أن هارييت كانت تتفوق عليها حتى في هذه التفاصيل. فرغم حب والدها لها، إلا أنه كان دائماً يزن الأمور بميزان الربح والخسارة، بينما ترك الراحل "آرثر" لابنته ثروة طائلة دون أي شروط.

«ربما كانت تلك الأرض هدية ميلاد هارييت؛ فتاريخ استعادة الأرض هو 25 يونيو، وعيد ميلادها في 5 يوليو.»

كيف سيكون الشعور حين تتلقى فتاة في الثانية والعشرين من عمرها 165 هكتاراً من الأراضي وقصراً فخماً؟ أن تضمن حياة الرغد والرفاهية للأبد تحت لقب "لورد بيريلاس"... سيكون لها شأن عظيم في سوق الزواج؛ ففي هذه الأيام، يُقاس الاحترام بحجم الثروة لا باللقب وحده، ولو انتشر خبر امتلاك هارييت لتلك الثروة، لاصطف الخُطاب أمام بابها. لو حدث ذلك فعلاً، لمرضت بيلا من شدة القهر والغل.

«على أية حال، لم تحصل هارييت على تلك الهدية، لذا لا يهم. نصف الأرض سيكون لي، وهذا يعني أنني الفائزة.»

كان عليها الاستيلاء على النصف على الأقل؛ فقد صممت على سلب هارييت كل ما تملك.

«سأخبركِ يا هارييت، بمجرد أن تنتهي إجراءات نقل الملكية، سأخبركِ حينها عما سرقته منكِ هذه المرة أيضاً.»

ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجه بيلا وهي تتخيل هارييت وهي تقفز من الغيظ. أدركت بيلا مجدداً أن إيقاع ابنة عمتها في الهاوية هو أمتع لعبة في العالم.

مع نهاية شهر يناير، تلقت هارييت زيارة مفاجئة من دافني.

"آنسة دافني! ما الذي أتى بكِ؟"

اندهشت هارييت لعدم وجود موعد مسبق. ابتسمت دافني بخجل وأخرجت مظروفاً من حقيبتها:

"أقوم بتوزيع دعوات الحفل على المعارف المقربين بنفسي. سأكون سعيدة جداً بحضوركِ."

كانت دعوة لحفل يقيمه الكونت لوريل. ظنت هارييت في البداية أنها مرسلة لتريشا، لكنها وجدت دعوة خاصة تحمل اسمها هي أيضاً.

«الكونت لوريل لا يبدو معجباً بي، فكيف حدث هذا؟ هل أصرت دافني على دعوتي؟»

لم يكن هناك داعٍ للتقصي خلف الأسباب؛ فالمهم أنها دُعيت كـ "هارييت" وليس كبديلة لتريشا. استوقفت هارييت دافني التي كانت تهم بالرحيل:

"إن لم تكوني مشغولة، تفضلي بشرب الشاي. الرياح باردة بالخارج."

"لا أريد أن أكون عبئاً عليكِ، خاصة وأنني أتيتُ دون إخطار..."

"على العكس، كنتُ أشعر بالملل ولم يكن لدي ما أفعله اليوم."

تهلل وجه دافني وقبلت الدعوة بامتنان. قادتها هارييت إلى الطاولة المجاورة لنافذة غرفتها.

"أعتذر لأنني لم أستقبلكِ في الصالون، فأنا أحاول ألا أزعج عمتي الكبرى قدر الإمكان."

"بل أنا ممتنة لأنكِ سمحتِ لي برؤية غرفتكِ، هذا شرف لي."

كانت تلك الطاولة هي المكان المفضل لهارييت؛ حيث تطل على شجرة ضخمة تعكس تغير الفصول وتسمح لها بسماع زقزقة العصافير، رغم أنها كانت توقظها أحياناً في وقت مبكر جداً. صبت هارييت الشاي وسألت:

"سمعتُ عن نيتكِ إقامة حفل، لكني لم أتوقع أن تصل الدعوات بهذه السرعة. هل هناك سبب خاص؟"

"آه.. في الحقيقة..."

لوحت هارييت بيدها بسرعة حين رأت ارتباك دافني: "لا بأس، لا تضغطي على نفسكِ، لم أكن أقصد التدخل في شؤون العائلة!"

"لا، يا آنسة هارييت، أشعر أنني أستطيع التحدث إليكِ براحة بال."

أخذت دافني نفساً عميقاً وهي تحتضن كأس الشاي بيديها:

"سيكون حفل خطوبة جيمس والآنسة بيلا في منتصف مارس."

فهمت هارييت الموقف فوراً. لو أقام آل لوريل حفلاً بعد ذلك التاريخ، سيظن الجميع أنه احتفاء بتلك الخطوبة، وستصبح دافني حينها مادة للسخرية والشفقة.

«لذا لم يكن لديهم خيار سوى إقامة الحفل قبل ذلك الموعد.»

