الفصل 84

"وكيف سيعرفون أنه نحن؟ سنقتله باستخدام ألبرت."

"هل تظنين أن رجال الإمبراطورية مغفلون؟ بمجرد التحقيق مع ألبرت، سيعثرون على خيوط تربطه بـ'فيرما'. على كلٍ، ليس هذا هو المهم."

ارتشفت البارونة أوزير رشفة أخرى من خمرها وتابعت حديثها:

"إذا عاش سيدريك كمدمن ذليل لعقار 〈أنجيليك〉 ثم لقي حتفه بشكل مخزٍ، فالأرجح أن الإمبراطورية ستسارع لدفن القضية والتكتم عليها حفاظاً على هيبتها."

حتى لو وُجهت أصابع الاتهام لفيرما لاحقاً، فلن يستطيعوا تمجيد سيدريك الذي تلطخت سمعته بالعار أمام العامة. وهذا يعني أنه سيكون من الصعب خلق جو شعبي يطالب بالانتقام من فيرما.

"علاوة على ذلك، لن يسقط هو وحده، بل ستتمرغ سمعة 'روان كايلاس' أيضاً في الوحل. قد لا يبدو الأمر جلياً الآن، لكن على المدى البعيد، هذا مكسب أعظم لنا."

بما أن حسم حرب 'كيفرين' تقرر في المعركة الأخيرة التي شارك فيها روان كايلاس، فقد كان هو الهدف الأكبر لكراهية فيرما. قضم ليزلي أظافرها بتوتر ثم سألت:

"إذاً، ما هي خطتنا القادمة؟ هل ندفع به نحو الهاوية بدلاً من قتله مباشرة؟"

"فلنجعله يدمن على 〈أنجيليك〉. سيكون من الجيد زرع شخص ما بجانبه."

"وجهي أصبح معروفاً الآن، لا يمكنني القيام بذلك. كل ذلك بسبب حماقة ألبرت...!"

"لا تتسرعي في التفكير. قطع الشطرنج التي يمكننا استخدامها منتشرة في كل مكان. كل ما علينا فعله هو إلقاء الطعم والانتظار بسلام."

خلال سنوات عملها الطويلة كجاسوسة في الإمبراطورية، تعلمت شيئاً واحداً: في هذا البلد القائم على أطماع هائلة، يفيض العالم بأشخاص مستعدين لخيانة عائلاتهم وأصدقائهم من أجل مكاسبهم الشخصية.

"على أية حال، هناك شخص أضعه تحت المراقبة بالفعل، لذا انتظري قليلاً."

ابتسمت البارونة أوزير وهي تنهي كأسها.

بعد انتهاء حفلة عائلة لوريل، سرت شائعة غريبة؛ قيل إن هارييت ليسترول شوهدت في مكان منعزل وهي في وضع غرامي فاضح مع رجل ما.

"كنتِ تقولين إنكِ تريدين محو وصمة 'صانعة الفضائح'، فما الذي حدث؟ أريد أن أسمع منكِ مباشرة يا هارييت، ما حقيقة الأمر؟"

سألت تريشا بصرامة وهي مستلقية على سريرها، توبخ هارييت بنظراتها. لكن هارييت لم يحمر وجهها خجلاً، ولم تطرق برأسها انكساراً.

"لا يمكنني الإدلاء بالتفاصيل الآن، لكن الشيء الوحيد المؤكد هو أنني جعلت شخصية هامة جداً مَدينة لي بجميل."

عندما رأت هارييت تجاعيد القلق ترتسم على جبين تريشا، شعرت بوخزة في قلبها وأطبقت على أضراسها بقوة. لم تكن تريد أن تشكك تريشا بها، لكن بما أنها لا تعرف على وجه اليقين طبيعة العقار الذي تناوله سيدريك، فقد كان من الحذر ألا تبوح بكل شيء. كما أنها لم تكن تدري إن كان سيدريك سيوافق على معرفة تريشا بما حدث في تلك الليلة.

"أهو أمر لا يمكنكِ إخباري به؟ وأنا وصيتكِ؟"

"....... أنا آسفة."

