الفصل 75

"أجل. ولمَ قد لا أكون بخير؟ لم يعد لآدم مكان في قلبي، وفوق ذلك، لم أعد صديقة لبيلا بعد الآن."

في تلك الابتسامة المشرقة التي ارتسمت على وجه فيفيانا وكأن شيئاً لم يكن، لمحت هارييت جهداً مضنياً تذله الأخرى لتمالك نفسها. ربما لم تكن واثقة تماماً بعد؛ فمن المحتمل أن يهتز قلبها أو تفر هاربة حين تقع عيناها على آدم. ومع ذلك، كان من الواضح أن فيفيانا قررت المواجهة رغم إدراكها لتلك المخاطر.

ولم تكن هارييت لتسمح بأن تُسحق تلك الشجاعة الصغيرة التي استجمعتها فيفيانا.

"بما أن الأمور وصلت إلى هنا، فلنرهما بوضوح."

"هاه؟ ماذا؟ ولمن؟"

"لبيلا وآدم، اللذين يظنان أنكِ ستذرفين الدموع ندماً وخوفاً.. لنظهر لهما كم أن فيفيانا ديلوس إنسانة رائعة ومتألقة."

شدّت هارييت قبضتها بحماس وكأن الأمر يخصها، بينما كانت فيفيانا تنظر إليها بملامح يكسوها الشك والارتباك.

اضطرت تريشا لإرسال رد بالاعتراض على دعوة عائلة لوريل.

"الذهاب إلى هناك والبدء بنوبات السعال لن يؤدي إلا إلى إزعاج من حولي."

رغم أن السعال كان يهدأ كثيراً عند تناول الدواء، إلا أن ذلك كان مرهوناً بالراحة التامة داخل المنزل؛ فبمجرد أن تبذل أدنى مجهود، كان السعال يعاودها بحدة دون هوادة.

"لذا، اذهبي أنتِ وألقي التحية بدلاً مني."

"هذا ليس بالأمر الصعب. لكنكِ لم تخرجي مؤخراً أبداً.. هل ساءت حالتكِ إلى هذا الحد؟"

"ها قد عدتِ للقلق الذي لا داعي له. من الطبيعي أن تقل حركة المرء كلما تقدم في السن، فالعجوز التي تتسكع في الخارج لن تجد مكاناً يرحب بها."

كانت حجة واهية تماماً؛ فبالنظر إلى سيل الدعوات التي تنهال عليها يومياً رغم انقطاعها عن الخروج، كان من الجلي كم كانت ضيفة مرغوبة. غير أن هارييت لم تعقب على ذلك، بل اكتفت بابتسامة باهتة.

"سوف يشعر الكونت لوريل والكونتيسة بالأسف لغيابكِ. على أية حال، سأذهب وأعود قريباً، فاستريحي أنتِ."

أمسكت هارييت يد تريشا الهزيلة وضغطت عليها برفق مودعة، فارتخى طرف عين تريشا بابتسامة واهنة. وبدت روكسانا، التي باتت تلازم تريشا طوال اليوم وتلبي كافة احتياجاتها، وكأنها ترافق هارييت لتوديعها، فخرجت معها من الغرفة. كانت هارييت تتوقع خروجها، لذا استدارت نحوها بمجرد أن أُغلق الباب.

"سيدتي، يبدو أن صحة عمتي الكبرى قد تدهورت كثيراً..."

"إنها تضعف تدريجياً. ولأنه لا يوجد علاج جذري لحالتها، يركز الأطباء حالياً على تخفيف الآلام."

خيم جو ثقيل من الكآبة بينهما. كانت هارييت تخشى فقدان تريشا؛ فحتى لو انتهت فترة الوصاية بعد عامين، لن يتغير تقديرها لتريشا كمنقذة ومقام والدة لها. بهذا القدر كانت تريشا تعني لهارييت.

وكأن روكسانا شعرت بقلقها، فربتت على كتفها بحركة خرقاء قائلة:

"من الصعب أن تعود لصحتها السابقة، لكن إن أبطأنا وتيرة المرض وخففنا الألم، فستصمد لعشر سنوات أخرى دون عناء."

