الفصل 76
جالت هارييت بنظراتها في الأرجاء، وهي ترتب في ذهنها قائمة بالأهداف التي يتوجب عليها تحقيقها الليلة.
’أولاً، سأجعل فيفيانا تسدد ضربة قاضية لآدم هوفنر، ثم سأصغي جيداً لكل همسة هنا وهناك لأعرف صرعات الموضة الحالية. أما الشخصيات التي يجدر بي لفت انتباهها اليوم فهي...‘
بينما كانت تزن الأرباح والخسائر وهي ترمق الوجوه بطرف عينيها، شعرت فجأة بوهج مشرق يقترب من الجهة المقابلة.
"آنسة هارييت! لقد جئتِ حقاً. وأهلاً بكِ أيضاً يا آنسة فيفيانا."
كانت دافني. وبدت فاتنة لدرجة تحبس الأنفاس!
"الآن أدركتُ لماذا قيل إن رؤية ذروة الجمال قد تسبب العمى. بمجرد أن رأيتكِ يا آنسة دافني، شعرتُ وكأن بصري قد سُلب مني."
"يا إلهي، هارييت، كفاكِ مزاحاً. بل أنتِ من تبدين وكأنكِ بطلة الحفلة الليلة. هذا الأسلوب يليق بكِ كثيراً."
"ومن ذا الذي سيلتفت لفستاني بوجود الآنسة دافني؟"
كانت دافني ترتدي فستاناً بلون الليلك يتناغم بسحر مع شعرها الفضي وعينيها الأرجوانيتين. برز خط عنقها الرقيق وكتفاها، مما أثار غريزة الحماية لدى الناظر، بينما جعلتها زينة رأسها الماسية وعقدها تبدو كملكة الجنيات. لم تكن قد استعادت وزنها السابق تماماً، لكنها لم تبدُ كشخص على وشك الانهيار؛ بل والأهم من ذلك، أن ابتسامتها لم تعد حزينة، بل اتسمت بالرقي والثقة التي تليق بجوهرة عائلة لوريل.
"أعدكِ، من اليوم وصاعداً لن يجرؤ أحد على الاعتراض على كونكِ الجميلة الأولى في المجتمع المخملي."
"أنتِ تبالغين في تقديري يا هارييت، لكن سماع ذلك منكِ لا يسوءني أبداً."
اطمأن قلب هارييت وهي تسمع ضحكتها الرنانة مجدداً. كان من الجلي أن دافني قد نفضت عن كاهلها غبار الكآبة تماماً. فمفردات مثل "هجر" أو "جرح" لا تليق أبداً بتلك الجنية التي تبدو وكأنها ستنبت لها أجنحة شفافة لتطير بها في أي لحظة.
’من المؤكد أنها ستلتقي بشخص أفضل بكثير.‘
كانت هارييت واثقة من ذلك. ولم يكن بوسعها إطالة الحديث مع دافني التي كان عليها استقبال حشود الضيوف، لكن قلقها عليها قد تبدد تماماً؛ فدافني ستكون على ما يرام الليلة.
’إذاً، لم يبقَ سوى الاهتمام بفيفيانا؟‘
لوحت هارييت بِيَدها لدافني وهي تبتعد، ثم بدأت تتلفت بحثاً عن ميلودي ورفيقاتها، لكنها لم تجد أثراً لتلك الشخصية التي تجذب الأنظار بوقارها المعهود.
"يبدو أن الآنسة ميلودي لم تصل بعد. ما رأيكِ أن ننتظر هناك ونحتسي شيئاً؟"
حاولت هارييت سحب فيفيانا برفق نحو ركن المشروبات، لكن فيفيانا هي من جذبت ذراع هارييت وهمست في أذنها:
"آه، هارييت.. انظري، يبدو أن ذاك السيد لديه شأن معكِ."