"وماذا لو قررتُ قطع وصايتي عنكِ وطردكِ من هذا المنزل؟ هل يستحق الأمر هذه التضحية؟"

ابتلعت هارييت ريقها بصعوبة.

"لا أعرف اليقين بعد. لكنني أعلم أنه لو لم أتحمل أنا هذه الوصمة، لما انتهى الأمر بالطرف الآخر عند هذا الحد من الهوان."

"فعلتِ ذلك لحماية شرف الرجل الطرف الآخر...؟"

تمتمت هارييت بكلمات غير مفهومة ثم آثرت الصمت. في الحقيقة، هي نفسها كانت في حيرة من أمرها؛ هل يستحق سيدريك كل هذا الدفاع؟ كانت أحداث تلك الليلة تحت الوشاح المظلم تشوش أفكارها، لدرجة أنها شكت في قدرتها على اتخاذ قرار سليم. ومع ذلك، مهما أعادت التفكير، شعرت أنها كانت ستتصرف بالطريقة نفسها لو تكرر الموقف.

"سأتقبل أي عقاب تقررينه. لكني لا أعتقد أنني ارتكبت خطأً."

"كيف لي أن أحكم وأنتِ لا تقدمين لي تفسيراً، وتكتفين بالقول إنكِ لم تخطئي؟"

"....... أنا آسفة."

تنهدت تريشا بعمق. كانت هارييت تنمو وتتطور بسرعة في وقت قصير، ورغم وجود جوانب غير ناضجة فيها، إلا أنها كانت تعتبرها طفلة حكيمة. لكن بسبب هذا الحادث، تعسرت صورتها السابقة كـ"صانعة فضائح" مجدداً، مما يعني أن معاركها القادمة ستكون أكثر ضراوة.

’هل كان سقف توقعاتي عالياً جداً؟‘

فاجأت هذه الفكرة تريشا وجعلتها تشعر بعدم الارتياح.

’أنا لا أقدم العون لروكسانا أو هارييت لأنتظر منهما شيئاً. يجب ألا أنسى أن دوري هو مجرد موطئ قدم لهؤلاء الأطفال ليرتقوا.‘

أومأت برأسها ببطء ونظرت لهارييت مرة أخرى.

"حسناً. بما أنكِ تصرين على ذلك، فلا بد لي من تصديقكِ. أنا فقط أتمنى ألا تندمي."

"نعم، جدتي."

"قلوب البشر لا تُعرف بسهولة. قد تظنين أنكِ جعلتِه مديناً لكِ، لكنه قد ينسى الأمر في طرفة عين. حينها ستكونين أنتِ الوحيدة التي يشار إليها بالبنان كمرأة فاجرة."

أمسكت هارييت بطرف فستانها بقوة. هل سينسى سيدريك ما حدث في تلك الليلة؟ ربما. فقد كان تحت تأثير العقار وفاقداً لوعيه، وقد لا يتذكر شيئاً عند استيقاظه. ومع ذلك، لم تشعر أنها ستندم.

"سأوطن نفسي على الاحتمال. لكي أرفع رأسي بوقاحة رغم نظرات الناس."

"هه! لقد أصبحتِ أقوى من ذي قبل."

انفجرت تريشا بضحكة خافتة ساخرة. رؤية هارييت تزداد قوة وهي تقترب من اليوم الذي ستقف فيه وحدها بعث في نفس تريشا نوعاً من الراحة.

"حسناً، لا يبدو الأمر سيئاً."

تنهدت بعمق مع ابتسامة، ثم لوحت لهارييت بيدها لتنصرف. نهضت هارييت وانحنت باحترام، وعندما همّت بالخروج، تناهت إليها جملة واحدة من خلف ظهرها:

"لا تمرضي."

توقفت هارييت للحظة والتفتت نحو تريشا. ظهرها الذي استدار مجدداً لتنام بدا اليوم صغيراً ونحيلاً بشكل غريب.

"طابت ليلتكِ."

حفظت هارييت صورة ذاك الظهر في عينيها بعناية، ثم أغلقت الباب بهدوء.

ورغم محاولتها لملمة مشاعرها، إلا أن قلبها عاد للاضطراب بمجرد دخولها غرفتها.

