المرحلة الأولى: الإكتشاف
كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحا حين دخل فتى بشعر رمادي داكن اقرب الى الاسود وعينين زرقاوتين لامعتين جميلتين يرتدي زيه المدرسي البني الى الصف حين قابله الضوء الذي يمر من النوافذ، لم يكن ضوئا قويا بل كان ضوء الشمس خفيف و لطيف
كان الصف مستطيل مملوء بطاولات وكراسي خشبية وجدران بيضاء فيها آثار شريط لاصق نُزعت منه ملصقات تعليمية منذ زمن ولم يعلق شيء بديل عنها
المكيف لايعمل ولكن لا احد يشتكي لأنهم اعتادوا على ذلك
لم يصل المدرس بعد لذلك كانت اصوات الطلاب مرتفعة، البعض يضحكون والبعض يضعون سماعاتهم ويسمعون الاغاني بسلام و آخرون يتجادلون
جلس الفتى بجانب اصدقائه هارو ودايتشي بمجرد رؤيتهم ابتسم الفتى
تجاه هارو ودايتشي بسرعة وحماس
"صباح الخير أوما"
ابتسم أوما بلطف وبعض الحماس
"صباح الخير هارو، دايتشي"
الفتى اسمه أوما تسوكينو
اما عن سبب حماسه هو وصديقه فبمجرد تحية بعضهم سحب ثلاثتهم هواتفهم و فتحوا اللعبة المسماة أميرات العالم
كانت لعبة تتعلق بفتيات يحاربن الوحوش
لعبة تافهة ولكن كانت لعبة عظيمة
تكلم دايتشي بحماس
"حصلت البارحة على الكاهنة ميا ههههههه ماهو رأيكم"
ابتسم أوما بإستخفاف
"حصلت على المحاربة رينا لايمكنك منافستي"
صرخ دايتشي بحسد ويأس
"تبا هذا غير عادل"
نظر إليهم هارو بإستخفاف وتكلم
"ضعفاء بائسون مثيرون للشفقة"
نظر إليه كل من دايتشي وأوما بغرابة
نظرتك تلك تدل على أنك حصلت على شخصية جيدة، على ماذا حصلت"
ابتسم هارو بفخر ورفع هاتفه
"البطلة إيريري"
صرخ دايتشي وأوما بدهشة
"ماذا بجدية"
أمسك أوما بياقة هارو وهزه بقوة واستمر الثلاثة بالحديث مثل أي مراهقين في سنهم حتى دخل معلم عجوز للفصل فصمت كل الطلاب و جلسوا في أماكنهم
مرت الحصة ببطئ وكان أوما يشعر بالملل و لكن يمكن ملاحظة انه ينظر لفتاة معينة عدة مرات في الدقيقة
سايا أوزورا فتاة بشعر بني فاتح قصير وعينان حمراوتان مثل النبيذ
وفي هذه اللحظة بمجرد أن نظر أوما نظرت إليه الفتاة مما جعله يدير رأسه بسرعة
رن جرس الاستراحة مما جعل الجميع يتنهدون
غادر الفتيان الثلاثة الفصل وصعدوا لسطح المدرسة
تجمع ثلاث فتيات أمام النافذة
"سايا، هل رأيت كيف كان ينظر تسوكينو إليك طوال الحصة، ربما هو واقع في حبك"
تكلمت الفتاة ذات الشعر الاشقر والعيون البنية ميكا ساتو بينما وافقتها الفتاة ذات الشعر الاسود والعينان البنيتان هيماري شيميزو
"نعم، انه ينظر إليك كثيرا"
ابتسمت سايا ولوحت بيدها
"لاتكونا سخيفتين ربما كانت صدفة"
عبست ميكا قليلا
"من المستحيل ان اكون مخطأة، انه ينظر لك كثيرا منذ بداية السنة الدراسية ونظراته مليئة بالعاطفة"
ضحكت سايا ورين على رد فعلها اللطيف
"هو شخص طيب ولطيف ويبدو دافئا ايضا وعيناه جذابتين ومتحمس مع اصدقائه ويبدو بلا هموم، إنه شخص جيد للمواعدة لماذا لاتواعديه"
قالت رين مع ابتسامة خفيفة منتظرتا رد سايا
"أوه هيا، أنا لا أحبه حتى لماذا أواعده"
في السطح كان الفتية الثلاثة جالسين
"يارجل انت بقيت تنظر لأوزورا طوال الحصة، هل تحبها لهذه الدرجة"
بينما تكلم دايتشي احمر وجه أوما قليلا
"مستحيل، أنا فقط لم أجد أين أنظر، انها صدفة نعم صدفة"
بينما حاول الانكار قال هارو
"يارجل انت كتاب مفتوح ملامح وجهك تشرحان كل شيء، ألم ترى كيف كانت عيناك على شكل قلب وانت تنظر لها"
ضحك الاثنين على أوما الذي احمر وجهه اكثر وبدأ يلكم صديقيه بشكل هزلي
مر اليوم الدراسي بشكل جيد وعاد أوما لمنزله بعد لعبه في مقهى الانترنت مع اصدقائه
واختصر طريقه كالعادة ومر من زقاق مظلم فارغ ينيره مصباح صغير
في العادة الأزقة خطيرة في اليابان ولكن بشكل مثير للدهشة هذا الزقاق لايدخله احد
وصل أوما لمنزله أخيرا وكانت الساعة المعلقة على الحائط تشير إلى الثامنة مساءا
"لقد عدت"
قال أوما وهو يبتسم عندما ضربت رائحة العشاء أنفه
"مرحبا بعودتك أخي الكبير"
سارعت أخته الصغرى سايكا لعناقه بينما خرجت امه من المطبخ
"مرحبا بعودتك ياصغيري"
حمل أوما أخته بينما يومأ برأسه لأمه
جلس أوما في غرفة المعيشة يلعب مع أخته قليلا وبعدها ذهب لتغيير ملابسه وغسل يديه
جلس أوما مع أمه وأخته ووالده الذي وصل للتو على طاولة العشاء وتناولوا العشاء و هم يتكلمون ويضحكون مثل أي عائلة عادية
بمجرد انهائهم للعشاء ذهب أوما لغسل يديه
"أخي الأكبر اشترى لي والدي قصة جديدة، هل يمكنك ان ترويها لي كقصة قبل النوم؟"
"من فضلك"
نظرت سايكا ببراءة لأوما مما جعله غير قادر على المقاومة
"تمام"
صعد أوما مع اخته لغرفتها
بمجرد ان إستلقت اخته في السرير أمسك أوما بالرواية في يديه وبدأ في القراءة
في قرية صغيرة بين التلال كانت تعيش الحيوانات بسلام، العصافير تغني والغزلان تركض والسلاحف تقرأ والفأر الصغير ميمو يعيش بهدوء قرب شجرة الجوز
لكن كان في القرية حيوان واحد مخيف، ثعلب اسمه ناب
كان يخيف الحيوانات ليأخد مايريد
يحدق فيهم بعيناه البرتقاليتان ويبتسم ابتسامة باردة ثم يطلب طعاما او مكانا او اشيائهم، ولا احد يرفض خوفا منه
في أحد الأيام رأى الفأر ميمو بعينيه ناب يدخل جحر القنفذ الصغير ويأخذ منه مكسراته بالقوة ويدفعه حتى اصطدم بالحائط
تردد ميمو في ان يتكلم وقال في نفسه
'هذه ليست مشكلتي، لا دخل لي، يجب ان ابقى ساكتا لا اريد مشاكل'
وذهب الى بيته واذناه تتجاهلان بكاء القنفذ المسكين
مرت الأيام وناب بدأ يزداد جرأة
اخد عش العصفور تم طرد السلاحف من ظل الشجرة
وذات يوم اقترب ناب من بيت ميمو
بمجرد ان خرج ميمو كلمه ناب
"اعرف انك رأيت مافعلته تلك المرة بالقنفذ، ولم تقل شيئا، انت تعرف ويجب الا تعرف"
خاف ميمو كثيرا وارتجف
"لكنك لم تؤذني، انا لم اخبر احدا"
ضحك ناب ضحكة باردة وقال
"ولهذا أنت الاسوء أنت تعرف، لكنك اخترت أن تسكت، الساكت يمنحني القوة أكثر من الصغير الذي يقاوم"
ثم أخذ بيت ميمو وجعل منه مستودعا ورمى الفأر بعيدا في الغابة وحده بلا بيت، بلا أصدقاء، وبخوف كبير في قلبه ليس لأنه ضُرب، بل لأنه ساعد الظلم بسكوته
ومن يومها تعلمت الحيوانات شيئا لم تنسه أبدا
'الذي يصمت على الجريمة، يعاني أكثر من الذي يقترفها لأن الجريمة عندما تترك تكبر، تأكل الصامت قبل أن تمس الجاني'
أما ميمو فظل يتمنى لو أنه تكلم في أول مرة.
