كنتُ أمارسُ حياتي ببساطةٍ بدائية، كمن يتنفس أو يرمش. لم أكن أحاول كسر القواعد، كنتُ فقط أجهلُ وجودها. لكن المشكلة في العالم الذي يعيش في الظلام، أن الضوء الطبيعي الخافت يبدو له انفجاراً مرعباً.

​اسمي رامون.. ناديني رامون فقط.

هذه المذكرات أتركها آملاً أن يتذكر أحد وجودي.

​"رامون ماذا تفعل؟ ألن تذهب؟"

​"قادم."

​أتذكر الآن.. لقد بدأ الأمر من هذا اليوم.

​فتى أو مراهق أو شاب، شخص بسيط يعيش حياة بسيطة، لا شيء مميزاً بي وكنت أدرك ذلك، ولهذا عشت راضياً بما أملك حتى هذا اليوم.

​"ألم تجهز نفسك بعد لنعود؟"

​"نعود؟"

​تساءلتُ عندها، لماذا نعود بينما نحن ذاهبون من أجل زيارة عائلية؟ نظرة والدتي لم تكن لطيفة فصمتُّ.

​جهزتُ نفسي وركبتُ السيارة وتوجهنا لبيت العائلة بشكل طبيعي، الطريق واضح وبعد ازدحام أولي يصبح سلساً وتبدأ الرحلة المريحة.

​دون أن أشعر كنت قد نمت مستنداً على زجاج السيارة، بعدها صوت طرق على الزجاج.

​"لقد وصلنا."

​"ألم تنم بالأمس؟" هذه أختي الصغيرة، من النادر أن تسأل هذا السؤال.

​"نوعاً ما." بالنظر إلى هاتفها فهي تلعب لعبتي المفضلة أيضاً، وهذا نادر أيضاً: "في النهاية بدأتِ بلعبها."

​"هل تتكلم عن هذه؟" ابتسمت وتابعت: "لطالما أحببتها منذ أن كنتُ صغيرة."

​"من المذهل كيف تقولين ذلك بهذا الوجه!" قبل أسبوع فقط كانت تكره هذه اللعبة.. لكن تمثيلها جيد.

​"أمي، رامون يعلق على وجهي مجدداً."

​"رامون!"

​"لم أفعل."

​لقد فعلتُ لكن من يهتم.. على أي حال نزلتُ من السيارة، رحبتُ بالعائلة كالمعتاد ودخلنا المنزل. عادةً أفضل التوجه إلى غرفتي، لكن اليوم قررتُ الجلوس مع جدي قليلاً، حتى لو بدا رجلاً قاسياً فهو لطيف في كلامه.

​"كيف حال مدرستك؟"

​"جدي، أخبرتك لقد تخرجتُ بالفعل."

​قد يكون لطيفاً لكنه كثير النسيان، لكنني أحبه، الجلوس قربه مريح للأعصاب، أحب أيضاً قصص أيام عمله في الجيش رغم أن بعضها مبالغ به لكن وقعها جميل.

​"رامون، العشاء جاهز."

​"قادم." تنهدتُ وقمتُ، يبدو أن وقت القصص انتهى.

​"جدي لنذهب."

​"هل سنذهب لمكان ما؟"

​"العشاء، جدي العشاء."

​"هل حان الوقت؟"

​ساعدتُ جدي في النهوض أولاً، أتمنى له حياة طيبة لكن لا يبدو أنه سيصمد كثيراً..

​على طاولة العشاء كان الجو دافئاً مثل كل مرة، كل شخص يقول ما حدث له وكل شخص يحاول تعظيم قصته وأنا عادةً أكون صامتاً.

​التحقيق يعلّمك أن تصمت أكثر مما تتكلم، لكن الجميع يتفهم ذلك.

​"هل أصبح رامون محققاً جنائياً؟"

​توقفت الملاعق.

لم ينظر أحد إلى جدي.

ابتسموا جميعاً… تلك الابتسامة التي ترى مثلها في الصور العائلية القديمة،حين يكون أحدهم قد خرج عن النص،

ويحاول الباقون إعادة المشهد إلى طبيعته.

نظرتُ إلى والدي.

لم يبتسم.

كان يحرّك الملعقة في طبقه ببطء،

دون أن يأكل.

​أحياناً يحدث هذا عندما يسترجع جدي بعض الذكريات في أوقات غير مناسبة..

​"جدي، ليس من المناسب أن تسأل الآن."

​الجميع صمت…

ثم الأم نادته كأنه أخطأ…

رغم أنه لم يقل شيئاً.

​"رامون؟"

​"حسناً."

​تلك الإشارة تعني أن أساعد جدي في الصعود إلى غرفته، رغم أن الوقت مبكر لكن أعتقد من الأفضل أن ينام قليلاً.