"هاه؟ من؟"
أدارت هارييت رأسها بعفوية نحو الاتجاه الذي أشارت إليه فيفيانا، فتجمدت في مكانها. كان سيدريك يقف مع رجل آخر، وكلاهما ينظر باتجاهها. وبينما كانت هارييت تفكر في كيفية التصرف، وشوشت فيفيانا:
"يبدو أنه لا يحيد بنظره عنكِ أبداً. لا يعقل أنه لا يزال يحمل لكِ ضغينة بسبب تلك الحادثة القديمة، أليس كذلك؟"
لم تكن فيفيانا تعلم أن هارييت تدير عملاً بتمويل من سيدريك، لذا فإن الرابط الوحيد بينهما في نظرها كان "تلك الواقعة" في مأدبة النصر. فكرت هارييت أن تبادل الحديث معه بشكل طبيعي قد يثير سوء فهم غريب.
’سأتظاهر بأنني لم أره.‘
لكن بمجرد أن قررت الانصراف، بدأ سيدريك – الذي كان يتحدث مع الرجل المجاور له – بالتقدم نحوها بصحبته. وبخطواته الواثقة وساقيه الطويلتين، تقلصت المسافة بينه وبين هارييت في لمح البصر. غير أن من بدأ بالكلام لم يكن سيدريك، بل الرجل الذي يرافقه.
"الآنسة هارييت ريسترويل، أليس كذلك؟ تشرفت بلقائكِ، أدعى إدغار دوسن."
"عفواً؟ آه، نعم.. أهلاً بك."
أرسلت هارييت نظرة استغاثة لسيدريك تسأله عما يحدث، لكنه لم ينبس ببنت شفة. وبدلاً منه، تابع إدغار حديثه بابتسامة عريضة:
"إنه لفخر لي أن ألتقي بعارضة صابون وأعشاب 〈سانت كلاريسا〉 وجهاً لوجه! لقد انطبعت تلك الملصقات في ذاكرتي حقاً. آه، إذا كان هذا الحديث يزعجكِ..."
"آه، كلا! يسعدني لقاؤك أيضاً."
"يا لكِ من ملاك! لقد تلطفتِ بمسامحة فظاظتي في التعرف عليكِ فجأة. ولكن، من هي الجميلة التي تقف بجانبكِ؟"
عندما التفت نحوها، سارعت فيفيانا بالانحناء في تحية رقيقة:
"أنا فيفيانا ديلوس. لقد التقيتُ بالسيد دوسن سابقاً في مأدبة عائلة شيلدون، رغم أنها كانت جلسة مملة بين آبائنا لمناقشة الأعمال."
"يا للأسف! لو كان لقاؤنا في مناسبة أكثر متعة، لما نسيتُ أبداً اسماً لجميلة مثلكِ."
احمرت وجنتا فيفيانا تأثراً بمديحه المتواصل، بينما رمقته هارييت بنظرة ملؤها الحذر، متسائلة إن كان ينوي إغواء فيفيانا. فقد خشيت أن تتعرض فيفيانا لجرح آخر من رجل عابث يتنقل بين النساء. لكن يبدو أن فيفيانا كانت متماسكة تماماً.
"سأصدق كلماتك يا سيد.. عذراً.. ومن يكون السيد الذي بجانبك؟"
"آه! بسبب وهج الجميلات أمامي، غفلتُ للحظة عن وجود هذا الكائن الكئيب بجانبي. هيه، أنت، ماذا تفعل؟ ألقِ التحية."
اندهشت هارييت لرؤية شخص يجرؤ على قول "ألقِ التحية" لسيدريك، وزاد ذهولها عندما رأت سيدريك ينصاع لـ "أمره" ببساطة.
"ليلتكن سعيدة أيتها السيدات. أنا سيدريك كايلاس. لقد التقينا سابقاً يا آنسة هارييت.. هل تذكرين؟"
"آه.. نعم، بالطبع.."
لا يُعرف إن كان سيدريك قد لاحظ ارتباك عيني هارييت أم أنه تظاهر بعدم الملاحظة، لكنه اكتفى بالنظر إليها بهدوء. ولأن نظراته كانت تسبب لها ضغطاً، التفتت هارييت نحو إدغار قائلة:
"لا بد أن السادة النبلاء لم يأتوا دون شريكات..."