اغلق أوما الكتاب و نظر الى اخته الذي كانت ملامح وجهها غير مفهومة ولكن كان النعاس باديا عليها
"اخي، اذا من يتكتم عن الجريمة يعاني اسوء من من يرتكبها؟"
سألت سايكا اخر سؤال قبل ان تغلق عينيها
"نعم"
قال أوما قبل ان يطفأ الضوء ويغادر الغرفة
"لقد اكلت قبل قليل ولكن ما ازال جائعا"
ربت أوما على بطنه وخرج من المنزل لشراء شيء يأكله
وصل أوما لمتجر رامن صغير فطلب وعاء في كرتون ليأخده معه للمنزل
بمجرد ان جهز طلبه غادر المحل و مر من الزقاق كالعادة بمجرد وصوله لنقطة الضوء انفتحت عينا أوما على مصراعيهما وشعر بالرعب
الفتاة التي لطالما احبها ممسكتا بسكين ويديها ملطختين بالدماء بينما ترتدي قفازات
وجثة رجل في منتصف العمر في الارض ملطخة بالدماء والكثير من الطعنات به وجسده مشوه بالكامل
كانت سايا تبتسم بطريقة مرعبة والتعطش للدماء بادي على ملامحها
بمجرد ان لمحت أوما اختفت ابتسامتها
"أوما"
بمجرد ان نطقت بقليل من الحيرة ترك أوما طبق الرامن وهرب سريعا ولم يدر رأسه للخلف
ركض بأقصى سرعته وشعر ان جسمه خفيف للغاية، لم يسبق له ان ركض هكذا من قبل، وشعر بنشاط مفرط
بمجرد وصوله لمنزله واغلاقه للباب ركض لغرفته واغلق الباب خلفه
سقط أوما على الارض وبدأ يتنفس بسرعة
انتهى مفعول الادرينالين وبدأ أوما يشعر بتعب مفرط
"ماكان ذلك"
كلم أوما نفسه بصدمة
المرحلة الثانية: الصدمة
اسيقظ أوما من سريره وبدأ يصرخ في رأسه
'أنا أتخيل، لا لا لا لا... لايمكن، لم تكن هي بالطبع لم تكن هي، بالطبع رأيتها، لكن الليل والظلال والشارع ضيق... نعم اعرف لقد رأيت شيئا اخر ربما شجار او سرقة او مسرحية... نعم انها مسرحية ههههههه، لكنها نظرت لي، كانت هي... سايا، لا لا يا إلهي لا اريد ان اصدق، كيف تكون تلك الفتاة التي افكر فيها ليلا، كيف تكون هي القاتلة، نعم كانت عيناي تكذبان علي، لكن رأيتها بوضوح، كان السكين في يدها والدم يتساقط منها وكانت تبتسم نعم تبتسم ونادت بإسمي'
لم يستطع ان يتوقف عن التفكير ولم يستطع النوم
'ماذا افعل الان، ابلغ انها؟ اذهب لمقر الشرطة واقول مرحبا الفتاة التي احبها او الفتاة التي تدرس معي قتلت شخصا!، لا، لا أستطيع، سيقولون إنني مجنون، أو أنني أفتري عليها، أو أنه كان دفاعا عن النفس.ثم من أنا لأتكلم؟ مجرد فتى تافه يعيش أيامه بين المدرسة ومقهى الانترنت، من أنا لأدين أحدا؟، ومن يدري ربما ربما كان يستحق الموت؟
ربما كان يؤذيها؟
لا أحد يقتل لمجرد القتل أليس كذلك؟
ثم، هي مختلفة، لا تشبه القتلة لا عيونها، ولا صوتها، ولا ضحكتها، لا يمكن أن يكون الشر جميلا هكذا مستحيل، تبا تبا تبا.'
امضى أوما الليل كله وهو مستيقظ و لم يستطع ان يتوقف عن التفكير
صباح اليوم الثاني نهض من سريره وغسل وجهه وارتدى زيه المدرسي وخرج مبكرا حتى قبل ان تستيقظ امه
وبما انه خرج مبكرا التقى بهارو
"صباح الخير، أوما"
نظر إليه اوما بعينين زرقاوتين باهتتين وسواد واضح تحت عينيه
"صباح الخير هارو"
كان صوت أوما خالي من الحياة تقريبا
نظر هارو قليلا لعيني أوما الباهتتين وتساءل في نفسه
'أين هي تلك العيون الدافئة والمتحمسة؟!'
حاول هارو ابهاج أوما الذي يبدو أنه في مشكلة، لم يكن الوقت المناسب للسؤال
"بما انك خرجت في وقت مبكر يعني انك لم تأكل بعد، انها مصادفة انا ايضا لم اكل بعد دعنا نأكل معا"
حاول أوما الإبتسام ولكن- كل ماحصل انه قام بوضعية غريبة بفمه
لم يتكلم هارو بل اكتفى بالنظر
وضع ذراعه على كتف أوما وإبتسم
"هيا بنا هناك متجر قريب، لنشتري بعض الخبز المحلى بالكريمة ونأكله وبعدها نذهب للمدرسة، لاتقلق كل شيء على حسابي"
سحب هارو أوما الذي كان شارد الذهن إلى المتجر قبل أن يتركه ويدخل ليشتري إثنين من الخبز المحلى
"خد، امسك"
أعطى هارو الخبز لأوما و جلسا على كراسي عمومية قريبة وبدأ الاثنين في الاكل، في العادة يمزح الاثنان معا في اي وقت ويتكلمون عن عدة امور لذلك كان الصمت الحالي مفاجئ
نظر هارو لأوما الذي كان يأكل وهو شارد الذهن ووجهه متعب وعلامات التوتر والتردد بادية على وجهه
لم يكن هارو يعلم مايجب ان يقوله
"بالمناسبة اشتريت حساب غالي في اميرات العالم سأهديه لك ههههه، انا صديق عظيم أليس كذلك"
عرف أوما ان هارو كان يواسيه ويحاول التخفيف من حدة الجو لذلك ابتسم
"شكرا لك هارو، نعم انت افضل صديق"
ابتسم الصديقان و توجها للمدرسة
كانت المدرسة شبه خالية من الطلاب تقريبا لذلك انتظر الاثنان وحدهما في الفصل
كان هارو يحاول اضحاك اوما الذي بدأ الهم يزول عنه حتى وصل دايتشي وبدأ الثلاثة باللعب كالعادة، و لكن بمجرد دخول الفتاة ذات الشعر البني الفاتح القصير ارتجف أوما واقترب من هارو كما لو انه يبحث عن مهرب
لاحظ هارو بسرعة رد فعل اوما وتبع اين تنظر عينيه
'سايا!'
