الفصل 83
"لا أدري."
أجاب سيدريك باقتضاب وهو يسكب الماء في كأسه مجدداً. كان يتفهم قلق إدغار واضطرابه، فعدم معرفة كمية المادة التي تجرعها أمر يثير الفزع. لكن سيدريك، في قرارة نفسه، كان ممتناً على الأقل لأن ما في الكأس لم يكن سماً زعافاً، ولم يشغل باله كثيراً بهوية العقار. لم يكن يخشى الموت، لكنه كان يعلم أن موته الآن، فجأة ودون وريث، سيعني تحول عائلة كايلاس التي بناها والده بكدّ إلى رماد في طرفة عين؛ لذا لم يكن الموت خياراً متاحاً الآن.
’سيهوج كبير الخدم ويموج مجدداً، وسيصر على فحص كل ما آكله أو أشربه بنفسه.‘
بينما كان يهمّ برفع كأس الماء، داهمه دوار مفاجئ جعل الرؤية تتذبذب أمام عينيه.
"تباً."
تمتم بلعنة خافتة وهو يدلك صدغه بأطراف أصابعه بخفة. بفضل نصيحة هارييت بشرب الكثير من الماء والذهاب للمرحاض، لم يعد ذهنه مشوشاً أو غارقاً في تلك الرغبات المخزية كما كان قبل قليل، لكن كلماته وتحركاته لا تزال ثقيلة وغير متزنة مقارنة بحالته الطبيعية. ظل إدغار ملاصقاً له، يحجب نظرات الفضوليين عنه قدر المستطاع.
"تسك تسك. من حسن حظك أن الآنسة هارييت كانت هناك، لو كانت امرأة أخرى لاندلعت فضيحة مدوية. فمن تراه يرفض سيدريك كايلاس؟"
رد سيدريك على تهكم إدغار بابتسامة ساخرة. كان إدغار محقاً، لكنه كان يجهل أمراً جوهرياً؛ لم يكن من الممكن أن تكون هناك امرأة أخرى في تلك المقصورة غير هارييت. لم تكن هي من وجدت هناك بالصدفة، بل هو من تعقب أثرها وتبعها.
’هل كان لقاؤها بتيز روارك هناك صدفة، أم كان موعداً مدبراً؟‘
لو كان موعداً مع رجل مشهور بفسقه في مكان ناءٍ ومظلم كهذا، لما اكتفيا بالحديث عن الماضي والذكريات. وبما أن هارييت بدت غاضبة، فلا بد أن العلاقة بينهما ليست كما ظن.
’أنا أفكر في ترهات مجدداً.‘
تجرع سيدريك الماء دفعة واحدة. مهما شرب من ماء بارد، لم يستطع طرد طيف هارييت الذي استوطن عقله. لكن، من المفارقات أن امرأة أخرى هي من قامت بهذه المهمة. فبينما غادر إدغار لجلب زجاجة ماء جديدة، تناهى إلى مسامعه صوت مألوف من جانبه:
"سيادة الدوق. لقد اختفيت فجأة فشعرت بالقلق عليك. أين كنت؟"
كانت هي؛ المرأة ذات الشعر الأسود والبشرة الشاحبة والشفاه القرمزية التي حاولت جره نحو دفيئة الورود.
’آه، أجل.. أكان اسمها ليزلي؟‘
تذكر أنها كانت واحدة من الأصدقاء الذين أحضرهم ألبرت. اقتربت منه بجرأة ومسحت على ذراعه قائلة:
"لا تبقَ هنا، تعال معي. المكان هنا ممل."
ذاك الصوت الذي بدا مغوياً قبل قليل، لم يعد يثير فيه الآن سوى الضيق والاشمئزاز. لكن الجانب الإيجابي هو أن تذكّر ما حدث قبل وصوله لهارييت جعل الغضب يغلي في أحشائه، مما أعاد له بعضاً من صفاء ذهنه. أمسك سيدريك بالكأس الذي كاد يخلو من الماء بقوة، وحذرها بنبرة باردة وكلمات مخارجها دقيقة:
"عودي إلى ألبرت وأخبريه.. أن ثمن إثارة حنقي سيكون باهظاً جداً."
"ماذا؟"
سألت ليزلي بارتباك، لكن سيدريك رمق الاتجاه الذي يتواجد فيه ألبرت بنظرة حادة ثم نهض. في تلك اللحظة، عاد إدغار ومعه زجاجة الماء.
"لنعد للمنزل يا إدغار، يكفي هذا القدر لليوم. يجب أن أودع المضيف، أين نجد الكونت لوريل؟"
"أوه؟ هل سنغادر بهذه السرعة؟"
سحب إدغار المرتبك ليبحثا عن الكونت. أما ليزلي التي بقيت خلفهما، فقد عضت شفتيها غيظاً ثم عادت فوراً إلى ألبرت.
"لقد أخبرتك يا ألبرت! دوق كايلاس أدرك أنك الفاعل. لهذا أخبرتك أنني لا أريد العودة إليه!"
كان ألبرت، الذي وثق بفعالية العقار بشكل مفرط، هو من أجبرها على العودة لسيدريك. وعندما سمع أن سيدريك صدها ببرود، ارتسمت على وجهه علامات عدم التصديق.
"هل تعنين أن مفعول العقار قد زال بالفعل؟ هذا مستحيل."
"استمراره في شرب الماء يعني أنه يعرف كيف يبطل مفعوله. وقد طلب مني إيصال رسالة لك..."
عندما نقلت له تحذير سيدريك، ابتلع ألبرت ريقه بصعوبة. لكنه سرعان ما هز رأسه نافياً:
"لا يوجد دليل واحد يثبت أنني الفاعل."
