الفصل 82

"لماذا لا يجوز؟ أنتِ أيضاً ترغبين في ذلك."

نظرات حالمة، ونبرة صوت فاترة مفعمة بالخدر.

شعرت هارييت وكأنها هي الأخرى على وشك أن تفقد صوابها. لطالما سمعت أن القبلة الأولى غالباً ما تنتهي بالإخفاق، لكنها لم تتخيل قط أن تكون بمثل هذا السحر. وبصراحة، كانت تود لو تتظاهر بالجنون وتنجرف مع تيار سيدريك. إلا أن صوت الخطوات التي تزداد قرباً كان يشد حبل عقلها الأخير بكل قوة.

"هناك أناس قادمون!"

هل كان ذلك بسبب نبرة الاستغاثة الملحّة في صوتها اللاهث، أم لأن رغبته المتأججة قد ارتوت ولو قليلاً؟ توقف سيدريك عما كان يفعله، وبدأ يحرك عينيه ببطء ليتفحص نفسه وما حوله.

’الوضعية تبدو غريبة بعض الشيء...‘

كانت هارييت تمسك بوشاحها بيد واحدة لئلا ينزلق، بينما تدفعه باليد الأخرى. أما هو، فكان ملتصقاً بها لدرجة أن الجزء العلوي من جسدها كان منحنياً للخلف بشدة. طوال سنوات حياته، لم يسبق له أن وضع نفسه في مثل هذا الموقف المريب الذي لا يليق إلا بالأوغاد. وفقط عندما وصل تفكيره إلى هذه النقطة، أدرك أن ثمة خطباً ما أصابه.

"لماذا..."

طفت علامات استفهام لا حصر لها في ذهنه، لكنه لم يجد سؤالاً واحداً يستطيع النطق به. ببساطة، لم يستوعب الموقف برمته. رفع سيدريك رأسه ببطء ونظر عبر ثقوب وشاح الدانتيل إلى الخارج. كان هناك عدة أشخاص يحومون في مكان قريب. وبالنظر إلى العرف السائد الذي يقتضي الابتعاد عن أي رجل وامرأة يستمتعان بلقاء سري، بدا تصرف هؤلاء مريباً للغاية.

"لا تنطق بكلمة وابقَ ساكناً. سأتولى أنا الأمر."

تركت هارييت هذه الكلمات الغامضة وخرجت وحدها من تحت الوشاح. ثم وجهت حديثاً حاداً مشوباً بالاستياء نحو الرجال الذين كانوا يختلسون النظر:

"لا أدري لِمَ تتجولون في جماعات هكذا، ولكن هل يمكنكم الانصراف من هنا؟"

عندما أدركوا أنها هارييت ليسترول، بدا عليهم الذهول للحظة، ثم نظروا خلسة إلى الرجل الذي كان يقودهم. تنحنح ذلك الرجل بإحراج:

"إحم! أعتذر، ولكن ألم يمر سيدريك من هنا؟"

"من تقصد؟"

"سيدريك.. أعني دوق كايلاس."

"لا أدري. وحتى لو مر من هنا، ألا يقتضي الذكاء والذوق أن يتجنب مكاني هذا؟ على الأقل هو يمتلك ذلك القدر من اللياقة، بخلاف البعض."

بسبب قوة اندفاع هارييت وكلامها اللاذع، تراجع الرجل بابتسامة مرتبكة، لكنه حاول رغم ذلك استراق النظر لملابس الرجل المتواري خلف الوشاح. ومع ذلك، كان من المستحيل رؤية سيدريك المحجوب بوشاح الدانتيل الفاخر وطبقات الفستان الواسعة، خاصة وأن المكان كان غارقاً في العتمة. لم تخفِ هارييت انزعاجها قائلة:

"ماذا تفعلون الآن؟ لقد أفسدتم الأجواء تماماً."

"أعتذر بشدة. لقد اختفى سيدريك وكنا نبحث عنه."

"ابحثوا عنه في مكان آخر. لا يزال لدي الكثير لأفعله مع أميري هنا."

"ها.. هاها. أجل، حسناً... ليلة سعيدة."