عبس هارو
'هل كانت حاله هكذا بسببها، لماذا قد يرتجف شخص من فتاة لهذه الدرجة، ارتجاف أوما يبدو كخوف وتردد وبعض من الحب، انا لا افهم، سأبحث في الامر واكتشف الامر'
حدق هارو في سايا بكره واضح
كان أوما افضل صديق لهارو، انه مثل الملاك الطيب في عيون هارو، مالذي يجعل الفتى اللطيف والدافئ يرتجف هكذا، بالطبع عرف هارو ان أوما يحب سايا وفكر ربما أوما اعترف بمشاعره و لكن رفض فتاة مهما كان قاسيا لن يجعل حالة انسان سيئة هكذا
في هذه اللحظة زُرعت مشاعر كره عميقة لسايا في قلب هارو، الفتاة الذي جعلت الملاك هكذا يجب ان تخفي سر خطير خلفها، ومن الواضح ان أوما لن يجيبه، يعرف هارو أوما جيدا، أوما شخص طيب ودافئ وصريح و لكن اذا تردد فهو لن يخبر اي شخص عن الموضوع الذي يشغل باله، بالطبع هارو استثناء لأنه صديق اوما المقرب عكس دايتشي هارو هو اقرب شخص لأوما، ربما حتى عائلة أوما لم تكن بمثل قرابة هارو له، و لكن بحالة أوما الحالية من الواضح ان اوما لن يخبره أبدا
"هل انت بخير؟"
سأل هارو رفيقه المرتجف امامه
عندما لاحظ اوما تصرفاته ابتسم وتصرف كما لو ان شيء لم يحدث وتجنب نظرات سايا له
"نعم نعم انا بخير اين كنا اه شكرا الحساب الجديد في اميرات الحرب يعجبني انت الافضل"
ابتسم هارو عند سماع كلمات صديقه ولكن افكاره لم تهدأ ونظر الى سايا مرة اخرى التي لاحظت انه كان ينظر لها منذ أن بدأت تحدق بأوما
نظر الاثنان لبعض
كانت نظرات هارو عبارة عن شك وكره دفين بينما حاولت سايا الابتسام ولكن كان هناك كره لاتعلم سببه، تشكلت رابطة كره متشاركة بين الاثنين
بعد لحظات هدأ أوما قليلا و لكنه لايزال متوترا
دخل المعلم وجلس الكل في مكانه وبدأ الدرس
كلما نظر أوما لسايا كان يرتجف
و لكن الغريب انه في هذه الحصة كانت سايا ايضا تنظر لأوما
بالطبع لم يغب هذا من ملاحظة هارو الحادة
بعد انتهاء الفصل و وصول وقت الاستراحة تقدمت سايا الى أوما
"عذرا تسوكينو, هل يمكننا التكلم على انفراد"
اشتعل الفصل بحماس، ظنوا أن سايا اخيرا لاحظت مشاعر أوما تجاهها وانتظروا ماسيحصل
ارتجف اوما وتمسك بهارو
نهض هارو ووقف امام سايا وابتسم بثقة في مواجهتها
"عذرا أوزورا، مالذي تحتاجينه من أوما؟"
حاولت سايا الحفاظ على ابتسامتها في مواجهة هذا الازعاج
"اسفة على الازعاج كوغامي، و لكني احتاج الى « استعارة » تسوكينو للحظة، لدي كلام خاص معه، هل يمكنك ان تعذرنا"
ابتسم هارو بهدوء
"اسف اوزورا ولكن اوما يبدو مرهقا لذلك لا أظن أن هذه اللحظة مناسبة، ربما غدا"
حاولت سايا ان تحافظ على تعابير وجهها المبتسمة أمام هذا الشخص
"انا احتاجه للحظة فقط، لن اتأخر أعدك"
ضيق هارو عينيه
"انت تبدين مصرة، هل هذا يخص دروس الرياضيات أم شيء آخر"
توترت سايا وابتسمت ابتسامة باردة رآها هارو فقط
"تسوكينو هو فقط من أستطيع الحديث معه الأمر بيننا"
قالت ثم التفتت الى أوما وقالت بصوت خافت سمعه اوما وهارو فقط
"لو كنت تثق بي، فقط لثانية تعال"
لم يفهم دايتشي مايحدث وراقب وهو منصدم من التفاعل الغريب
توتر اوما و لكن عاطفته وحبه تحكما في قراره
"هارو، سأذهب، دعني اعتمد على نفسي هذه المرة"
رغم قوله هذا كان متناقضا
نظر لهارو، كأنه يقول "لا تتركني"
لكن قدميه خانتاه، نهض، ورافقها وكان في عينيه نظرات الايمان والتردد كما لو انها قامت بشيء وهو يأمن بها
عبس هارو طبعا لم تغب عن نظره هذه النظرة** وقال
"اذا حدث اي شيء اتصل بي"
بمجرد ان خرج الاثنان من الفصل خرج هارو ايضا وذهب لمكان غير معروف وهو يفكر
'هناك شيء خطأ، نظرة سايا لم تكن نظرة فتاة تريد الاعتراف بحبها، بل نظرة مفترس ناعم'
'وأوما لماذا بدا كمن يُقاد للمشنقة؟'
'سأكتشف مايحصل مهما كلفني الأمر'
في السطح وقف اوما المرتجف المتوتر مقابلا سايا
تكلمت سايا بهدوء
"رأيت أليس كذلك"
ارتجف أوما واومأ برأسه
"عيناك لاتكذبان ابدا"
قالت سايا بينما تقدمت نحو هارو
ابتعد أوما وهو يرتجف حتى اصطدم بالسور
"لاتقلق لن أؤذيك تسوكينو"
تبتسم سايا لكن ابتسامتها ناقصة
عندما رأى أوما ابتسامتها توقف جسمه عن الارتجاف
سكتت للحظة، ثم اقتربت منه، نظرت لعينيه مباشرة
قالت بصوت خافت
"لكن أنت، أنت الآن تعرف، أنت الولد الوحيد الذي رأى، ولأنك رأيت فأنت الأقرب إلي"
مدت يدها نحوه ولمسته بلطف على صدره
"هل ستخبر احدا"
ارتجف هارو قليلا
"انا..."
قاطعته سايا
"لقد حاول التحرش بي، كان ذلك دفاعا عن نفسي، احمل دائما سكينا معي عندما اخرج في الليل احتياطا، انا حقا لم انوي ذلك"
اخرجت سايا بعض الدموع مما جعل قلب أوما يخفق بقوة
"عدني أنك لن تتكلم، عدني أنك ستبقى معي، أنا لا أطلب منك أن تحبني، فقط لا تتركني وحدي مع هذا الشيء داخلي"
نظر أوما إليها وكان تعبيره غير قابل للقراءة
'كل شيء في يصرخ: اهرب
لكن قلبي أو قلبي الغبي يريد أن يصدقها'
من الواضح ان أوما لم يصدقها، لقد رأى ابتسامتها انذاك بوضوح و لكن قلبه تغلب عليه الآن
'ربما لو كنت أحبها بصدق يمكنني إصلاحها؟ أم أنني فقط أغرق في حب قاتلة لأنني أضعف من أن أواجه الحقيقة؟'
في هذه اللحظة توقف اوما عن التفكير واستسلم لمشاعره
امسك اوما و امسك بيدها بقوة
"لاتقلقي اوزورا، سأكتم هذا السر للابد اعدك، سأكون معك دائما ولن افضح هذا السر"
في هذه اللحظة احمر وجه سايا بالكامل مما جعلها تنزل وجهها
"نادني سايا"
قالت بهدوء
"ماذا؟"
سأل أوما
"قلت نادني سايا، انت من يعرف سري يعني اننا قريبان الان، نادني سايا وسأناديك أوما"
احمر وجه اوما عند سماع كلامها وجرب نطق اسمها ووجهه احمر
"نعم، سايا"
كان صوته مرتجف من الخجل بينما احمرت سايا
"شكرا لك أوما"
المرحلة الثالثة: الاستسلام للحب
يعود أوما مع سايا وفي الطريق يلتقي بهارو الذي أخذه من سايا ورجع به للسطح مرة اخرى
أوما يجلس على الحافة ويداه ترتجفان
هارو يقف أمامه، لا أثر لابتسامته المعتادة، فقط عينان حادتان تطالبان بالحقيقة
يتكلم هارو بصوت منخفض ولاكن مشحون
"ماذا حدث أخبرني"
أوما لم ينظر إليه، بل إلى الأرض، إلى الأحذية المدرسية، كان يتهرب من نظرة هارو الحادة، نادرا ماوضع رين مثل هذه التعابير
تكلم هارو مرة اخرى بنبرة اعلى
"أنا لا أمزح، أوما، نظرتها كانت باردة، مختلفة، وأنت كأنك كنت تمشي معها إلى المشنقة"
اوما بصوت مرتجف
"لم يحدث شيئ، فقط حديث"
قاطع هارو اوما
"حديث؟ لماذا إذا كنت ترتجف حين قالت اسمك؟، ماذا رأيت يا أوما؟ لا تخف مني إن كنت تمر بشيء يجب أن أكون أول من يعرف أنت صديقي"
تردد أوما، كان يقف الان امام اكثر شخص يحبه في هذه الحياة
'أفشي السر وستكرهني سايا'
'اكتم السر وسيستاء مني هارو'
'الحب أم الصداقة؟ الحقيقة أم العاطفة؟'
كان أوما يخوض صراعا عقليا
أوما:
"أنا آسف فقط دعني وحدي قليلا."
تركه ورحل تاركا وراءه صمتا كثيفا، وهارو يحدق في خطاه، يتساءل
'ماذا يوجد هناك خلف ذلك الصمت؟، ولماذا أشعر أني بدأت أخسر صديقي لشخص آخر أو لشيء آخر؟'
وقف هارو على السطح وحده، والريح الباردة تعبث بطرف قميصه
'أنا أعرفك يا أوما أنت لا تكذب، لكنك أيضا ضعيف عندما تحب'
انخفض نظره إلى حيث كانت أقدام أوما تقف قبل قليل
'هل كنت تنظر إلى الأرض هربا من الحقيقة؟
أم كنت تتوسل لها أن تبتلعك بدلا من الاعتراف بها؟'
أخرج هاتفه، قلبه ينبض بشيء لا يشبه الغضب… بل يشبه اللاطمأنينة.
'سايا أوزورا...'
بحث عن اسمها في قاعدة بيانات المدرسة، الطالبة المثالية، الهادئة، المجتهدة
ولا شيء آخر
لكن هارو لم يقتنع
'الناس الحقيقيون لديهم عيوب
وهذه مثالية أكثر من اللازم'
رفرف شعر هارو الابيض إثر الرياح وكانت عيناه الزرقاوتان مثل عيني هارو تلمعان بالفضول
عاد هارو الى الفصل وجلس في مكانه وتصرف كما لو أن شيئا لم يحصل
و لكن لاحظ ان عيني أوما لم تعودا باهتتين كما كانتا في الصباح
هناك بعض الأمل والشك والتردد والايمان
بعد رنين الجرس بمجرد خروج أوما تبعه هارو و لكن رأى شيء غريب
تقربت منه سايا وطلبت رقمه!!
