الفصل 79
’من الجيد أن الجميع بدأوا ينظرون لفيفيانا بنظرة إيجابية. لا بد أن هذا بفضل جهودها السابقة في الحفاظ على سمعتها طيبة طوال تلك السنوات.‘
بالطبع، حتى لو بذلت فيفيانا الجهد ذاته في بناء سمعتها، فقد كان يكفي كلمة واحدة من بيلا لتهوي بمكانتها إلى الحضيض، بينما لم يكن العكس ممكناً. أن تجعل من خصمك شريراً بمجرد تحريك لسانك؛ تلك كانت القوة التي تمتلكها بيلا، وفيفيانا نفسها ساهمت في توطيد تلك السلطة سابقاً. كانت بيلا تجيد استخدام سلاحها ببراعة لتحشيد الأنصار وإقصاء الأعداء.
’لكن الأمور لن تسير وفق هواكِ بعد الآن يا بيلا. استعادة الحقائق وتصحيح الشائعات التي اختلقتِها يتطلب جهداً مضنياً، لكني مستعدة لبذل ذاك الجهد مهما كلف الأمر.‘
اختارت هارييت المواجهة المباشرة. لكي تتخلص من الوصمة التي ألصقتها بها بيلا، كان عليها أولاً تحييد سلاح الأخيرة. ولم يكن اندفاعها لمساعدة فيفيانا نابعاً فقط من الرغبة في إنقاذ ضحايا بيلا، بل كان خلف ذلك حسابات دقيقة أيضاً. فمقابل هذه المساعدة، سيكون عليها حضور حفلات الشاي التي تقيمها أنابيل بانتظام، لكنه ثمن بخس مقابل إخماد الشائعات حول فيفيانا. في الواقع، كان هذا ممكناً لأن أنابيل تحمل في نفسها نوعاً من المنافسة تجاه بيلا، وكان تأكد هارييت من وجود أشخاص يكرهون بيلا في خفايا نفوسهم مكسباً أثمن من مجرد الحصول على مساعدة أنابيل.
’لو كنتُ أدرك هذا سابقاً، لما عشتُ مستسلمة لتلك المضايقات.‘
رغم تحسرها على الوقت الذي ضاع، قررت أن تمتنع عن الندم وتمتن لكونها تستطيع تصحيح الأمور الآن.
"سيدريك!"
بدلاً من إدغار الذي لم يعد منذ خروجه للرقص، تقدم شخص لا يسر سيدريك رؤيته أبداً.
"ألبرت."
وضع سيدريك كأس الشمبانيا على الطاولة المجاورة ونهض من مكانه. كان القادم هو ألبرت كينغسلي، ابن بينيديكت وابن عمه. ولم يكن وحده.
"أردتُ تعريفك ببعض أصدقائي. يا رفاق، أقدم لكم دوق كايلاس، سيدريك.. إنه ابن عمي الصغير."
وضع ألبرت يده على كتف سيدريك متظاهراً بالمودة، ومثل أبيه تماماً، قدم سيدريك وكأنه "أدنى" منه شأناً. كان هذا الأسلوب الذي يوحي بقدرته على التحكم في منزل الدوق يثير حنق سيدريك في كل مرة، لكنه اكتفى بابتسامة هادئة وإيماءة خفيفة برأسه. واصل ألبرت التعريف ببرود، سواء كان يجهل نوايا ابن عمه الحقيقية أم يتجاهلها:
"من هنا: ديوان موريس، كين هنسلر، وجوناثان ويليام. ومن الجانب الآخر السيدتان الفاتنتان: كريستين والتر، وليزلي أوزير."
بدأ الشبان الثلاثة والسيدتان (ذات الشعر الذهبي والأخرى ذات الشعر الأسود) بتبادل التحايا بابتسامات عريضة، وسرعان ما انطلق حوار صاخب.