"هل هناك مسكنات فعالة؟"

"لم نجد النوع المثالي للسيدة بعد، لكن شركات الأدوية تستثمر كثيراً في تطوير المسكنات مؤخراً، لذا نتوقع أخباراً طيبة قريباً."

أومأت هارييت برأسها بضعف. الموت حق على الجميع، ولو عاشت تريشا التي تبلغ من العمر ستة وستين عاماً لعشر سنوات أخرى، لكانت قد عمرت أكثر من متوسط أعمار النبلاء. كان عليها أن تمتن لذلك، لكن التفكير بواقعية في موت من تحب كان أمراً مؤلماً.

"أتمنى أن تعيش طويلاً وهي بصحة جيدة..."

بينما كانت تنهد وتهمس بتلك الكلمات، لمحت الهالات السوداء تحت عيني روكسانا وجفونها التي بدت ثقيلة من التعب. فبين العناية بتريشا طوال اليوم وإدارة شؤون العائلة في الفترات التي تنام فيها السيدة، لا بد أن الإرهاق قد نال منها مأخره. وأدركت هارييت أن روكسانا، التي قضت مع تريشا وقتاً أطول منها بكثير، لا بد أنها تشعر بالخوف نفسه.

"سيدتي، أنا آسفة."

"هناك أمور كثيرة يجب أن تعتذري عنها يا آنسة هارييت، فعن أي منها تتحدثين الآن؟"

ابتسمت هارييت بمرارة إثر ردها الذي لم يخلُ من دعابة خفيفة. لقد كانت روكسانا مثالاً للمرء الناضج الحق، التي رغم خوفها الخاص، تحاول جاهدة التخفيف من قلق من هي أصغر منها سناً. وبالمقارنة معها، شعرت هارييت كم هي صغيرة ومنغلقة على نفسها.

"سأبذل قصارى جهدي أنا أيضاً."

"منذ قليل وأنتِ تتحدثين بكلمات غير مفهومة. لا بأس بألا تبذلي جهداً، فقط لا تفتعلي المشاكل."

أدركت هارييت الآن أن ذاك التوبيخ الظاهري لم يكن إلا مواساة مبطنة تعني "أنتِ تؤدين حسناً بالفعل، فلا داعي لإرهاق نفسكِ". وبينما اكتفت هارييت بالابتسام، هزت روكسانا كتفيها وعادت إلى غرفة تريشا.

'فلأستجمع قوتي، ليس لدي وقت للإحباط.'

عادت هارييت إلى غرفتها وهي تشد قبضتها، ثم التقطت الرسالة التي كانت تقرأها قبل أن تُستدعى لغرفة تريشا.

「... لا يجب أن يقع المزيد من الضحايا بسبب بيلا ريسترويل. سأساعد الآنسة فيفيانا بكل سرور. لكن، إذا حاولتِ أنتِ أو الآنسة فيفيانا استغلال دافني، فسأسحب هذا المعروف في أي وقت.」

كانت مرسلة الرسالة هي ميلودي لوتشي، الصديقة المقربة لدافني.

'كما توقعت، ميلودي لوتشي ضعيفة أمام المناشدات العاطفية. لم أظن أنها ستقبل بهذا الترحاب.'

عند دخول حفلة عائلة لوريل، لم تكن هارييت ولا فيفيانا تمتلكان مجموعة تنتميان إليها. صحيح أنهما قد تتبادلان التحية مع جماعة أنابيل، لكنهما لم تكونا جزءاً منها حقاً. لو كانت هارييت بمفردها لما اهتمت بالبحث عن صحبة، لكن بما أن فيفيانا معها، كان لزاماً عليها البحث عن حلفاء. لذا وقع اختيارها على ميلودي لوتشي.

'يبدو أنها تكرهني، لكنها بالتأكيد تكره بيلا أكثر.'

بعد أن شرحت ظروف فيفيانا وطلبت منها ألا تبدو فيفيانا كـ "امرأة شريرة منبوذة لأنها تسببت في فضيحة لبيلا"، جاء رد ميلودي بالموافقة. كانت مجموعة دافني وميلودي تحظى باهتمام لا يقل عن مجموعة بيلا، والوجود معهن بطلة بهية وثقة عالية سيجعل آدم لا يجرؤ على الاستخفاف بفيفيانا.