تصاعد الشك في قلب هارو
من جانب اوما
بعد ان اعطى سايا رقمه سألته ان كان لديه اي شيء ليفعله وقال انه متفرغ اليوم لذلك طلبت ان يخرجا معًا
توجه بها أوما الى مقهى الانترنت
جلس أوما وسايا أمام (أليس المفروض بجانب وليس أمام بما انه مقهى إنترنت ؟) بعضهما و وضعا سماعتهما وبدأ يريها لعبة اميرات العالم
سألت سايا بفضول
"أي لعبة هذه؟" قالت دون أن تنظر إليه
"مجرد شيء نلعبه أنا وهارو كثيرا"
ابتسمت، تلك الابتسامة التي لا تحمل حرارة كاملة… بل شيء أقرب إلى الحذر الممزوج بالراحة.
بدأت تنقر على لوحة المفاتيح بخفة، تبحث عن لعبة زوجية، أوما كان ينظر إلى الشاشة، لكنه كان يشعر بنظراتها الجانبية، العابرة، لم تكن فضولية، كانت فقط تراقب وجوده
بعد دقائق من الصمت المريح قالت
"هل تستخدم نفس الاسم في كل الألعاب؟"
"أحيانا"
تردد للحظة، ثم قال
"اسمي الأونلاين*- هو محارب الحب و الأمل**، انه اسم اقترحه علي هارو قال انه يشبهني، سخيف، أعلم"
ضحكت سايا بهدوء، ضحكة قصيرة لكنها حقيقية
"ليس سخيفا، بل انه يشبهك"
تبادلا الحديث عن الألعاب، ثم عن الحاسوب القديم في بيته، ثم عن نوع القهوة المعلبة التي تفضلها.
طوال الوقت، لم يكن هناك أي لحظة مميزة ظاهريا لكن الوقت مر بسرعة، أكثر من أي مرة أخرى قضاها في المقهى
قبل أن تنهض نظرت إليه وقالت
"سأعود غدا، في نفس الوقت إذا لم تكن مع دايتشي وهارو"
هز رأسه موافقا، دون أن يعرف إن كان يوافق فعلا، أم فقط لم يرد أن يراها تذهب واراد قضاء الوقت معها مرة اخرى
غادر أوما عائدا الى منزله ولم يلاحظ الشخص الذي كان يراقبهما
'مثير للاهتمام، هل هذا تحدي لي بعد عدة سنين من الرخاء؟'
سأل هارو نفسه وهو يبتسم
في الغد حدث شيئ صادم حيث جلست سايا مكان دايتشي اي على يمين اوما
بينما يجلس هارو على يساره
لم يرفض دايتشي الموضوع وجلس في مكان سايا
كان الفصل مشتعلا بكلام الناس و لكن هارو نظر للأمر بغرابة
احمر أوما قليلا و لكنه كان سعيدا بذلك
مضى الفصل كأي فصل عادي و لكن في الاستراحة ذهب أوما مع سايا لقضاء الوقت
السطح كان مهجورا، الهواء أعلى وأنظف، المدينة تلوح من بعيد
وقفا لحظة دون أن يتحدثا. ثم اقتربت سايا من الحافة الحديدية، وأسندت ساعديها عليها ونظرت إلى الأفق
"أحب المكان هنا"
قالتها بنبرة خافتة
"هادئ"
أجابها أوما واقفا إلى جانبها بهدوء، محافظا على مسافة صغيرة بينهما
مرت لحظة طويلة، لا أحد يتحدث، فقط أصوات طيور بعيدة وهمسات الرياح
قالت سايا بصوت منخفض
"الناس يقولون إن الاستراحة قصيرة لكنها أطول اللحظات حين تكون صامتا"
نظر إليها. كانت تنظر إلى السماء
بدا وجهها في هذا الضوء هادئا
جلسا على الأرض، مسندين ظهريهما إلى الباب، يتشاركان الصمت
تكلمت عن حلم غريب رأته في الليلة الماضية كانت تركض في شارع لا ينتهي، وفي كل مرة تلتفت، تجد ظلا يركض خلفها لكنها لا تعرف إن كانت تهرب منه، أم تحاول اللحاق به
أوما لم يفسر الحلم. فهو لم يفهم و لكنه نظر اليها بدفئ يظهر انه يستمع اليها بجدية
"أنت أول شخص أتكلم معه بهذه الطريقة"
قالت سايا بينما شعر أوما بشيء يزهر داخله رغم كل ما يعرفه
ابتسمت سايا للمرة الأولى، ابتسامة صافية، لكنها قصيرة
حين دق الجرس من جديد، لم يقف أحد منهما فورا
تشاركا تلك الثواني القليلة كأنها أغلى من عشر دقائق كاملة
ولكن لم يعرف اي منهما ان هناك شخص سمع حلم سايا
هارو الذي كان واقفا عند الباب غادر قبل أن يجده الثنائي عند خروجهما وهكذا مر اليوم عندما رن جرس نهاية الدراسة غادر الاثنان معا
تجولا معا بعد المدرسة
ذهبا امام النهر وبدأ كلاهما في النظر الى مياه النهر الصافية وبعدها زارا أقدم شجرة في الحي وبقيا يتحدثان عن كيف يقضيان أيامهما
وبعدها ذهب كل منهما لمنزله لتغيير ثيابه و الإلتقاء في مقهى الانترنت
وصل اوما أولا
كان المقهى هادئا بشكل غير معتاد في تلك الأمسية
الأضواء الخافتة المتدلية من السقف كانت تتراقص على الشاشات الزرقاء، وأصوات الضغط على المفاتيح تختلط مع طنين أجهزة التبريد
فتح جهاز الحاسوب، ولم يفعل شيئا
تصفح القوائم، نقر على لعبة ثم أغلقها، فتح نافذة فارغة ولم يكتب فيها شيئا
ثم، سمع خطوات قادمة نحوه
سايا
لم تكن ترتدي زي المدرسة هذه المرة. سترة رمادية واسعة وسروال أسود، وشعرها مربوط بنصف رفعة، كأنها خرجت من عالم مختلف
ابتسمت واقتربت منه وجلست بجانبه
"انتظرتني؟"
سألت، وهي تضع سماعتها على اذنيها
"ربما"
ردّ دون أن ينظر إليها ووجهه يحمر قليلا
كانت جميلة للغاية
"غبي، في هذا الموقف يجب ان يقول الفتى، لا لقد وصلت للتو"
ضحكت سايا بخفة بينما احمر اوما اكثر
سايا فتحت مقطعا صوتيا لموسيقى بيانو ناعمة، حزينة دون أن تكون قاتمة
سألها:
"أتحبين هذا النوع؟"
"أحبه لأنه لا يتحدث"
قالتها بنبرة صافية، ثم أكملت
"الكلمات أحيانا تفسد المعنى"
ثم نظرت إليه وسألت:دنا
"هل تفكر بي كثيرا، أوما؟"
ارتبك. لم يتوقع السؤال بهذا الشكل المباشر.
لكنه أجاب بعد ثوان، دون أن يلتقي بعينيها
"أنا أفكر بأشياء كثيرة"
"وأنا؟"
صوتها لم يكن مطالبا، بل وكأنها تسأله لتعرف كيف تبدو في عقله
تنفس ببطء، ثم قال:
"أنت فكرة لا يمكن تصنيفها"
احمر وجه سايا بسرعة
و لكنها غيرت الموضوع بسرعة وبعدها بدأ كلاهما بسماع الموسيقى
مر الوقت بسرعة لدرجة ان الاثنين لم يشعرا بمروره
في نهاية الجلسة حين بدأ المقهى يفرغ، نظرت سايا إلى الساعة وقالت:
"يبدو أن الوقت لا يحبنا كثيرا"
"نعم يبدو كذلك"
ابتسم اوما بعجز
نهض كلاهما وخرجا معا
الشارع مظلم، والأنوار الشاحبة ترتجف تحت الريح
لا كلام كثير، لكن الخطوات المتزامنة كانت كافية
في النهاية افترقا بعد أن وصل كليهما لمنتصف الطريق
كان هناك عطلة لأسبوعين لذلك كان اوما سعيدا لانه سيقضي كل هذا الوقت معها
بمجرد أن وصل لمنزله رفض العشاء وصعد لغرفته للنوم
رمى نفسه على سريره وبدأ بالتفكير في سؤالها
"هل تفكر بي كثيرا؟"
فاجأه ذلك السؤال حقا
ظل يفكر لمدة اربع ساعات ولم يستطع النوم حتى رأى شاشة هاتفه تضيء، تفحص هاتفه ووجدها رسالة من سايا
سايا:
هل نمت
أوما:
لا ليس بعد، لم استطع النوم
سايا:
أعرف هذا الشعور حين يحل الليل ولا تجد مكانا للراحة
أوما:
هل تفكرين كثيرًا لدرجة الأرق؟
سايا:
أنا لا أفكر... أنا أهرب من أفكاري
توقف للحظات، يقرأ كلماتها مرتين
ثم كتب
أوما:
ولماذا تكتبين لي الآن؟
سايا:
لأنك الوحيد الذي افكر به الآن
تسارعت نبضاته، شيء ما في الجملة لم يكن حبا لكنه أيضا لم يكن مجرد صداقة
أوما:
أنا لا أعرف ماذا يجب أن أكون بالنسبة لك
طال الانتظار
ثم جاءت الرسالة
سايا:
كن الشيء الذي لا أضطر لأخفي نفسي أمامه
قرأ الجملة عدة مرات، كل مرة كانت تخترق عمقًا جديدًا فيه.
