الفصل 80
"يا إلهي! آه، إنه دوق كايلاس!"
هتف النبيل المسن الذي اصطدم به سيدريك وهو يلقي التحية.
’يبدو أنني لم أعد أقوى حتى على توازن جسدي.‘
ابتلع سيدريك ريقه بصعوبة ورسم ابتسامة باهتة، ثم واصل سيره قبل أن يفتح الرجل حديثاً آخر. وبينما كان يقترب من الباب المؤدي للحديقة الخلفية، شعر بشيء يلتف حول ذراعه كالأفعى. أدار رأسه ببطء ليرى امرأة بشعر أسود وبشرة بيضاء شاحبة. لم تكن ملامحها واضحة في نظره المشوش، لكن شيئاً واحداً برز بوضوح غريب: شفتاها القرمزيتان الصارختان. وبينما كان يحدق فيها بذهول، تحركت تلك الشفاه الهامسة:
"لا داعي للمقاومة."
المقاومة ضد ماذا؟
تساءل سيدريك وهو يراقب انحناءة شفتيها المغوية. وكأنها قرأت أفكاره، همست مجدداً:
"سأجعلك تشعر بالراحة."
أشعر بالراحة بالفعل، فما الذي تنوي فعله أكثر من ذلك؟
"اتبعني."
لم تكن قبضتها قوية، ومع ذلك لم يجد في نفسه القدرة على المقاومة، فانقاد خلفها. ومن حسن حظه – أو ربما سوئه – أن الاتجاه الذي قادته إليه كان هو نفسه الذي أراد الذهاب إليه: حديقة عائلة لوريل الخلفية. ورغم المصابيح المنتشرة، إلا أن زوايا الحديقة حيث تشكل الأشجار جدراناً طبيعية كانت غارقة في الظلام، وكان العشاق ينتهزون هذا السكون لتبادل الهمسات واللقاءات السرية.
’لماذا أردتُ المجيء إلى هنا أصلاً؟‘
تذكر أنه كان ينوي المجيء للحديقة حتى قبل أن تقتاده هذه المرأة، لكن السبب غاب عن ذهنه. ربما كان ملمس صدرها الذي يحتك بذراعه هو ما شتت تركيزه؛ كان شعوراً لزجاً وغريباً. كانت يدها تداعب ساعده باستمرار، ورغم أنه كان يجدر به الشعور بالنفور من هذا التطفل على جسده، إلا أن شعوراً غامضاً بالترقب بدأ يتصاعد في أعماقه.
"هناك مكان هادئ في ذاك الجانب."
تبِعها حيث تقوده، فاستنشق عبير ورد دافئ يفوح بخفة. انتابه الشك رغم ذهنه المخدر:
’ألسنا في فبراير؟ لماذا تفوح رائحة الورد الآن؟‘
بدا وكأن عقله وجسده في عالمين منفصلين. وبينما كان الجزء الضئيل المتبقي من عقله يتساءل عن "رائحة الورد في فبراير"، كان جسده يترنح بشكل يثير الريبة. وفي اللحظة التي ترنح فيها وانحنى بجسده، لفت المرأة ذراعيها حول عنقه.
"داخل الدفيئة الزجاجية، يمكننا الاستمتاع بلعبة مثيرة دون أن يزعجنا أحد. هيا، أسرع."
لم يفهم كلمة واحدة مما تقوله، لكنه كاد يتبعها. بل كاد يفعل ذلك لولا أنه أدار رأسه في محاولة أخيرة للمقاومة، ولولا أن طرف فستان وردي قد لمحته عيناه في تلك اللحظة. حينها، تسمرت نظراته على "الهدف" الذي وجده أخيراً.
"اتركيني..."
أبعد يد المرأة التي كانت تمسك بذراعه ببطء، بينما ظلت عيناه تلاحقان ذاك الفستان الوردي في المدى البعيد.
"سيدريك؟"
دفع المرأة التي تجرأت على نطق اسمه بتبذل، وأسرع يطارد ذاك الخيال الوردي الذي كان يختفي خلف الشجيرات المظلمة. لم يكن يدري إن كانت قدماه تطاوعانه حقاً؛ كانت خطواته تبدو غير طبيعية، لكن ذلك لم يكن يهمه.
