الفصل 81
"هل آلمك إلى هذا الحد أن يسخر الناس منك لأنك وقعت في شباك 'هارييت القبيحة'؟ كان عليك أن تنطق إذاً.. أن تقول إنها كانت بيلا! أن بيلا هي من كذبت!"
"......."
"لقد أتيحت لك فرص لا تحصى لتصحيح الخطأ، لكنك اخترت الصمت بمحض إرادتك. من يفعل ذلك ليس ضحية، بل هو شريك في الجريمة."
أطرق تيز رأسه وكأنه لم يجد كلمات يداري بها خجله؛ فكل ما قالته هارييت كان حقيقة لا غبار عليها. وفي النهاية، لم يملك إلا الاعتذار مجدداً:
"لقد كنتُ مغروراً.. أنا آسف."
كادت هارييت أن تقذفه بوابل من الشتائم، لكنها كظمت غيظها وأطبقت على أضراسها بقوة؛ فصب الغضب على شخص اعترف بخطئه لن يكون سوى تفريغ انفعالي في غير محله.
"حسناً، فهمت.. لذا أرجو منك أن تستمر في التظاهر بعدم معرفتي كما كنت تفعل دائماً. لا رغبة لي في بناء أي نوع من العلاقات معك."
"آنسة هارييت.."
"فقط اتركني وشأني!"
وفي تلك اللحظة، انبعث صوت غريب تماماً عن المكان:
"يبدو أن السيدة لا ترغب في استمرار الحديث، فما رأيك في الانسحاب كجنتلمان، لورد روارك؟"
التفت الاثنان بذعر نحو الرجل الواقف تحت ضوء القمر. وبالطبع، كانت هارييت تعرف صاحب هذا الصوت منذ النبرة الأولى.
’سيدريك كايلاس؟‘
بدا شاحباً يميل للزرقة تحت بريق القمر. ارتبك تيز وهز رأسه نافياً:
"هذا سوء فهم! كنتُ فقط أعتذر لها عما سلف."
"لقد التقطتُ بعض الكلمات وأنا مارّ من هنا ولا أدري ما التفاصيل، لكن الحديث في مكان مظلم ومنعزل كهذا، ومهما كان محتواه، لا يمكن للسيدة إلا أن تشعر بأنه إكراه، أليس كذلك؟"
حاول تيز التوضيح مرة أخرى، لكن هارييت قطعت عليه الطريق:
"لورد روارك! أعترف أنني كنتُ منفعلة زيادة عن اللزوم. ربما نتحدث في وقت آخر، لكن ليس اليوم حتماً."
"مفهوم، أيتها الآنسة. إذاً، نلتقي في فرصة أخرى."
انحنى بتورع، وجال بنظره بين سيدريك وهارييت بارتياب قبل أن ينسحب. لم ينطق سيدريك أو هارييت بكلمة حتى تلاشت أصوات خطواته تماماً. وعندما ساد السكون، تقدم سيدريك نحو هارييت خطوة تلو الأخرى.
"يبدو أنني أصادف كثيراً مشاهد لقاءاتكِ السرية مع رجال آخرين."
"وأنا أيضاً أتعجب.. فكلما كنتُ أتحدث مع أحدهم، تظهر أنت فجأة."
كانت دهشة هارييت بظهور سيدريك تفوق دهشتها بظهور تيز؛ فتيز تتبعها لهدف معين، أما سيدريك.. فكيف انتهى به المطاف هنا؟ والأدهى من ذلك، أنه بدا مختلفاً تماماً عما كان عليه قبل قليل. كانت نظراته التي تخترقها بجسارة تثير القشعريرة في نفسها، وبدا التفكير في ذلك وقاحة منها، لكنها لم تستطع إنكار شعورها. هزت كتفيها محاولة طرد التوتر:
"على أية حال، لم أكن أرغب في إطالة الحديث معه، شكراً لأنك طردته.. رغم أن لورد روارك ليس من النوع الذي يتجاوز حدوده."
ضحك سيدريك بسخرية بدت مشحونة بالانزعاج:
"وهل تثقين في شهامة الرجال؟"
"لا تظن أنك الجنتلمان الوحيد في هذا العالم، دوق كايلاس."
"وإياكِ أن تظني أنني لا يمكن أن أكون غير ذلك، آنسة هارييت."
ومع تلك الكلمات، اندفع سيدريك نحوها بغتة. لقد كان حقاً مختلفاً عن المعتاد؛ فبرغم هالاته الغامضة أحياناً، لم يسبق له أن رماها بنظرات بدائية جامحة كهذه.
"سيادة الدوق؟"
تراجعت هارييت لا إرادياً. وسيدريك، الذي كان يلحظ توترها وحذرها في العادة، بدا اليوم وكأنه يتعمد تهديدها؛ إذ اقترب حتى التصق بها ووضع يده على وجنتها. وفي تلك المسافة القريبة التي سمح فيها ضوء القمر الهزيل برؤية ملامحه بوضوح، أدركت هارييت أن سيدريك ليس في حالته الطبيعية.
"سيادة الدوق! ما بك؟ أنت تبدو غريباً الآن."
"أنا؟"
"نعم! استعد وعيك أرجوك!"
أمسكت هارييت بذراعه وهزته بقوة، لكن وجهه كان يزداد قرباً منها.
"لا أدري كيف أستعيد وعيي.. لكني أظن أنني أعرف طريقاً يجعلني أشعر بالراحة."
بدأ قلب هارييت يخفق بعنف دون إذن منها أمام صوته ونظراته التي بدت وكأنها إغواء متعمد. وفي تلك اللحظة، تناهت أصوات من بعيد:
"هل أنت متأكد أننا في الطريق الصحيح؟"
"ليس هناك طريق آخر يسلكه الدوق سوى هذا."