'هل تحبني؟'
'أم أنك فقط لا تستطيع الهرب؟'
'هل أريد إنقاذها'
'أم أنني فقط أريد أن أصدق أن بإمكاني أن أحب من الفتاة التي احبها؟'
أوما لم يكتب شيئا بعدها
فتح نافذته، نظر إلى السماء،
الليل لم يكن حالكا لكن لم تكن فيه نجوم
تماما مثل سايا
بدأت العطلة، ومعها بدأ كل يوم في حياة أوما يُرسم باسم سايا
اليوم الأول:
اتفقا أن يلتقيا في المكتبة، ذريعة القراءة كانت مثالية.
لكن لا أحد قرأ حرفًا.
كانت سايا تتنقل بين الرفوف تلمس الأغلفة بلطف كما لو كانت تتحسس قلوبًا لا تنبض، ثم تختار كتابًا بلا عنوان، فقط غلاف رمادي.
جلست أمامه، تقرأ بصوت هامس، لا يسمعه إلا هو
"أليس من الغريب أن كل القصص التي نحبها تبدأ بالكتمان؟"
لم يعرف إن كانت تقصد الروايات أم علاقتهما.
في نهاية اليوم، خرجا تحت المطر، بدون مظلة.
ضحكا، فقط لأن المطر أخفى كل شيء آخر
اليوم الثالث:
ذهبا إلى قاعة ألعاب قديمة في الحي، لعبا ألعابا لا تناسب عمرهما
سايا فازت بكل مرة تقريبا
ثم التقطت له صورة فجأة
قالت:
"أريد أن أتذكرك عندما يصبح كل شيء ضبابا"
اليوم الخامس:
جلسا على الرصيف قرب نهر صغير خلف الحديقة
أوما ألقى بعض الحصى في الماء
سايا جلست بصمت، تنظر في انعكاسها
ثم سألته:
"هل تظن أنني شخص سيء؟"
ارتبك، فكر، ثم قال:
"أظن أن الناس ليسوا طيبين أو سيئين بالكامل، نحن مجرد فوضى بمظاهر لطيفة"
ضحكت، لأول مرة بصوت عالي.
"أنت غريب أوما، ولذلك أنا أرتاح معك"
اليوم السابع:
كانا في سطح أحد المباني، ينظران للمدينة من الأعلى
قال اوما:
"هذا يشبه مكان هارو، في المبنى الذي تم ايقاف عملية بنائه في الحقل الفارغ، يبقى هارو هناك لأن المبنى فارغ وكثيرا مايبقى في السطح"
اليوم العاشر:
ذهبا لمعرض فني صغير.
وقفت سايا أمام لوحة مظلمة تماما، فيها خطوط حمراء فقط
قالت:
"هذه تشبهني، لا؟"
أجاب أوما:
"لا، هذه ليست أنت"
"لماذا؟"
"لأنني لا أريدك أن تكوني كذلك، ولا انتِ تريدين أن تكونِ كذلك"
نظرت إليه نظرة طويلة لم تُفهم أبدا
اليوم الثالث عشر:
نام أوما متأخرا بعد أن تحدث معها لساعة كاملة صوتيا
أخبرته أنها تحلم أحلاما غريبة، وأنها تخاف أن تنسى شكل الناس الذين تحبهم
سألها:
"وهل تحبينني؟"
سكتت طويلا، ثم قالت:
"أنت الشيء الوحيد الذي لا أريد أن أفقده الآن"
في اليوم الرابع عشر لم يلتقيا
كان أوما يحضر وعاء رامن في كرتون و مر من الزقاق المظلم، بمجرد وصوله لنقطة الضوء تذكر المشهد الذي دفنه في اعماق ذاكرته، ابتسامة سايا الوحشية والطعنات في جسد الرجل، كاد اوما ان يتقيأ ولكن امسك نفسه، كان يعلم انه لم يتحرش بها، كان من الواضح انها كذبت عليه في ذلك الوقت ولكن الانسان دائما يصنع المبررات، هذه عاقبة كونك انسانا،ستصنع المبررات لنفسك وللناس دائما
'لقد تغيرت سايا، لم تعد نفس سايا في تلك الليلة، علي ان انسى الامر و أن أمضي قدما'
عاد اوما للمنزل
بمجرد عودته وجد اخته تنتظره**
"اخي، انا غير قادرة على النوم، من فضلك اقرأ لي هذه القصة الجديدة الذي اشتراها لي ابي"
ابتسم اوما بلطف وربت على رأس اخته ورافقها لغرفتها وجلس بجانب سريرها وفتح القصة المسماة
"الثعلب الذي دفن الصوت"
في غابة بعيدة، عاش ثعلب صغير اسمه راكو، وكان محبوبا من الجميع
كان مرحا، ذكيا، ويعرف كيف يخفي حزنه بابتسامة صغيرة
في أحد الأيام، بينما كان يتمشى قرب الجرف، رأى شيئا مريعا
الدب الكبير هاجم الغزال الصغير وقتله
رأى كل شيء لكن خاف
خاف أن يتكلم
خاف أن يُسأل: لماذا كنت هناك؟
خاف أن يلومه الآخرون لأنه لم يفعل شيئا
فهرب وصنع المبررات لنفسه
في الليل، لم يستطع النوم
كان يسمع في الظلام صوتا ناعما
"لو صرخت فقط كنت سأعيش"
حاول أن يقنع نفسه أنه يتخيل
حاول أن يبتسم أكثر، يركض أكثر، يعيش كأن الغزال لم يكن موجودا
وفي اليوم التالي حفر حفرة تحت شجرة ضخمة
ودفن فيها الصوت
كان شيئا صغيرا، شفافا، كأنه روح
غطاه بالتراب وقال:
"لن أسمعك بعد الآن"
لكنه كان مخطئا
بدأ الصوت يعود
أولا همسات
ثم أنين
ثم صراخ
"كنت أؤمن بك، راكو"
"لماذا لم تنقذني؟ "
"أنت كنت هناك"
في النهار، كان راكو ما يزال الثعلب الظريف
لكن في الليل
كان ينام تحت بطانية ثقيلة ويختنق
سأل السلحفاة الحكيمة ذات يوم
"هل يمكن أن أدفن صوتا إلى الأبد؟"
فقالت:
"الضمير لا يدفن، بل ينتظر
وكلما طال انتظاره اشتد صراخه، مهما صنعت من ايام حلوة فلن تهرب من الضمير ابدا يا راكو"
فكر راكو طويلا
ثم عاد إلى نفس الشجرة
نفس الحفرة
ونبش الأرض
وجد الصوت هناك
لكنه لم يعد صغيرا
كان ضخما
كبيرا جدا
بحجم الغزال الذي مات وحجم كل الصمت الذي دفنه
نظر إليه وهمس:
"أنا اسف لا أستطيع إصلاح شيء بعد الأن"
ثم صعد إلى أعلى الجرف
حيث رأى كل شيء في البداية
ونظر للأسفل
قال:
"لن أهرب بعد الآن،سأطهر نفسي من ذنبي"
وأغمض عينيه
في اليوم التالي، وجدت الحيوانات ورقة صغيرة قرب الجرف
كتب فيها:
"السكوت لا يصنع الأبطال بل يصنع المقابر"
ومنذ ذلك اليوم
صارت الحيوانات تهمس:
"لا تكن مثل راكو لا تدفن الصوت"
النهاية
أنهى أوما القصة وأخته الصغيرة تنظر إليه في صمت
سألته:
"هل مات راكو لأنه كان شريرا؟"
أوما، بعينين حزينتين:
"مات لأنه صنع مبررات لنفسه كي لايقول الحقيقة، لذلك هو أسوء من الدب"
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، لا تشبه السعادة واطفأ الضوء وترك اخته تنام
المرحلة الرابعة: الضمير، الماضي، الهدف
بمجرد ان أوى اوما الى فراشه بدأ بتكرار الكلمات في عقله
'الضمير، المبررات، الحقيقة، الضمير، الضمير، الضمير، غير مهم، ستتغير هناك فرصة، تحرش بها، واثق من ذلك'
نام اوما وهو يفكر ولم يسلم من احلامه بدأت الكوابيس ترواده
كان اوما يهرب وكان الرجل المقتول يركض خلفه ويعاتبه
"لماذا لم تخرج الحقيقة، لماذا لم تعاقب المجرم، لماذا أخفيت ذلك عن الجميع، بسببك المجرمة حرة طليقة وموتي ذهب في مهب الرياح، ماذا عن عائلتي، كان لدي عائلة، حرمتني تلك الفتاة منهم، وحرمتهم مني، الخطيئة لاتغتفر بدون عقاب، يجب ان تطهرها، انت ايضا مذنب انت مذنب"
قبل ان يرد اوما خرجت عدة ايادي من المقتول الذي كان يطارده وامسكت بأوما وبدأت تمزقه
"سأطهرك سأطهرك سأطهرك"
بدأ الشخص المقتول بتكرار كلمة التطهير وهو يمزق في أوما
استيقظ أوما من الكابوس وهو يصرخ وكان جسمه مليئا بالعرق
من الجيد ان غرفته لاتخرج الصوت
مباشرة بعد صراخه استدار اوما و تقيء وهو يلهث