لذا، لن يستطيع سيدريك جره للمحاكم أو فضحه علانية.
"كان الأجدر بنا استخدام ’كافيردين‘. لن تتكرر فرصة كهذه."
"الموت وحده لا يكفي. يجب أن تموت سمعته وتتمرغ في الوحل أولاً قبل أن يلفظ أنفاسه."
كانت "الكافيردين" التي ذكرتها ليزلي عشبة سامة تُستخدم في مملكة فيرما للاغتيال دون ترك أثر. مستخلصها عديم اللون والرائحة والمذاق، مما يجعلها سماً مثالياً، لكن عيبها الوحيد هو تكلفتها الباهظة؛ إذ تنمو في مناطق وعرة جداً ويتطلب صنع زجاجة صغيرة منها أموالاً طائلة. رفض ألبرت هدر الزجاجات الثلاث التي يملكها من مستخلص الكافيردين بسهولة. لم يكن الأمر يتعلق بالمال فحسب، بل لأن سقوط هيبة سيدريك كان أهم عند ألبرت من موته.
"سوف تندم على فشل اليوم."
"ما دام لا يملك دليلاً ضدي، فالفرص كثيرة. فلنعتبر اليوم مجرد تدريب."
أطلق ألبرت ضحكة ساخرة وعاد لاحتساء الخمر مع أصدقائه، لكن ساقه اليمنى كانت تهتز باضطراب يشي بقلقه الخفي. نظرت ليزلي إليه باشمئزاز وهي تراقب سيدريك وهو يغادر القاعة بعينين باردتين.
دوّى صوت الباب وهو يُغلق بعنف.
ظهرت ليزلي وخلفها تلك الجلبة، ولم تحاول إخفاء غضبها وهي تخلع وشاحها وتلقيه على الأريكة.
"ما الخطب؟ لِمَ نوبة الغضب هذه مجدداً؟"
سألها رجل عجوز بصوت غليظ. كان معروفاً للعامة بأنه والدها، لكن الحقيقة أنهما لا يمتان لبعضهما بصلة دم؛ إذ كانا جاسوسين وقاتلين أرسلتهما مملكة فيرما.
"ألبرت هذا لا يصلح لشيء. إنه لا يريد قتل سيدريك كايلاس، بل يريد فقط الشعور بالتفوق وهو يراه يتحطم."
"لقد أخبرتكِ، ذاك الرجل لا يبدو مفيداً على الإطلاق."
"كان بإمكاني قتله اليوم لو أردت، لكن بسبب ألبرت...!"
عندما زمجرت ليزلي بكلماتها الأخيرة، أبدى الرجل اهتماماً أخيراً:
"ما الذي حدث بالضبط؟"
نقلت له كل ما جرى في الحفلة؛ خطة ألبرت، مستخلص 〈أنجيليك〉، وسيدريك الذي كاد يفقد السيطرة فعلاً.
"حاولت إقناعه بوضع الكافيردين، لكنه أصر على أنجيليك حتى النهاية."
"إنه مهووس بهذا العقار. لكنكِ أنتِ أيضاً ملامة؛ لِمَ طاوعتِه؟ كان يجدر بكِ وضع الكافيردين وانتهى الأمر."
"لأن ما أملكه من مخزون الكافيردين للطوارئ استنفدته في التخلص من المتطفلين الذين يحومون حولنا! أردتُ استخدام ما يملكه ألبرت، لكنه رفض التخلي عنه."
"كان عليكِ انتزاعه منه بأي ثيلة. هل بدأتِ تفكرين في خيانة الوطن؟"
"هل جننت؟ وأنت، ماذا تفعل سوى التسكع في المنزل؟"
تبادلا الكلمات اللاذعة بنظرات حادة. زملاء ومراقبون؛ تلك كانت حقيقة علاقتهما. ساد صمت بارد بينهما لبرهة، ثم التفتا بسرعة عند سماع صوت حركة من جهة السلالم المؤدية للطابق الثاني.
"لا يمكن للمرء حتى النوم بسبب ضجيجكما. لِمَ الشجار في منتصف الليل؟"
كانت هذه هي القائدة التي تلعب دور البارونة أوزير، والمسؤولة عن فريقهم المتخفي كعائلة أوزير. تمتمت ليزلي بضيق:
"إنه يشك بي باستمرار بطريقة مزعجة، رغم أنني أتحمل كل القذارة في الخارج لإتمام المهمة."
ابتسمت البارونة بسخرية وانحازت لصف ليزلي:
"لا تكن قاسياً على ابنتك. ليزلي تؤدي الدور الأهم في هذه المهمة."
"كنتُ فقط أذكرها بألا تسترخي، هذا كل ما في الأمر."
نهض البارون أوزير بملامح متجهمة وأخرج زجاجة ويسكي من إنتاج مملكة فيرما من الخزانة القريبة. سكب القليل في ثلاثة كؤوس ووضع واحداً أمام ليزلي والآخر أمام البارونة. وتعرف ليزلي أن هذه طريقته في الاعتذار، فرفعت الكأس وتجرعته دفعة واحدة رغم تذمرها. ارتشف البارونة قليلاً ثم قالت:
"لقد سمعتُ ما جرى، وأظن أن أسلوب ألبرت ليس سيئاً. أستطيع تفهم رغبته في ألا يكتفي بمجرد القتل."
نظرت ليزلي والبارون إليها باستغراب، فأكملت:
"سيدريك كايلاس يجب أن يموت حتماً. لكن إذا مات هكذا، فستستغل الإمبراطورية كونه ’بطل الإنقاذ‘ لتبدأ بالتحرش بمملكة فيرما مجدداً."