’لا تذهبي.. انتظري.‘
كانت الرغبة العارمة في الإمساك بذاك الضوء المتلاشي هي ما تدفعه للركض في أعماق الحديقة الخلفية.
’هل توغلتُ كثيراً في الداخل؟‘
جالت هارييت بنظرات قلقة في الأرجاء التي بدأت تزداد عتمة. لقد خرجت للحديقة لتستنشق بعض الهواء بعد أن أنهت "مهمة" استعادة سمعة فيفيانا، لكن خطتها للجلوس والراحة لبرهة قد أفسدتها تلك الأصوات المحرجة التي كانت تنبعث من كل زاوية للقاءات السرية. حاولت تجنب إزعاج العشاق، لتجد نفسها في النهاية قد وصلت إلى عمق الحديقة.
’هنا يسود الهدوء، رغم البرد.‘
وصلت هارييت إلى مقصورة حجرية صغيرة (Gazeebo)، فأرهفت السمع للتأكد من خلو المكان، ثم زفرت براحة وجلست على الحافة. كان شتاء الإمبراطورية معتدلاً مقارنة بالدول الأخرى، وبمجرد انتهاء شهر يناير تصبح الرياح أرقّ، لكن الجو لا يزال قارساً. كان قرار خروجها بوشاح الدانتيل قراراً صائباً.
’لو بقيتُ هنا طويلاً سيتجمد وجهي. سأجلس لدقائق فقط ثم أعود.‘
كان البقاء في مكان بعيد كهذا عن قاعة الاحتفالات قد يبدو مريباً، لكنها كانت متوترة منذ بداية الحفلة، وأرادت أن تتنفس بحرية بعيداً عن أعين الناس. فمنذ ثلاث ساعات وهي تحافظ على استقامة ظهرها، وتراقب حركات أصابعها، وتضع قناع الابتسامة الرسمية. تحققت هارييت من محيطها مجدداً، ثم مدت يدها خلف ظهرها لترخي عقدة الشريط المشدودة بقوة.
"آه.. يا ظهري! هكذا أشعر بالراحة أخيراً."
استندت هارييت بجسدها إلى أحد الأعمدة الحجرية للمقصورة. كان العمود بارداً، لكنها لم تكن مستعدة للتخلي عن هذه الوضعية المريحة.
"غداً، لن أغادر السرير حتى وقت الغداء."
وبينما كانت تهمس بخطتها الجوهرية، سمعت فجأة صوتاً خفيفاً لخطوات تدوس على العشب، فوثبت واقفة. ورغم أن أضواء القاعة كانت تلوح من بعيد، إلا أنها شعرت بالتوتر لعلمها أن أحداً لن يسمع صراخها إن استغاثت. وبينما كانت متجمدة، غير قادرة على اتخاذ قرار بالهرب أو الاختباء، بادرت الشخصية الأخرى بالتحية بصوت منخفض وكأنه توقع خوفها:
"أعتذر لأني أفزعتكِ. أنتِ الآنسة هارييت، أليس كذلك؟ أنا تيز روارك.. هل تذكرينني؟"
تيز روارك؟
بعد البحث في سراديب ذاكرتها المظلمة، تماماً كما فعلت مع جوليان فيس، استطاعت هارييت تذكر الاسم. إنه الرجل الذي كان يأتي للقصر حاملاً باقات ضخمة من الورد في الأيام التي كانت بيلا تلهو فيها بعبث في الحفلات التنكرية. رجل يتمتع بملامح جذابة، قامة فارعة، وبنية قوية؛ الابن الثاني لعائلة الكونت روارك. المغوي الذي تلاحقه الشائعات بأنه لا توجد امرأة تستطيع مقاومته. زادت شهرة بيلا حينها بأنها هي الوحيدة التي رفضته، بينما وُجهت أصابع الاتهام لهارييت بأنها هي من انتحلت شخصية بيلا لتتقرب منه. رغم أن الحقيقة هي أن إغواء تيز لم يفشل قط.