عادت عينيه الزرقاوتين ليصبحا باهتتين
وكان كل من الخوف والذنب باديين على وجهه
استمرت الكوابيس بمطاردته
ولم يستطع النوم
رفع هاتفه للاتصال بسايا و لكنه شعر بالاشمئزاز والقرف
لم تخفى الحقيقة عن عينيه حتى لو صنع المبررات بلا نهاية
انتهت ايام الحب الحلوة وحان الوقت لتحمل عاقبة افعاله
سيستمر الانسان بالهرب من ذنبه ولكن بمجرد ان يكبر الذنب سيقتله ضميره
يستطيع الانسان ان يهرب من الناس والكلمات والواقع و لكن لايمكن الهرب من الضمير
بقى اوما يعاني طوال الليل لدرجة انه بدأ يرى هلوسات المجرم وهو يعاتبه حتى وهو مستيقظ
في مكان آخر كانت سايا تنظر لهاتفها بوحدة
ارسلت عدة رسائل لأوما ولم يرد عليها
بدأت تتذكر الماضي وهي ملقاة في سريرها
كانت في السادسة من عمرها حين أخذها والدها لأول مرة إلى الجبل.
قال لها بابتسامة فخورة:
"هكذا يصطاد الرجل الحقيقي فريسته."
أطلق النار على أرنب أبيض
رأت الدم يفور من رقبته، يتناثر على العشب الأخضر
وصمت.
لم تصرخ، لم تبكِ
بل شيء ما في صدرها اهتز شيء جديد دافئ مخيف
'أعجبني اللون أعجبني الصوت الخافت حين توقف الأرنب عن الحركة'
في اليوم التالي، وجدت عصفورا صغيرا جريحا
لم تأخذه للطبيب البيطري
سحقت رقبته بهدوء
في الصف الرابع بدأت تقتل القطط
تحملها بلطف تبتسم لها ثم تستخدم المقص
لم تكن تبكي
كانت تدرس ما تشعر به بعد كل مرة
مرة أحست بخفة في صدرها
مرة لم تحس بشيء
ومرة ضحكت
لم تكن تكره الحيوانات
كانت فقط تريد أن ترى النهاية بيديها، كيف يكافحون وبعدها يصمتون
كانت عائلتها كبيرة لذلك لم يكن لهم الكثير من الوقت لها وحتى ابيها لم يهتم بالامر كثيرا
في سن الثالثة عشر كانت تراقب فتى يؤذي قطة صغيرة في الزقاق
لم تصرخ
تبعته
وفي لحظة مظلمة
طعنته في الرقبة بسكين مطبخ صغير
سقط
تجمدت في البداية
ثم شعرت بذلك الشعور القديم يعود
الدفء السيطرة، الهدوء العميق بعد الفوضى
"لم أكن أكره الفتى لكن موته أمتعني للحظة"
على مدى ثلاث سنوات، كانت تقتل أشخاصا عشوائيين
المشردين، العنيفين، المزعجين
كانت تبرر أفعالها بأنها تنظف الشوارع
لكنها كانت تعلم
أنها لا تقتلهم لأنهم سيئون
انها تقتلهم لأنها تريد أن تراهم وهم يكافحون تم يصمتون
في كل مرة كانت تبكي بعد الجريمة لانها تندم على ذلك
ثم تعود، المتعة تغلبت على ضميرها و لكنها في نفس الوقت لم تهرب من ضميرها ولم تستطع الهرب منه
عند لقاء اوما حاولت كبح رغباتها
حاولت ان تصبح افضل و لكنها عرفت ذلك
لا أحد يتوب مجانا
الدماء تترك أثرا على اليد لا على السكين، ويدها قد تلطخت بالفعل
"لن أتطهر حتى أدفع الثمن ويُطفأ هذا الجوع"
نامت سايا وهي تتمتم
خلال هذه الايام لم يكن هارو يلعب
كان هارو مشغولا ايضا
كان هارو ايضا من عائلة كبيرة
واستعمل قوة عائلته للبحث في خلفية سايا و **لكن لم يستطع معرفة*- الكثير لذلك بحث عن اقرب شخص لها
فتاة لم تكن تدرس في نفس مدرستهم و لكنها كانت صديقة طفولة سايا منذ الطفولة والاقرب لها يوزورا شينري
مات ابوها الذي كان يعذبها هي واخيها في صغرها وسبب موته مجهول
لاحظ هارو هذا ولم يغب عن ذهنه بالطبع
لذلك اقترب منها هارو
وللاقتراب منها كان يحتاج لجعلها *-تثق** به
لذلك جعل واحدا من خدمه يتنمر على اخيها الصغير
وبما انه بحث عرف انها تحب اخيها حبا جما وتعتبره حياتها وتعيش من اجله
صنع موقفا متقنا وجعل نفسه يبدو كمنقذ اخيها مما جعلها ثثق به وبدأ يتقرب منها حتى وقعت في حبه بسهولة
مستغلا مظهره وتروثه(تروث من الهدوء او هل تقصد ثروته من الثروة) وموقف اخيها اقترب منها بسهولة
بمجرد اقترابها منه سألها عن سايا وبعد ان وثقت به اخبرته بكل ماتعرفه
"كنا في العاشرة من عمرنا، وكنت ازور سايا كل يوم، كنا نضحك نلعب ونرسم على الورق و لكني لاحظت فيها تصرفات ليست للاطفال، كانت تقتل الحيوانات بيديها او بأسلحة حادة وتستمتع بذلك مما دفعني للخوف والابتعاد عنها قليلا واصبحنا نلتقي كل اسبوع بدلا من كل يوم
لكن يوما لاحظت هي الكدمات على يدي،
وسمعتني أبكي في دورة المياه حين حسبت أن لا أحد يسمع
لم تسألني لم تضغط علي
فقط، أمسكت يدي وقالت
"أنا سأحلها ثقي بي"
وفي اليوم التالي غابت عن المدرسة
قالت لي بعد أيام
"يوجد مفاجأة اليوم لاتذهبي لمنزلك باكرا، ودعينا نختبأ في خزانة منزلكم"
لم أفهم لكني وثقت بها
دخلنا للخزانة الصغيرة في المطبخ، وجلست بجانبي
"لاتخافي، كل شيئ سيحل، اليوم انتي حرة"
عاد الرجل إلى البيت وهو يصرخ
بدأ يصرخ، يكسر الصحون، يسب
بدأت أرتجف، أغمضت عيني وبدأت في البكاء
لكن سايا؟
سايا كانت تنظر بثبات من شقوق الخزانة
وفجأة
سمعنا صوته
"آآآآه! أيتها اللعينة أنت هنا؟"
" شينري ابنة الحرام، أتجسسين علي؟"
صمت
ثم قال بصوت مليء بالغضب
"إن لم تخرجي، سأكسر الكرسي على ظهرك هذه المرة"
كنت سأخرج و لكن سايا امسكتني وغطت فمي
"لاتقلقي، سأعد للثلاثة وستختفي مشكلتك"
"واحد"
"اثنان"
"ثلاثة"
بمجرد ان قالت ثلاثة سمعت صوت الباب ينفتح وصرخات ابي
بعد دقيقة اختفى الصراخ وعندما خرجنا لم اجد ابي
وبعدها سمعت انه مات
عرفت ان سايا قتلته
كانت سايا تعتقد انها خلصتني من مشكلتي
ولكني كنت بدأت اكرهها
رغم انه كان قاسي علي الا انه كان ابي في النهاية
رغم انني كرهتها الا انني كنت ممتنة لها لانها كانت تمولنا
وبسببها عاش اخي حياة جيدة
هذا ما اعرفه عن ماضيها
عبس هارو عندما اكملت حكايتها ثم رفع رأسه وابتسم لها واخبرها انه يجب ان يذهب
حلل هارو الموقف بسرعة
'اذا كانت هذه الفتاة قاتلة فهذا يفسر كل شيئ، قبل اسبوع وثلاثة ايام مات شخص في حي اوما وفي نفس الوقت اصيب بالصدمة وبدأ يخاف من سايا، هذا يفسر كل شيئ، لاتقلق اوما، سأبعدك عن هذه المجرمة، شخص مثلك لايجب ان يحب هذه الفتاة'
بدأ هارو يتذكر الماضي
"في أول مرة لم أكن هارو بل كونت كوغامي"
كنت انتمي لعائلة غنية، ولدت موهوبا وعبقريا، تم تعليمي الكثير من العلوم، لم يتم تدريبي جسديا لكنني كنت عبقريا خارقا، وكان علي ان احمل عاتق عائلتي على كتفي، انا هو الغد لهذه العائلة ولكنه غير كل شيء
بداية السنة الأولى في الإعدادية
السماء تمطر بغزارة في ساحة المدرسة، والطلاب يركضون للداخل
هارو كوغامي، ذو الشعر الأنيق والزي النظيف يقف وحيدا تحت المطر لا يتحرك
في زاوية الملعب كان أوما يجري بحثا عن كرة مفقودة
رآه بالصدفة اقترب منه
أوما ينادي
"أوي! ستصاب بالبرد إن بقيت هكذا!"