​"لنذهب، يجب أن تنام قليلاً."

​"رامون لمَ لم تخبرني أنك أصبحت محققاً؟ هل تعلم كان لدي صديق اسمه رامون في هذا المجال أيضاً؟ لقد كان صديقي المفضل. عندما.. "

​"أجل جدي سمعت هذا من قبل، دعنا نذهب."

​تنهيدة طويلة أتت من الطاولة بعد ابتعاد جدي.. ولم أستغرق وقتاً طويلاً في العودة عندما سمعتهم يتحدثون عن ذلك

​"هل حالته تزيد سوءاً هذه الأيام؟"

​"لقد كان أفضل في الأسبوع السابق."

​دخلتُ فصمت الجميع ونظروا حولي: "لا بأس جدي قد نام."

​"رامون لمَ لا تذهب لترتاح أيضاً؟"

​"لا بأس لست متعباً، ما زلت جائعاً."

​لقد كانت الأيام السابقة متعبة حقاً لكن أحب هذا التجمع العائلي، جلستُ، فنهضت أختي فوراً.

​"سوف.. أذهب إلى غرفتي."

​لم يمنعها أحد، غادرت لكن بعدها ظلت الطاولة صامتة.

​بعدها كان صوت الملاعق يعود ببطء.

أحدهم سعل ولم ينظر أحد إليّ مباشرة.

نظرتُ إلى كوب الماء أمامي، لم ألمسه.

​أشار أنه لا يحتاجه فتنهدتُ وأنهيت طعامي بسرعة وعدتُ إلى غرفتي أيضاً.

​أطفأتُ الضوء وبقيت مستيقظاً قليلاً.

كان المنزل هادئاً أكثر من المعتاد.

أو ربما كنت أنا أكثر انتباهاً.

​صباح اليوم التالي كان من المفترض أن أرافق والدي للصيد، بحكم أنني مشغول طوال السنة فهذه الأيام من أيام قليلة التي نخرج فيها معاً.

​"آسف رامون.. لقد حدث شيء ويجب أن نعود اليوم، دعنا نؤجل رحلة الصيد ليوم آخر."

​"ماذا حدث؟"

​صمت والدي ونظر إليّ فقط.. هل حدث شيء يجعله يتنهد بهذه الطريقة؟ "هل الأمر خطير؟"

​"لا أعلم بعد."

​"هل تحتاج مساعدة؟ قد أساعدك في شيء."

​أعلم أنه سيرفض.. دائماً يرفض.. لكن سألت على أي حال وكما توقعت.. رفض مجدداً.

​هذا مؤسف لكن لا حل آخر.. ومساء اليوم كنا في طريق عودتنا إلى المنزل.

​"ما زلتِ تلعبين هذه اللعبة؟"

​"اهتم بشؤونك."

​"يا للأسف، كنت سأخبرك بمكان الخرائط السرية."

​تنهدتْ وأغلقت الهاتف دون الرد: "سوف أنام."

​ما هذا؟ كنت أمزح فقط.

​سوف أنام أيضاً فقد يستغرق الطريق وقتاً ووالدي لا يحب تسليمي مقود السيارة..

​نمتُ.. أو هكذا خُيل لي. لم يكن نوماً، بل كان غرقاً تدريجياً في مياهٍ باردة.

​استيقظتُ على صوتِ محرك السيارة وهو ينطفئ. ساد صمتٌ مفاجئ، صمتٌ لا تسمعه في شوارع المدينة المزدحمة حيث أسكن. فتحتُ عينيّ بصعوبة، كان الضباب يلف الزجاج من الخارج كأنه قطنٌ ثقيل.

​"لقد وصلنا؟" سألتُ بصوتٍ مبحوح.

​"رامون، قم بحمل أختك للداخل."

​"حسناً." تثاءبتُ وخرجتُ.

​أخذتُ أختي إلى غرفتها ثم عدتُ إلى الطابق السفلي حيث كان والدي يجلس وهو يمسك رأسه وأمي واقفة أمامه.

​"هل حدث شيء؟"

​"لا.. اذهب إلى النوم." قالت الأم.

​ظللتُ واقفاً هناك أحاول فهم الوضع.

​"أبي لو حدث شيء يمكنك الاعتماد عليّ، أنت تعلم ذلك."

​"رامون فقط اذهب لترتاح، لم يحدث شيء."

​"لا أحتاج راحة. أبي أخبرني من فضلك."

​"رامون!" صرخ الأب فهزت صرخته المكان ثم تابع وهو يحاول تمالك أعصابه: "فقط اذهب لترتاح."

​أعتقد أنني سأنتظر إلى الغد وأعيد سؤاله.