’لو كان هذا الرجل هو الابن الأكبر لعائلة روارك، لما كذبت بيلا بشأنه.‘
بدا تيز، الذي كان يدعي التحرر والعبث، صادقاً في تلك الفترة؛ إذ قيل إن بيلا كانت المرأة الوحيدة التي أراد الارتباط بها رسمياً. لو تزوجت بيلا حينها، لما عانت هارييت من مضايقاتها الطويلة. استرجعت هارييت تلك الذكريات المريرة وأجابت بابتسامة باهتة:
"نعم، أذكرك. أنت الرجل الذي قيل إنه التقى بي في الحفلة التنكرية."
رد تيز بضحكة قصيرة واقترب منها قليلاً:
"لقد أردتُ رؤيتكِ بشكل منفصل منذ مدة، لكن الفرصة لم تكن مواتية."
"وهل لدى السيد سبب يدعوه للقائي؟"
"شعرتُ أنه يجب عليّ لقاؤكِ مرة واحدة والاعتذار عما حدث حينها."
صبغت نبرة صوته مسحة من المرارة.
"أعلم أن اعتذاري قد جاء متأخراً جداً، لكني آسف لأني لم أصرح بأن بيلا هي من قضت تلك الليلة معي وليست أنتِ. في ذلك الوقت، كنتُ مجروحاً من تجاهل بيلا لي وادعائها عدم معرفتي، فلم ألتفت للألم الذي قد يلحق بكِ."
"لحظة واحدة.. هل تقصد أنك كنت تعلم منذ البداية أن بيلا هي من كانت في الحفلة التنكرية وليست أنا؟"
"وكيف يخطئ الرجل في المرأة التي شاركها أنفاسه؟ العطر، الصوت، ونظرة العين.. كل شيء كان مختلفاً."
حمدت هارييت ربها أن الدنيا ليل؛ فلو كان النهار ساطعاً، لظهرت عيناها المتسعتان وهي تذرف دموع القهر.
"كنت تعلم.. ومع ذلك، تركتني أحني رأسي أمامك وأنا أعتذر؟"
"أنا آسف.. لقد كنتُ أحمق."
اعتذر تيز مجدداً، وحنى ظهره بشدة كما فعلت هارييت له ذات يوم حين كانت مجبرة على طلب الصفح منه. كان من الصعب الاستمرار في الغضب من شخص يفعل ذلك، لكن الغفران لم يكن سهلاً أيضاً.
"هاه.. سأقبل اعتذارك، لكن لا تطلب مني مسامحتك الآن."
"بالطبع. أردتُ الاعتذار فقط، لا إجباركِ على الغفران. ولكن..."
رفع ظهره وأمال رأسه قليلاً، ثم همس وكأنه يقدم عرضاً سرياً:
"إذا كنتِ ترغبين في الانتقام من بيلا على ما فعلته حينها، سأكون سعيداً بمساعدتكِ."
ضاقت عينا هارييت وهي تحدق فيه. كانت الغيوم التي تحجب القمر تتلاشى ببطء، لكن المكان لا يزال مظلماً، مما جعل من الصعب قراءة نواياه الحقيقية. شيء واحد كانت متأكدة منه: أن الرجال الذين لاحقوا بيلا جميعهم فقدوا صوابهم.
"تساعدني في الانتقام من امرأة كنتَ تحبها يوماً؟ هل تتوقع مني تصديق ذلك؟"
"لقد كنتُ أنا أيضاً ضحية لتلك الحادثة. أليس من الطبيعي أن يتعاون الضحايا معاً؟"
"ضحية؟ آهاها!"
لم تملك هارييت إلا أن تنفجر بالضحك. فرغم أن البشر بطبعهم أنانيون، إلا أن تجرؤ هذا الرجل على استخدام كلمة "ضحية" أمامها – وهي التي عوملت كعاهرة بسبب صمته – كان أمراً يفوق التصديق.
"لقد ظننتُ يوماً أنك ضحية فعلاً. لكن الآن، أراك مجرد معتدٍ آخر. أخبرني، ما هو الضرر العظيم الذي أصابك لتعتبر نفسك ضحية؟"
"ذاك هو…"
ترجمة~زينب