لم يرد هارو
لكن أوما اقترب أكثر رأى وجهه
كان هارو يبكي بصمت
"أوه اسف، لم أقصد الإزعاج"
ثم جلس بجانبه تحت المطر، دون أن يسأل شيئا
هارو سأل بصوت غريب
"أنت غريب الكل يهرب من المطر وأنت تجلس بجانب شخص غريب يبكي"
أوما:
"الغريب هو المطر ليس من الطبيعي أن ينزل بهذه السرعة"
ثم ابتسم، وأضاف:
"وايضا لو كنت أنا الذي كنت ابكي كنت لأحب أن يجلس أحدهم بجانبي حتى لو لم يقل شيئًا"
هارو نظر إليه بدهشة
لم يكن بحاجة إلى فلسفة، ولا أسئلة، فقط إلى شخص يعترف بضعفه دون أن يحكم عليه"
في اليوم التالي، جلس هارو بجانبه في الصف، ولأول مرة ضحك
جعله أوما يرى نفسه كإنسان لا كأداة عائلته ومستقبلهم المشرق
"هو الوحيد الذي لم يرى اسمي ولا درجاتي ولا اسم عائلتي ولا مستقبلي الذي تم تحديده
رآني أنا فقط
وهذا ما يجعلني أخشى عليه أكثر من أي شيء آخر"
جلس هارو وحده على الحافة، والريح تعبث بشعره
كان كل شيء من حوله ساكنا، إلا قلبه
فجأة
ظهر أمامه صبي صغير
شعره أشعث عيناه واسعتان ويرتدي زيا قديما لطفل مدرسة الاعدادية
الصبي:
"مرحبا يا هارو"
هارو بإبتسامة ساخرة قال
"أنت؟"
الصبي يركض نحوه ويجلس
"أنا أنت
أنا النسخة التي كانوا يقولون عنها عبقري العائلة
أنا الذي كنت تبكي عندما يمرض أبوك وتقول: سأصير أمل العائلة، سأرفع الجميع"
هارو يهمس
أنا لم أنقذ أحد"
الصبي يضحك
"لكنك أنقذت سمعة العائلة، اليس كذلك
ستدخل جامعة مرموقة في المستقبل لأنك عبقري، جعلتهم يفتخرون بك"
هارو:
"وأوما؟
لم أنقذه"
صوته يرتجف
"كان أقرب شخص لي وكان يغرق اكثر من مرة لأن نفسيته ضعيفة، وأنا كنت منشغلًا بكوني كافيا لهم"
الصبي:
"ولكن انت لست كافٍ له"
يضحك بسخرية طفولية
"كنت تقول إنك تفهمه انك تحس به بدون ان يتكلم"
هارو يحني رأسه
"لم احس"
هارو يرتجف
"أنا لست عظيما كما يقولون"
ينظر إلى يديه
"كل ما فعلته، فعلته لأنهم انتظروا مني أن أكون شيئا
لكن لما احتاجني أوما اصبحت لا شيء"
الصبي ينهض ويقترب منه:
"أنت لست عظيما
ولن تكون
لكنك كنت تستطيع ان تكون صديقا وكان هذا يكفي"
هارو يهمس
"ما كفاني حتى أكون إنسانا له"
ثم يتمتم
"أنا آسف يا أوما"
المرحلة الاخيرة: التطهير
جمع هارو في هذه الأيام الكثير من الأدلة سواء من شينري او من أبحاثه
ولكن للاسف كانت سايا قد كشفت اقترابه من شينري
في هذا اليوم كان هارو جالسا في مكانه الخاص في سطح العمارة مع حاسوبه ويبحث اكثر ويراقب ادلته
بعد اكتشاف كل شيء ارسل هارو لاوما رسالة تطلب منه ان يحضر
رد اوما وقال انه سيأتي في الحال
شعر اوما انه الضوء يعود عندما رأى رسالة هارو
كانت حالته النفسية مزرية
بمجرد ان وضع هارو هاتفه شعر بعرق بارد خلف ظهره وقفز من مكانه سريعا ولكن ذراعه اصيبت بالسكين الطويل
بمجرد ان استدار وجد سايا تحدق به بنظرات باردة وفي يدها ساطور بحجم نصف ذراعه
"انت مزعج، منذ اول نظرة عرفت انك مزعج، اريد ان اتوقف عن القتل و لكنك ستكون عائقا لذلك سأتخلص منك واتوب"
امسك هارو بيده وكان الدم يملؤها ويتساقط على الارض
كان الجرح كبيرا وخطيرا
شعر بألم كبير ولكنه ابتسم بإستفزاز
"تواب؟، لاتمزحي معي انت تعلمين انه يجب عليك ان تدفعي ثمن خطاياك للتواب، وانا متأكد من انك لاتستطيعين ذلك، كما انني ارى رغبة القتل في عينيك، هذه ليست نظرة شخص سيتوب"
بمجرد رؤيتها لإبتسامته المستفزة وكلماته التي كانت صحيحة ولكن مغضبة ركضت نحوه بسرعة ورفعت الساطور لضربه
كان هارو محاصرا في الزاوية لذلك كان يتهرب من هجماتها بصعوبة ويمسك بيده لمنع تدفق الدم لذلك لم يستطع الدفاع عن نفسه
ولكنه اصيب في كل مكان وكان الدم يتدفق من كل انحاء جسمه تقريبا
وشعره كان يغطي عينه الذي كانت قد اصيبت بالفعل
لم تختفي ابتسامته المستفزة
عرف انه سيموت هنا ولكن كان قد حسب احتمال موته خلال الثلاث ايام الذي عرف فيهم حقيقتها
بمجرد ان رأى السكين تقترب منه تكلم
"مازلتِ تخسرين في النهاية"
اغمض عينيه متقبلا موته
سقط جسده على الارض وهو يشعر بالبرد وموته يقترب
نظر هارو لنفسه الصغيرة
"لم اكن كافيا، مهما بذلت جهدا لم اكن كافيا، انا حقا اسف"
اغلق هارو عينيه وهو ودموعه تتساقط
كان قلبه يتألم
"لما تتأسف؟"
تفاجأ هارو وفتح عينيه وبدلا من نفسه الصغيرة رأى اوما يقف هناك
"لقد فعلت مايكفي، هارو، انت صديق ورجل عظيم"
توقفت دموع هارو وابتسم
"يمكنك ان ترتاح الان"
حضن اوما هارو الذي اغمض عينيه
لم تفهم سايا لماذا كان هارو سعيد وهو يموت وراقبته وهو يغلق عينيه
بسرعة بمجرد التأكد من موته غادرت
بعد فترة قصيرة
في البناء المهجور في الحي المعزول وصل اوما بعد فوات الاوان
بمجرد ان وصل للسطح رأى اوما من بعيد ورأه ساقطا والدم يملئ جسده
ركض أوما حتى لم يعد يسمع صوت قدميه
صوت تنفسه كان أقرب للصراخ لكنه لم يصرخ
بدأ يردد بخوف وتوتر والالم سيطر على قلبه
"قل أنك بخير قل أنك فقط تختبئ وهذه دمية قل أن الأمر كله مزحة أخرى قمت بها بعبقريتك"
كان هارو ممددا، وجهه مائل عينيه مغمضتين مع ابتسامة راضية على وجهه، يد واحدة تمسك باليد الثانية
لم يكن هناك أحد
فقط هو والذنب المجسد أمامه
أوما لم يستطع الحراك
ركبتاه خانتاه
وقع على ركبتيه
يداه كانت ترتجف كما لو أن جلده يحاول أن ينزلق عنه
نظر إلى هارو بحزن عميق ودموعه تتساقط بلا توقف
"لا ليس أنت لست أنت الذي يموت كنت أنا أنا يمكن ان اموت اما انت فلا"
بدأ يصيح لكن لا أحد سمعه
يجلس اوما بجانبه بجانبه يلمس يده لكنها باردة