أطلقت هارييت "تسكُّعاً" غاضباً بلسانها خلف ظهر الرجل المنصرف مع مجموعته، ثم عادت لتختبئ داخل الوشاح. كان الفضاء تحت وشاح الدانتيل، الذي بالكاد يغطي جزءهما العلوي، عالماً منفصلاً تماماً عن الخارج. انتظرت هارييت في تلك الوضعية، وكأنها ترتمي في حضن سيدريك، حتى تلاشت آثار خطواتهم تماماً.

هبّت نسمة ريح.

ابتلعت هارييت ريقها، ثم ابتعدت ببطء عن سيدريك وأنزلت الوشاح.

"هل... أنت بخير؟"

لم تكن واثقة إن كان هذا السؤال مناسباً للموقف، لكن كان عليها أن تنطق بأي شيء لكسر الصمت. ولحسن الحظ، بدا أن بريق عيني سيدريك قد بدأ يعود تدريجياً بعد أن كان مسحوراً قبل قليل. ومع ذلك، كان يحرّك شفتيه بتردد كمن لا يجد الكلمات، مما أوحى بأن مفعول الدواء لم يزل تماماً. اقتربت هارييت لتصلح هندامه المبعثر وهمست:

"هل تناولت عقاراً ما؟"

"عقار...؟"

"حالتك تبدو هكذا تماماً. لا تفوح منك رائحة خمر قوية لكي أقول إنك سكران."

اضطربت نظرات سيدريك وتاهت في الفراغ. قامت هارييت بتمسيد شعره الذي تبعثر عندما وضعت الوشاح برقة:

"أتعرف هؤلاء الناس؟ كانوا يبحثون عنك، ولا يبدو أن نواياهم كانت طيبة. بدا وكأنهم يعرفون أنك واقع تحت تأثير العقار."

عند سماع ذلك، بدأت الغيوم التي غطت ذهنه تتبدد شيئاً فشيئاً. أخذت شظايا الذاكرة المبعثرة تعود لمكانها ببطء، مما منحه رؤية موضوعية لما جرى: الخمر، الشعور الغريب المفاجئ، المرأة ذات الشفاه القرمزية، رائحة الورد، طرف الفستان الوردي المتلاشي، هارييت ليسترول، القبلة، الأنفاس المتسارعة، ثم القبلة مرة أخرى.

’ما الذي فعلته...‘

شعر بأن وعيه يترنح مجدداً أمام هذه الحقيقة المتأخرة. تمنى لو كان كل ذلك مجرد حلم، أو مجرد احتلام يراود صبياً في سن المراهقة. لكن وجود المرأة التي تحاول جاهدة تفحص ملامحه أمام عينه ظل يذكره بأن هذا هو الواقع بعينه.

"هل هم غرباء بالنسبة لك؟"

أغمض سيدريك عينيه بقوة محاولاً كبح مشاعر الخزي أمام صوتها الحيوي الذي يسأله مجدداً، ثم أجاب ببطء:

"ألبرت كينغسلي."

"نعم؟"

"ابن عمي."

عند سماع الإجابة، بدا وكأن الكلمات قد عجزت عن الخروج من فم هارييت، بينما شعر سيدريك أن كل الألغاز قد حُلّت.

’يسقيني منشطاً جنسياً ثم يقود الناس لرؤية منظري المخزي ليفضحني...؟‘

أطلق ضحكة ساخرة خافتة.

"يقولون إنه دخل قطاع الأدوية مؤخراً، ويبدو أن الدواء الذي يصنعه ليس سوى...!"

اتسعت عينا هارييت وكأنها تذكرت شيئاً:

"هل الدواء الذي تصنعه شركته يسمى 〈أنجيليك〉؟"

"أظن أنه كان بهذا الاسم التافه."

"وابن عمك هو من سقاك إياه؟"

"على الأرجح."

كان يتوقع أن يدبر ألبرت مكيدة ما، لكنه لم يتخيل أبداً أن يخطط لشيء بهذا الخبث والوضاعة. لم تستطع هارييت هي الأخرى إخفاء ذهولها:

"لقد سمعتُ في قاعة الحفلة أن دواء 〈أنجيليك〉 هذا مشهور بكونه ’دواء يحسن المزاج‘. يستخدمه من يعانون من الاكتئاب، لكن يبدو أنه يُستخدم غالباً لأغراض فاجرة."