تصلب ظهر هارييت عند سماع كلمة "الدوق"؛ يبدو أن هؤلاء القادمين يبحثون عن سيدريك. وبينما همت بالتلويح لهم ليأخذوه، تجمدت مكانها عند سماع الكلمات التالية:
"ذاك الكلب المسعور الهائج لن يبتعد كثيراً."
إذا كانت هارييت قد سمعت ذلك، فلا بد أن سيدريك قد سمعه أيضاً، لكنه ظل يحدق فيها بعينين مسحورتين. وحين ربطت بين حالة سيدريك الغريبة وكلمة "الكلب الهائج"، قفز إلى ذهنها ذاك "الدواء الذي يحسن المزاج" الذي كان الجميع يتهامس عنه في الحفلة. لم تكن متأكدة، لكن لكي يتحول سيدريك الرزين إلى هذه الحالة في وقت قصير، لا بد أن "العقار" هو السبب.
’إذا رآه أحد بهذا المنظر، فستدمر سمعته تماماً...!‘
وعندما وصل تفكيرها إلى هذه النقطة، نزعت هارييت وشاحها الذي كان يلف كتفيها ووضعته فوق رأسها ورأس سيدريك ليغطيهما معاً.
"ما الذي تعنينه بهذا؟"
ارتسمت على وجه سيدريك ابتسامة تترقب شيئاً ما، وضم هارييت إلى صدره. حاولت دفعه وهي تهمس بسرعة:
"سيدريك كايلاس! استيقظ واسمعني جيداً. لا تنطق بكلمة وابقى ساكناً كما أفعل. أتفهم؟"
"لا أريد."
"هل أنت في سن المراهقة؟ هل هذا وقت التمرد؟"
ضحك سيدريك بخفة، فوكزته هارييت في ذراعه بقوة وأمسكت بتلابيب قميصه:
"قلتُ لك اصمت!"
وفي تلك الأثناء، كان الباحثون عن سيدريك يقتربون أكثر فأكثر. كانت هارييت تركز بكل حواسها على وقع أقدامهم التي تدوس العشب الجاف، بينما لم يستطع سيدريك إزاحة عينيه عن شفتيها الرطبتين أمامه.
’قالت لي أن أبقى ساكناً.. هل يمكنني التحرك قليلاً؟ هل ستغضب؟‘
انتابته رغبة مفاجئة في الضحك. وبما أنها أمرته بالصمت، لم يصدر صوتاً، لكنه اقترب من وجهها بابتسامة هي الأكثر سعادة في حياته. لامست شفتاه شفتيها بخفة، فشعرت بدوار من ذاك الملمس الناعم المفاجئ.
’آه.. يبدو أنني كنتُ أبحث عن هذا طوال الوقت.‘
شعر بجفاف في حلقه. هذه الشفاه التي تلامسه لا بد أنها رقيقة، مرنة، ورطبة.. ربما تكون حلوة المذاق لدرجة الذوبان.
’قليلاً بعد.‘
أسند رأس هارييت بيده الكبيرة وحاول تقبيلها، لكنها أمالت رأسها، فانتهى به الأمر يداعب عنقها الناعم ومنطقة أذنها بشفتيه. وفي تلك اللحظة...
"آه.. أوه..!"
أطلقت هارييت أنيناً لا إرادياً بسبب ملامسة شفتي الرجل لتلك المنطقة الحساسة. ومع ذاك الصوت الرخيم، استنفرت كل أعصاب سيدريك، وشعر بألم لذيذ يسري في عموده الفقري من شدة الإثارة.
"سيدريك.. هاه.. انتظر لحظة...!"
أحب سماع اسمه بصوتها. ورغم يدها التي تحاول دفعه، إلا أنه ضمها إليه بكل قوته، شاعراً بالامتنان لكونها بين يديه. كان حضن هذه "الزهرة الوردية" التي أمسك بها أخيراً أدفا وأحلى مما تخيل. أراد أن ينسى كل شيء ويغرق في هذا الشعور، لكن لِمَ تصر هذه المرأة التي تشبه بشير الربيع على دفعه بعيداً؟
"لا تذهبي.. ابقي معي."
"لا يمكن.. هناك أشخاص...!"
لم يستطع سيدريك منع نفسه، فأطبق بشفتيه على شفتيها اللتين كانتا تحاولان منعه.
"أممم...!"
وعندما ترك لها مجالاً لتتنفس بعد أن ابتلع أنفاسها، بدأت تلهث كغريق خرج للتو من الماء. شعر بالأسف تجاهها، لكنه لم ينوِ تركها ترتاح طويلاً. عاود تقبيلها ببطء وهدوء، ينسحب قليلاً ثم يعود كالأمواج الهائجة، يداعبها ويغويها حتى بدأت شفاه هارييت المتصلبة تنفتح تدريجياً لتستقبله في النهاية. ويا لها من نشوة غمرته حين توقفت يدها عن دفعه وبدأت تمسك بكتفيه برقة!
’هذا رائع.. رائع جداً.‘
بدا وكأن عقله قد أصابه العطب؛ فلم يعد هناك مجال للتفكير العقلاني، وكل ما أراده هو تمزيق رابطة عنقه وخلع ملابسه المزعجة أراد ملامسة بشرتها والاندماج معها كما تمليه عليه غريزته.
"هاه.. هاه..!"
وعندما ابتعدت الشفاه، استنشقت هارييت الهواء بعجلة. أمسكت بملابسه بقوة وابتلعت ريقها، ثم هزت رأسها بصعوبة:
"هـ.. هذا لا يجوز."
ترجمة؛ - زينب