لم يعلم كيف مضى الوقت حتى وقف
نضر للمكان حوله ووجد كاميرا
'بالطبع لم يكن هارو شخص يخسر بسهولة'
كان اوما حزينا ولكن ابتلعه الظلام
قرر ان ينتقم اولا ثم يحزن كما يريد
حصل اوما على الكاميرا وعاد بها للمنزل ثم عاد الى المكان واتصل بالشرطة
حضرت الشرطة. فتشت كل شيء
لم تجد بصمات للقاتل ابدا وحققوا قليلا مع اوما ثم اطلقوا سراحه
ذهب اوما للنوم وبعدها بمجرد استيقاظه وجد اتصال سايا وبعض رسائل التعزية تقول انها سمعت بموت هارو وانها حزينة من اجله
ولكنه تجاهلهم وتوجه لمنزل هارو
رأى اوما ان امه فقط الموجودة في المنزل
حتى النهاية عومل هارو كأداة منهم
ابوه لم يكلف نفسه عناء المجيء
عزى اوما ام هارو وذهب لغرفة هارو
بحث اوما قليلا حتى وجد حاسوب متصل به بطاقة ذاكرة
فحص اوما شاشة الحاسوب ورأى ملف بعنوان
[البحث-سايا]
نظر اوما بشك
أخذ اوما الحاسوب ولم تمانع ام هارو ذلك
بمجرد وصوله لمنزله فتح الحاسوب ودخل الملف
وجد اوما فيديوهين
واحد للكاميرا الذي لديه وواحد قبله صور من قبل هارو
كان --الفيديو الأول يشرح فيه ماضي سايا والثاني للحظة التي** مات فيها
"مرحبا يا أوما، قمت بهذا الفيديو لتجده الشرطة ولكن اعلم ان الاحتمالات لانهائية وقلبي يقول انك انت من ستجده
إذا رأيت هذا الفيديو فأنا إما مت أو اصبت ولم أعد قادرا على حمايتك"
"أعرف أنك لا تحب أن يحدثك أحد بنبرة القائد، لكن اسمعني سايا ليست كما تراها.
بحثت عنها، عن سجلها هناك ثغرات، تغيرت مدرستها ثلاث مرات خلال الابتدائي
صديقة قديمة أخبرتني عن حادثة غامضة ومرة أخرى كانت شاهدة على اختفاء حيوان أليف ثمين في نفس يوم زيارتها"
"ثم، ملفات المدرسة التناقضات فيها أكثر من الكلمات، وكأن أحدا ما مسح الحقيقة ومسح معها روح سايا الحقيقية"
بدأ هارو يروي ماضي سايا
يحدق هارو في الكاميرا طويلا، ثم يقول بصوت أكثر هدوءا
"أوما أعرف أنك تحبها
لكن إن كنت تحبها حقا لا تكن أداة في يدها
لا تكن شاهد زور على نفسك، انت صمتت واذنبت، ولكن لم يفت الاوان بعد"
انتهى الفيديو بعد ذلك
سقط قلب اوما عندما عرف ان سايا هي التي قتلته
فتح مباشرة الفيديو الثاني
كاميرا مهزوزة
ظهر هارو وهو يجلس ويكتب في حاسوبه
ثم خطوات
سايا تظهر في الإطار
هادئة لا انفعال
فقط خطوات ثابتة
ثم
ارجحة سكين
الهرب
ارجحات لاتعد ولا تحصى
ألم
سقوط
ابتسامة
موت
الفيديو يُغلق
بدأ أوما يضحك
"إذن هكذا تموت
على يد شخص ظننت أنني قادر على شفائه؟
على يد من منحتها قلبي، وكتمت عنك جريمتها؟"
ضرب الطاولة
ثم صرخ، كما لو أن داخله يتمزق
"كان علي أن أتكلم لماذا سكتت، بسبب الحب السخيف؟!"
تنهار دموعه، لكنه لا يمسحها
قام من مكانه
أخذ الحاسوب
أخرج بطاقة الذاكرة، وأدخلها في جيبه
فتح خزانته نظر إلى سترة سوداء لم يلبسها منذ جنازة جدته
"سأخد بثأرك"
البناء المهجور-نفس الغرفة-نفس البلاط البارد
مساءا بعد ثلاثة أيام من جنازة هارو
وقف هارو مع حقيبة أمام قدمه
أرسل أوما رسالة قصيرة
أوما: أريد أن أراك في نفس المكان الذي اعتدنا الجلوس فيه انا وهارو،اريد مشاركتك بعض الذكريات لا اريد ان اكون وحيدا
سايا لم ترد. لكنها جاءت
لم تكن ترتدي زي المدرسة
بل كانت ترتدي نفس السترة الرمادية
التي ظهرت بها اخر مرة قبل أن يموت هارو
عندما دخلت، ابتسمت
"أوما لم أتوقع أن تطلب رؤيتي، هل اشتقت لي؟"
"أردت أن أراك فقط."
رد أوما وصوته لا يحمل أي دفئ
اقتربت منه بخفة واشار لها ان تجلس في الكرسي الذي في نفس الزاوية التي مات فيها هارو
فتح أوما حقيبته ببطء، أخرج شيئا صغيرا
بطاقة الذاكرة
رماها نحو قدميها واشار بإصبعه للحاسوب امامها
قال بهدوء
"شاهدي نفسك تموتين في عيني"
لم تفهم سايا الامر و لكنها وضعت بطاقة الذاكرة في الحاسوب وشاهدت بصدمة
"في النهاية كان هارو عبقريا حتى اخر لحظة"
قالت سايا بعجز وهي تنظر لأوما الذي كانت نظراته تخترقها
"سايا، انت اذنبتي ولم تتوبي، انت مليئة بالخطايا وتحتاجين للتطهير، لقد قتلتي هارو بيديك، ولكن الاسوء انني قتلته بصمتي، لذلك سأطهرنا"
اقترب اوما منها وهو يحمل الحقيبة وبمجرد ان اقترب اخرج ساطور مثل الذي قتلت هي به هارو
ارتجفت سايا
"أنت تحبني كنت تحبني، أليس كذلك؟، وعدتني ان تحفظ سري، في الايام السابقة وعدتني ان تبقى معي للابد"
"لهذا أقتلك الأن، للابد اي يعني حتى الموت، سأطهرنا معا، سنتوب معا وفي نفس الوقت ستدفعين ثمن خطيئتك"
قبل ان تتمكن سايا من الحراك طعنها
طعنها اكثر من مرة وعيناه مليئان بالدموع
قبل ان تموت سايا اخرجت اخر كلماتها
"أتعلم؟ كنت أحاول أن أتوقف لأجلك، لكن الذنب، الذنب لا يتركنا حتى ندفع ثمنه"
اغمضت سايا عينها
ووقف اوما
"متى بدأ هذا؟
أكان منذ اللحظة التي رأيت فيها سايا؟
أم حين اخترت أن اصدقها؟
أم حين تركت هارو يشك دون أن أخبره؟
عندما كتمت الامر
هل أنا السبب؟
ظهرت صورة هارو في ذهنه
"لم تمت فقط لأن سايا قتلتك، بل لأنني تركتك تموت"
"السكوت عن الجريمة مشاركة فيها"
"كنت شريكا"
"لقد اختبرتني الحياة فلم أنجح لا كصديق ولا كإنسان"
خسرت اخلاقي وخسرت صديقي وخسرت نفسي بسبب الكتمان
ينهض أوما، خطواته تترنح
ينظر حوله كما لو أن المكان ينهار عليه
صوت في رأسه يصرخ
'هل تغفر لي يا هارو؟'
'هل كنت لتسامحني؟'
'هل كنت تفضل أن أفضح سايا بدل أن أبقى معها؟'
'هل كنت ستظل معي لو فعلت؟'
وقف على حافة السطح
"هارو، لقد طهرتنا"
قفز اوما من السطح واغلق عينيه
(النهاية)