"عن قرب، تبدو فارع الطول حقاً. هل يصل طولك إلى 190 سم؟"
"ليس لهذا الحد."
"بل لأنك قصير القامة يبدو هو أكثر طولاً، هاهاها!"
"مع من جئت اليوم؟ لا يبدو أن لديك شريكة."
"جئت مع صديق، لكني لا أراه الآن."
"ما رأيك بالآنسة كريستين أو الآنسة ليزلي؟ كلتاهما رائعة الجمال، وتليقان بالوقوف بجانب لورد كايلاس."
بدأ الضيق يتسرب إلى نفس سيدريك من هذه الأحاديث الثقيلة وغير الممتعة، لكنه لم يستطع الانصراف بجفاء؛ فحتى لو كان دوقاً، فلن يسلم من تهمة الوقاحة. وكان ألبرت يتوقع تماماً هذا المسار.
’فلنراقب كيف سيفقد دوقنا العظيم وقاره.‘
ضحك ألبرت عالياً، بينما كان يمرر زجاجة صغيرة خفية لليزلي الواقفة خلف سيدريك. تناولت ليزلي الزجاجة بحذر، فتحت سدادتها، وقبل أن يشعر أحد، أسقطت بضع قطرات من سائل شفاف في كأس الشمبانيا الخاص بسيدريك. حينها فقط، تظاهر ألبرت بالانتباه لإزعاجهم لسيدريك ولوح لأصدقائه:
"كفى يا رفاق! لقد أصبتم الرجل بالدوار! معذرة يا سيدريك، فالجميع كان يتوق لرؤيتك عن قرب."
"ومن أكون أنا؟"
"من تكون؟ أنت الدوق الوسيم والقدير! ولكن حقاً، أليس لديك اهتمام بالآنسة كريستين أو ليزلي؟ يمكنني التوسط لك إن أردت."
"من المؤكد أن هؤلاء السيدات سيجدن نصيباً أفضل، رجلاً أرقى من شخص جاف مثلي."
كان رداً ينم عن التواضع، لكن ألبرت فسره على أنه استعلاء يقول: "كيف تجرؤ على عرض هؤلاء النسوة عليّ؟". كتم غيظه وقال:
"لا تحكم مسبقاً، فالأقدار لا تُعرف. على أية حال، فلنحتسِ نخباً قبل أن نفترق. هيا، ارفعوا كؤوسكم!"
قبل سيدريك رفع كأسه رغبةً في التخلص من هذا الجمع المزعج.
"سُعدت بلقائكم. أتمنى لكم وقتاً ممتعاً."
"في صحتك!"
قرعوا الكؤوس وشربوا جميعاً. عندما تأكد ألبرت أن كمية الشراب في كأس سيدريك قد نقصت بشكل ملحوظ، استرخى توتره وبدأ بسحب أصدقائه بعيداً.
"هيا بنا، لا ينبغي لنا احتكار وقت هذا الرجل المشغول. لنذهب."
بدت وجوههم حزينة للفراق، لكن دواخلهم كانت تعج بمكر مظلم.
’لقد وضعنا خلاصة 〈أنجيليك〉 بتركيز أقوى بعشر مرات من النسخة التجارية. حتى جرعة واحدة منها كفيلة بجعله يفقد السيطرة.‘
لو شرب الكأس كاملاً لربما تصرف كالكلب الهائج أمام الجميع، لكن ألبرت قرر ألا يطمع كثيراً. اقترب من ليزلي وهمس:
"المكان هو الدفيئة الزجاجية للورود في عمق الحديقة الخلفية. تعرفينها؟"
"بالطبع."
"سأقود الناس إلى هناك بعد عشر دقائق، فجهزي المسرح حتى ذلك الحين."
"لا تقلق.. سأجعل دوق كايلاس يتعرى أمام أعين الجميع."
تبادلا ابتسامة ذات مغزى واختفيا.