'طريقة بسيطة لكنها فعالة، خاصة مع أمثال آدم هوفنر الذين تفتنهم المظاهر فقط.'

كانت هارييت تدرك جيداً أن الفستان المناسب والمكياج والوقفة الواثقة كفيلة بتغيير نظرات من حولها، فقد اختبرت ذلك بنفسها، والآن حان دور فيفيانا لتختبره.

'حسنٌ. يجب أن أهتم بمظهري أيضاً، فلا أريد أن أكون وصمة في حق دافني أو فيفيانا.'

فتحت هارييت خزانة ملابسها التي كانت تعج بفساتين فصلتها لها تريشا. وبينما كانت تتفحصها واحداً تلو الآخر، وقع نظرها على فستان وردي كانت قد ادخرته خشية أن يكون تصميمه "مواكباً للموضة" بشكل مبالغ فيه.

'إنه فستان لا ترتديه إلا الفتيات الجميلات وذوات الشعبية.. لكن لا بأس، عليّ ارتداء شيء كهذا لأبدو ملائمة لتلك المجموعة.'

نحت هارييت جانباً فكرة أنها ستبدو كفراشة ليلية وسط الفراشات الملونة، وعلقت الفستان في الخارج. فالحفلة ستقام بعد يومين.

في يوم الحفلة التي أقامها الكونت لوريل بعد انقطاع دام عاماً وسبعة أشهر، ازدحمت مقدمة القصر بعربات العائلات المختلفة. وبينما كانت هارييت تقف في صف الدخول مع فيفيانا، شعرت بتوتر يفوق توتر رفيقتها.

"لا أدري إن كانت دافني ستكون بخير."

إذا أظهرت دافني أدنى مسحة من الكآبة بسبب الانفصال أو بدا عليها الهزال، فسيبدأ الناس بالتهامس خلف ظهرها. وحتى لو كان ذلك شفقة وليس استهزاءً، فلن يكون وقع ذلك محبباً.

ضحكت فيفيانا بخفة إثر تمتمة هارييت التلقائية.

"من يراكِ يظن أنكِ الأخت الكبرى للآنسة دافني."

"أنا فقط لا أريد أن يتأذى شخص آخر بسبب بيلا. ينقبض قلبي كلما رأيت هؤلاء الضحايا."

انفجرت فيفيانا ضاحكة وهي ترى هارييت تتذمر بحنق.

"هارييت، الأجدر بكِ القلق على نفسكِ. لا يزال هناك الكثيرون ممن يعتبرونكِ مثيرة للمشاكل."

"أنا بخير."

"أنتِ بليدة نوعاً ما تجاه مشاكلكِ الخاصة. وأعتقد أن هذا بحد ذاته نوع من أنواع الأذى الذي تعرضتِ له."

بينما كانت هارييت تفكر في معنى تلك الكلمات، جاء دورهما للدخول. اندفعت هارييت للداخل بفعل زحام القادمين خلفها، لتتسع عيناها ذهولاً من فخامة الردهة.

'يبدو أن الكونت لوريل عازم على جعل هذا اليوم استثنائياً.'

كانت الثريات المتلألئة والمصابيح الزجاجية تخطف الأبصار، واللوحات المعلقة على الجدران تثير الإعجاب حتى لغير المتخصصين.

ورغم أن الربيع لم يبدأ بعد، إلا أن الزهور النضرة كانت تملأ المكان، وبدت الكراسي والأرائك المخصصة للراحة جديدة تماماً.

وكأن الكونت أراد إظهار أن ابنته دافني لم تعد تلتفت لغدر حبيبها السابق، فدعا عدداً هائلاً من الضيوف، وبدا أن نسبة الشباب بينهم كانت أكبر من المعتاد.

ترجمة ~ زينب

2026/06/04 · 58 مشاهدة · 1215 كلمة
Hfxbj Hfbmh
نادي الروايات - 2026