أومأ سيدريك برأسه وكأنه حصل على تأكيد لظنونه. ورغم ارتياحه لمعرفة ملابسات ما جرى، إلا أن المشكلة لم تنتهِ تماماً؛ فمفعول الدواء الذي هدأ قليلاً بدأ يتصاعد مجدداً. حاول ألا ينظر لهارييت الواقفة أمامه، لكن عينيه خانتا إرادته وظلتا تتفحصان شفتيها، أرنبة أنفها، وعنقها، بينما كان يبتلع ريقه باستمرار. لاحظت هارييت أن نظراته بدأت تصبح غريبة مرة أخرى، فربتت على وجنته بخفة دون ألم:

"سيكون منظرك مخجلاً، لذا ابقَ مختبئاً هنا. سأرسل أحداً لاستدعاء السيد إدغار دوسن."

دفعته هارييت خلف شجيرات الزينة القريبة من المقصورة، ثم ركضت باتجاه القاعة.

’لا تذهبي يا هارييت. استدعي الحراس بدلاً منه. إدغار لا...‘

فإدغار سيظل يسخر منه بسبب هذا الموقف لعشر سنوات قادمة. لكن الكلمات التي صرخ بها ذهنه لم تخرج من فمه. شعر فقط بدوار شديد يلفه وكأن الدنيا تدور به، وغلب عليه نعاس ثقيل. أطبق قبضته بقوة لكي لا ينام. وبعد قليل، شعر بشخص يهزه، وعندما فتح عينيه، وجد إدغار أمامه مباشرة.

"هل أنت بخير يا سيدريك؟"

"إدغار...؟ كيف وصلت بهذه السرعة..."

بدا إدغار مضطرباً ومرتبكاً على غير عادته.

"منذ متى وهو على هذه الحال؟"

"لا أدري. عندما جاء إليّ كان في حالة غريبة بالفعل."

"وهل ألبرت كينغسلي هو من قاد الناس للبحث عنه؟"

"كانت هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها، لكن الدوق قال إنه ألبرت كينغسلي.. ابن عمه."

لم يرق لسيدريك أبداً أن يرى إدغار وهارييت يتحدثان وحدهما هكذا. تذكر كيف كانت هارييت تبتسم وهي تنظر لإدغار عندما كان يرقص مع دافني؛ هل ذوق هارييت يميل لأمثال هذا الرجل؟ رجل يكثر من المزاح واللطف الزائد فتتبعه النساء؟ سيعاني قلبها معه. أليس من الأفضل، لإخماد شائعات "صانعة الفضائح"، أن ترتبط بشخص أكثر رزانة؟ رغم استناده على إدغار، إلا أن مزاجه كان سيئاً للغاية. في تلك اللحظة، قالت هارييت لسيدريك:

"إن لم تكن تنوي الاستمتاع مع أحد، فاشرب الكثير من الماء واذهب للمرحاض. وضع في اعتبارك أن شرب الخمر يزيد من مفعول العقار."

وبعد هذه النصيحة الباردة، انحنت لإدغار برقة وانصرفت أولاً. لم يملك سيدريك إلا أن يودع بعينيه خيال بتلات الورد الوردية وهي تتلاشى من أمامه.

"ألبرت هذا.. إنه جريء بشكل غير متوقع."

أطلق إدغار ضحكة ساخرة وهو يقف بجانب سيدريك الذي كان يجرع الماء باستمرار على أريكة في زاوية منعزلة. أن يجعل دوق كايلاس يقع تحت تأثير عقار في حفلة تعج بالعيون.. هذا بحد ذاته أمر مذهل، فما بالك بقيادة الناس للبحث عنه وفضحه.

"حتى من وجهة نظري، اللحظة الوحيدة التي استطاع فيها تسميمك كانت عندما تجمعوا لإلقاء التحية. لا بد أنه وضع شيئاً في خمرك."

أومأ سيدريك برأسه. بالنظر لإصرار ألبرت على رفع الكؤوس للنخب، كان من المرجح جداً أن العقار كان في الكأس. متى وكيف وضعه؟ لا أحد يعلم.

"هل أنت متأكد أن الدواء هو〈أنجيليك〉؟

ترجمة :- زينب

2026/06/05 · 94 مشاهدة · 1260 كلمة
Hfxbj Hfbmh
نادي الروايات - 2026