بمجرد مغادرة ألبرت ورفاقه، اختفت ابتسامة سيدريك وحلت مكانها نظرة حادة تتبع أثرهم.
’سمعتُ أنه بدأ يحقق أرباحاً من قطاع الأدوية مؤخراً، لكن يبدو أن حثالة البشر الذين يرافقهم أصبحوا أسوأ حالاً.‘
عيون ذابلة، هندام مبعثر، لسان سليط، وضحكات مبتذلة؛ كانت كلها صفات يمقتها سيدريك بشدة. حتى إنهم كانوا يتحدثون عن رفيقاتهم وكأنهن فتيات ليل. بالنظر لنظراتهن الإغوائية ومحاولاتهن الاحتكاك به، بدا أن ذاك الوصف ليس بعيداً عن الحقيقة. أراد سيدريك أخذ رشفة أخرى من الشمبانيا لكنه تراجع وغير الكأس؛ فلم يرغب في لمس الكأس التي قرعها مع ألبرت مجدداً. وبينما كان يرتشف من الكأس الجديدة، جال بنظره في القاعة بحثاً عن تلك المرأة ذات الفستان الوردي والشعر الكستنائي الداكن.
’أهي في الشرفة الآن؟ ما الذي تحاول صيده هناك حيث لا يوجد أحد؟‘
كانت شريكته الماكرة، هارييت، تتنقل بنشاط في أرجاء القاعة الفسيحة. ورغم محاولتها أن تبدو عفوية، إلا أن سيدريك الذي كان يراقبها منذ البداية أدرك نواياها بوضوح؛ كانت هارييت تجمع المعلومات.
’يا ترى، هل التقطت شيئاً مفيداً؟‘
ابتسم سيدريك وارتشف مجدداً. ظن أنه يشرب الشمبانيا نفسها، لكنه شعر بحرارة غريبة تسري في جسده، وكأن الخمر أقوى مما عهد.
"أوه... هل سكرتُ بسرعة؟"
تساءل للحظة، لكنه سرعان ما أدرك أن الشعور يختلف عن السكر. لم يكن دواراً في المعدة، بل كان خفقاناً مضطرباً في الصدر وتسارعاً في نبضات القلب. بدأت أطراف أصابعه ترتجف، والأهم من ذلك، شعر بحرارة لافحة تندلع من أعماقه وكأن أحداً أشعل في جسده ناراً. أدرك أن ثمة خطباً ما، فوضع الكأس، لكن رأسه بدأ يدور واجتاحه شعور غريب لم يألفه قط؛ حالة من الذهول تكاد تفقده الوعي، وشعور بخفة في قدميه وكأن الأرض تميد به، مع وخزات غريبة تسري في عروقه.
’ما هذا؟ سُم؟ منشط؟ متى حدث هذا؟ ومن الفاعل...؟‘
تزاحمت الأسئلة في ذهنه، لكنه لم يملك يقيناً الآن. حاول التزام الهدوء ومسح المحيط بنظره؛ وبما أن الناس لا يجرؤون على الاقتراب منه ما لم يبادر هو، لم يلحظ أحد حالته غير الطبيعية بعد. لكنه كان يعلم أن انكشاف أمره مسألة وقت ليس إلا. حاول التفكير في حل، لكن ذهنه كان يتشوش تدريجياً، ولم يبقَ واضحاً فيه سوى فكرة واحدة: لا يجب أن يراه أحد في هذه الحالة المزرية.
’يجب... أن أغادر... من هنا... فوراً...‘
بحث بغريزته عن مخرج، فلمح ما يشبه كومة من الزهور الوردية تخرج نحو الباب المؤدي للحديقة الخلفية. ودون تفكير، اتجهت قدماه نحو ذاك الاتجاه. حاول أن يبدو طبيعياً، لكنه لم يكن واثقاً من نجاحه. وفجأة، شعر بشيء يرتطم بذراعه اليسرى.
ترجمة~ زينب