كانت تلمح لهما بالانصراف حتى لا تشعر شريكاتهما بالانزعاج، لكن إدغار انتهز الفرصة ليبث شكواه:
"أرأيتِ يا آنسة هارييت؟ كان يجدر بي المجيء مع سيدة فاتنة، أليس كذلك؟ لكن يبدو أن هذا الفتى لا يزال طفلاً لا يجرؤ على حضور الحفلات وحيداً دون صديق. لقد أصر على مرافقتي رغم رغبتي في المجيء بمفردي...!"
"إدغار. أنت الآن ثرثار أكثر من اللازم."
"لا تقلل من شأن غضبي بكلمة ’ثرثار‘. هل تدرك شعوري وأنا أحضر حفلة طال انتظارها برفقة رجل؟"
ندمت هارييت على فتح باب الحديث مع إدغار، فقد كان صاخباً لدرجة تسبب الصداع.
’لو أنه يصمت فقط لكان رجلاً رائعاً.‘
تنهدت هارييت وقالت بنبرة نصف مازحة:
"ليس بالضرورة أن تكون الشريكة من الجنس الآخر لتكون الحفلة ممتعة. أو ربما يجدر بك أن تطلب رقصة من بطلة الحفلة لاحقاً؟"
بدت على إدغار علامات الاستنارة وكأنه أدرك شيئاً ما:
"فكرة رائعة! خاصة وأن الذباب الذي كان يحوم حول الآنسة دافني قد انقشع. في الحقيقة، النحل والفراشات هم من يليقون بالزهور، لكن أحياناً تحط عليها ذبابة لا تعرف قدر نفسها. مشهد لا يليق أبداً، أليس كذلك؟"
"ذبابة..."
"أنتِ حكيمة يا آنسة. سأكون ممتناً لو تكرمتما بالرقص معي لاحقاً."
أومأت هارييت وفيفيانا برأسيهما وكأنهما تحت تأثير سحر ما. في تلك اللحظة، دخلت ميلودي إلى القاعة، فاغتنمت هارييت الفرصة لتوديعهم بسرعة.
"كنت أود إطالة الحديث معكم، لكن إحدى معارفي قد وصلت. لا تنسوا طلبي للرقص عندما يحين الوقت."
"بالتأكيد! نتمنى لكما وقتاً ممتعاً."
بعد وداع إدغار اللطيف، سحبت هارييت فيفيانا من ذراعها وابتعدتا. بقي إدغار في مكانه مبتسماً، ثم التفت نحو سيدريك قائلاً:
"هذه أول مرة أرى امرأة لا تعيرك أي اهتمام على الإطلاق."
تنهد سيدريك وقال:
"لقد جننت حقاً لتبدأ حديثاً لمجرد التأكد من هذا الأمر."
"لكن الفضول كان يقتلني. كيف لتلك ’المثيرة للمشاكل‘ الشهيرة ألا تهتم بسيدريك كايلاس؟ حسب الشائعات، كان يجدر بها أن تبدو سعيدة بمجرد أن أتحدث إليها..."
رمق إدغار ظهر هارييت المبتعدة بنظرة ملؤها الاهتمام وتابع:
"بل بدت وكأنها تراني مزعجاً بدلاً من أن تُسر بلقائي."
"لأنك كنت مزعجاً بالفعل."
"ربما. على أية حال، أتفق معك في ضرورة تعديل المعلومات حول هارييت ريسترويل. كما قلتَ، هي تبدو عاقلة تماماً، بل وتبدو رائعة أيضاً."
لقد غير رأيه بشأن هارييت. في الواقع، لم يكن يهمه إن كانت مثيرة للمشاكل أو امرأة عفيفة، حتى بعد معرفته باستثمار سيدريك في عملها. لكن منذ اللحظة التي لاحظ فيها أن سيدريك لا يستطيع إزاحة نظره عن هارييت منذ دخولها الحفلة، أصبح الأمر مسألة غاية في الأهمية.
"ولكن رغم كل ذلك، من بين كل تلك النساء، تختار هارييت ريسترويل؟ ذوقك غريب حقاً."
*أنجب
ترجمة~ زينب