​لكن لم أحصل على فرصة في اليوم التالي فقد خرج للعمل مبكراً: "أمي.. هل هناك شيء يجب أن أعرفه؟"

​"مثل ماذا؟"

​لم يكن هذا سؤالاً، لكن كان لدي الكثير من الأسئلة وتلك النظرة توحي أنها لن تجيب على شيء.

​أنهيتُ الطعام بهدوء بعد ذلك، وقررتُ الخروج اليوم.

​لم أكن أبحث عن شيء محدد…

​أو هكذا أقنعتُ نفسي.

​الهواء في الخارج كان أبرد مما توقعت. الشارع نفسه، البيوت نفسها، لا شيء تغيّر. ومع ذلك شعرتُ أن شيئاً ما قد تحرّك في مكان لا أراه.

​أخرجتُ هاتفي. لا إشعارات.

​تصفحتُ سجل المكالمات.

​مكالمة قصيرة أمس… رقم غير محفوظ.

ليس من عادتي حفظ الأرقام لذلك قد يكون شخصاً أعرفه، لهذا أعدت الاتصال.

*​رنين...... رنين*

​[ردّ الصوت بهدوء: مرحباً]

​توقفتُ.

كنتُ أعرف هذا الصوت.

لكنني لم أعرف من أين.

​"مرحباً، من معي؟"

​ساد صمتٌ قصير من الطرف الآخر، صمتٌ تقطعه أنفاسٌ ثقيلة وكأن صاحبها يتردد في كشف هويته.

​[انقطع الخط]

​"هممم!"

​أنزلتُ الهاتف ببطء. لحظة الصمت قبل أن يُغلق الخط كانت أطول من الرنين نفسه.

​نظرتُ إلى الرقم مرة أخرى لكن لم أعرفه.

​أعدت الاتصال لكن الطرف الآخر قد قام بحظر الرقم.

​"غريب."

​قررتُ وضع هذه المسألة جانباً، أردتُ أولاً زيارة شركة والدي من أجل الاطمئنان عليه.

​لا أفهم لمَ يستمر في رفض مساعدتي دائماً.

​لم يتوقف الأمر على الجانب المالي فقط، بل حتى أنه لا يسمح لي بقيادة سيارته عندما نسافر لمكان بعيد.

​لقد احترمتُ كل ما يريد سابقاً لكن إذا كانت العائلة في مشكلة فيجب أن نتعاون وليس أن نبني أسراراً مع بعضنا البعض.. يجب أن أستغل هذه العطلة في اكتشاف الأمر.

​"حسناً… فلنترك الكلام جانباً."

​إذا كان الأمر كبيراً يمكنني التدخل بعدها، لكن إذا لم يكن كذلك، يمكنني تجاهل الأمر وبذلك أحفظ كبرياء والدي.

توجهت ألي الشركة و ​لم يكن مبنى الشركة بعيداً عن المنزل.

​مررتُ بالمخبز الذي نشتري منه كل صباح، وبالمقهى الذي يجلس فيه والدي أحياناً مع بعض الموظفين. كل شيء بدا طبيعياً إلى حدٍ يثير الانزعاج.

​الطبيعي الزائد ليس مريحاً.

​توقفتُ أمام المبنى الزجاجي.

​شعار الشركة لا يزال كما هو، والباب الدوّار يدور ببطء مع دخول وخروج الموظفين.

​لم أكن أزور المكان كثيراً. والدي لا يحب أن “أختلط بالعمل”، كما يقول.

​لكنني أعرف الداخل جيداً… أكثر مما يظن.

دخلتُ بهدوء. موظفة الاستقبال رفعت رأسها.

​"رامون؟ لم أرك منذ فترة."

​"أجل. كنتُ مشغولاً."

​لم أسأل عن والدي مباشرة.

السؤال المباشر يخلق حذراً.

​نظرتُ حولي وكأنني أبحث عن شيء عابر.

​"هل أبي في مكتبه؟"

​ترددت لثانية، ثانية واحدة فقط.

​التردد الذي سبق جوابها كان أطول من اللازم.

​"خرج في الصباح من أجل اجتماع."

​"اجتماع؟ مع من؟"

​ابتسمت ابتسامة مهنية: "لا أعرف التفاصيل."

​كذبة صغيرة وواضحة جداً.

​أومأتُ وغادرتُ مكتب الاستقبال دون تعليق.

​المصعد كان بطيئاً كعادته. ضغطتُ زر الطابق الذي يضم مكتب والدي، رغم أنني أعلم أنه غير موجود

​تحرّك المصعد ببطء، كأنه يتردد مثلي.

​انعكس وجهي على الباب المعدني باهتاً، غريباً بعض الشيء و بعد قليل توقّف المصعد أخيراً.

___________

نهاية الفصل

___________

2026/02/26 · 8 مشاهدة · 1364 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026