تنهدت هارييت بأسى؛ فالمعتدون يعيشون بوقاحة ودون مبالاة، بينما يُجبر الضحايا على ضبط مواعيد حفلاتهم وفقاً لأهواء الجناة. لكن دافني لم تكن غارقة في رثاء ذاتها كما كانت سابقاً.

"بما أننا لم نقم أي حفل طوال العام الماضي، فمن الأفضل إنهاء الأمر الآن. طالما اتخذتُ القرار، فعليّ تنفيذه بسرعة."

رغم أن وجنتيها كانتا لا تزالان نحيلتين وتحتاجان لبعض الوزن، إلا أن ابتسامتها كانت صافية كالسماء. شعرت هارييت أن دافني أصبحت أكثر نضجاً وقوة.

"يبدو أنكِ تخلصتِ من حمل ثقيل."

"الفضل يعود إليكِ."

شعرت هارييت بالامتنان لدافني التي تقبلت كلماتها بصدر رحب. وهنا، تذكرت هارييت صديقة أخرى تحمل جراحاً بحاجة للشفاء، فقالت بتردد:

"آنسة دافني، قد يبدو هذا طلباً وقحاً، لكن هل يمكنني طلب دعوة إضافية؟"

"بالتأكيد، إن كانت لأحد معارفكِ."

"إنها لـ.. صديقة سابقة لبيلا. تُدعى فيفيانا ديلوس، ربما سمعتِ الشائعات عنها."

تجمدت ابتسامة دافني للحظة. كانت هارييت تدرك تماماً ما تشعر به دافني، لكنها كانت قد عقدت العزم على مساعدة فيفيانا، وقررت أن تطلب لها دعوة من أول شخص يدعوها لحفل.

"فيفيانا أعلنت قطع علاقتها ببيلا تماماً. وبما أنها أصبحت صديقتي الآن، يمكنكِ اعتبارها بعيدة كل البعد عن بيلا."

شرحت لها هارييت ظروف فيفيانا باختصار؛ كيف أصبحت صديقة لبيلا بسبب حبها من طرف واحد، وكيف قطعت علاقتها بها بعد اكتشاف حقيقتها، وكيف تخلى عنها ذلك الرجل وحرمت من الاندماج في مجتمع أقرانها.

"أريد فقط منحها فرصة لاستعادة مكانتها بشكل طبيعي. يمكنكِ الرفض بالطبع، فمشاعركِ هي الأهم."

لم ترد دافني فوراً، بل غرقت في التفكير وهي ترتشف شايها. انتظرتها هارييت وهي تدرك مجفأضافت دافني بارتباك:

"الشخص الذي كانت تحبه من طرف واحد.. هو آدم هوفنر، أليس كذلك؟"

"هل الشائعة منتشرة إلى هذا الحد؟"

"للأسف نعم. وقد أرسلنا دعوة لعائلة هوفنر بالفعل."

كانت دافني تشير إلى أن احتمال حضور آدم للحفل مرتفع جداً، فهل ستتحمل فيفيانا ذلك؟

"لستُ أنا من يقرر ذلك، بل هي. لكن حتى لو قررت فيفيانا عدم الحضور، ستظل ممتنة جداً للطفكِ."

"وأنا سأكون ممتنة أيضاً لو تقبلت الأمر."

بفضل قرار دافني الناضج، حصلت فيفيانا على دعوة حفل آل لوريل عبر هارييت، مع تنبيه بشأن احتمال حضور آدم. راقبت هارييت وجه فيفيانا بقلق وهي تقرأ الدعوة لوقت طويل، خشية أن يكون تدخلها فضولاً غير مرغوب فيه.

"أعتذر إن كان هذا تدخلاً لا ترغبين به."

"لا، أبداً! أنا ممتنة جداً. لم تدعُني أي جهة مؤخراً. يبدو أنني بدأتُ أفهم ما كنتِ تقصدينه بأنني وبيلا لم نكن يوماً في مرتبة واحدة."

رغم كلماتها، لم يكن وجه فيفيانا مشرقاً. ظنت هارييت أن السبب هو آدم، فأمسكت بيدها بلطف:

"لقد أخبرتُ دافني أنكِ قد لا تحضرين. يمكنكِ الرفض إن كنتِ لا تشعرين بالراحة."

تلمست فيفيانا شعار عائلة لوريل المحفور على البطاقة، ثم رفعت رأسها بنظرة ملؤها الإصرار:

"سأذهب. لقد بذلتِ جهداً من أجلي، وسأشعر بالخجل تجاه الآنسة دافني إن لم أحضر بعد كل هذا الاهتمام."

"هل أنتِ متأكدة حقاً؟"

فيفيانا تستجمع شجاعتها لمواجهة الماضي!

ترجمة~زينب

2026/06/04 · 74 مشاهدة · 1006 كلمة
Hfxbj Hfbmh
نادي الروايات - 2026