"لا تذهبي. ابقي معي."

بدا وكأن صوت سيدريك وهو يهمس لها وهو يضمها يتردد قرب عنقها. ارتمت هارييت على سريرها وأغمضت عينيها بقوة.

"لقد جننت. لا بد أنني جننت!"

منذ عودتها من الحفلة، كانت تلوم نفسها مراراً وتكراراً وهي تسترجع ما حدث مع سيدريك، لكن بمجرد أن تختلي بنفسها، تقتحم تلك الذكرى مخيلتها دون استئذان. كان سيدريك فاقداً لوعيه وتأثير العقار يعذر جنونه، لكن هي.. بأي عقل استجابت لقبلته؟

أكثر ما كان يخيفها هو أن يتذكر سيدريك ما حدث ويسيء فهمها. لكن، ومع الشعور بالذنب، قفزت فكرة تبريرية فجأة:

’كيف لا أستسلم وهو يقبل بهذه البراعة!‘

لم تكن تعلم أن القبلة قد تكون هكذا. في السابق، كانت تتساءل بقرف كيف يمكن للمرء أن يبتلع لعاب شخص آخر، لكن عندما تلامست الشفاه حقاً، لم تشعر بذرة من القذارة. عندما تشابكت الألسنة الرقيقة، سرى في جسدها إحساس لم تتخيله قط، ولم تكن ترغب سوى في التلذذ بتلك النشوة.

وعندما وصلت بذاكرتها إلى تلك النقطة، رفعت رأسها فجأة وهي تشعر بالشك:

’هل كنتُ سأشعر بالشيء نفسه مع رجل آخر؟‘

لو لم يكن سيدريك كايلاس، هل كانت تلك القبلة لتبدو ساحرة؟ ماذا لو كان جوليان فيس؟ أو تيز روارك؟

’وووع.. لا أريد حتى تخيل ذلك.‘

بالتأكيد لم تكن لتشعر بالسحر، بل بالقرف والغضب والخزي وكأنها تعرضت للاغتصاب. إذاً، الأمر كان رائعاً لأنه كان "سيدريك كايلاس"، فماذا يعني ذلك؟

غرقت هارييت برأسها في السرير مرة أخرى وظلت هكذا لفترة طويلة. عيناه الحمراوان، بشرته التي تلمع بضياء القمر، شفتيه اللتان تبللتا بلعابها.. و..

"لماذا لا يجوز؟ أنتِ أيضاً ترغبين في ذلك."

ذاك الصوت المغوي بعذوبة.

تلك الذكريات كانت تعبث برأسها. في تلك اللحظة، دقت الساعة معلنة انتصاف الليل. شهقت هارييت كطفل ضُبط وهو يفكر في أمر سيئ، ثم تنهدت بعمق وتمتمت:

"....... لنكف عن التفكير في هذا."

أجل، هناك أشياء في هذا العالم من الأفضل دفنها ونسيانها. وثبت هارييت واقفة واتجهت نحو الحمام؛ شعرت أنها بحاجة لغسل وجهها بماء بارد لعلها تفيق.

في مدينة "جينوا"، كان هناك الكثير من المتاجر التي تعمل سراً دون لوحات إعلانية، لخدمة أغراض غامضة. من بينها، كانت الغرف التي تعمل بنظام الحجز وتُعرف بلقب "غرف العرش" تحظى بشعبية كبيرة، لأنها تضمن سرية تامة لهوية روادها. وأي مكان قد يكون أنسب من هذا ليلتقي فيه العشاق سراً؟

اليوم أيضاً، في غرفة "عرش" تسمى 〈صالون السيدات〉، كان هناك ثنائي مشهور في جينوا يلتقيان.

"لقد خيبتَ أملي يا تيز."

قالت بيلا بنبرة ساخرة باردة وهي تستلقي بميل على طرف سرير دائري واسع، بمجرد دخول تيز إلى الغرفة.

ترجمة:- زينب

2026/06/05 · 81 مشاهدة · 1214 كلمة
Hfxbj Hfbmh
نادي الروايات - 2026