في عالمنا، لا يولد المرء عظيماً، بل يولد على أمل أن يصبح كذلك.
تأتي هذه العظمة في يوم صحوة المانا، وهو اليوم الذي يبلغ فيه الفرد سن الرشد، وتتدفق فيه القوة السحرية عبر عروقه للمرة الأولى، مانحةً إياه قدرة فريدة تشكل هويته ومستقبله.
البعض يسيطر على لهيب التنين، والبعض الآخر يهمس للرياح فتطيعه، وهناك من يشفي الجروح بلمسة، أو يرى خيوط المستقبل.
أما أنا، دان فيرن، فقد منحتُ كتاباً.
ليس مجازاً أو رمزاً للمعرفة، بل كتاب حقيقي. غلافه من الجلد الداكن ، منحوت بخارف بأحرف رونية، وصفحاته فارغة كصحراء لم تطأها قدم.
في يوم صحوتي، بينما كان أقراني يشعرون بتوهج المانا في صدورهم، شعرت أنا بثقل هذا المجلد في يدي، وقد ظهر من العدم.
لم أشعر بأي قوة كامنة، ولا بأي تأثير سحري في روحي. كنت فارغاً، تماماً كصفحات كتابي.
لهذا السبب، في أروقة الأكاديمية الملكية للسحر، لا ينادونني بالساحر دان. بل يتهامسون خلف ظهري، مطلقين عليّ لقباً أراه أكثر دقة، وأكثر سخرية: "السارق".
أليس هذا مضحكاً؟ في مكان يُحتفى فيه بالموهبة الفطرية والقوة الأصيلة، أقف أنا كشذوذ عن القاعدة. لصّ للمعرفة، طفيليّ يتغذى على إبداع الآخرين.
وهذا اللقب لديه سببٌ وجيه...
كتابي هذا هو جريمتي وأداتي في آن واحد. قدرته بسيطة ومدمرة: سرقة التعاويذ. أي تعويذة يتم إلقاؤها في حضوري، ينبض كتابي بالحياة للحظة، وترتسم رموزها المعقدة على إحدى صفحاته الفارغة، لتصبح ملكي. يمكنني بعد ذلك، بمجرد لمس الصفحة، أن أستدعي تلك التعويذة كما لو كانت قدرتي الأصلية.
"هل أنت شارد الذهن مجدداً يا دان؟"
صوت ليو، صديقي الوحيد في هذا المكان، أعادني إلى الواقع. كنا نقف في ساحة التدريب الكبرى، وهي مدرج حجري هائل تحيط به بلورات مانا عملاقة تطفو في الهواء، باعثةً وهجاً أزرق خافتاً يضيء نقوش الرونية القديمة على الجدران. كان الهواء مشحوناً بالتوتر وتوهجات سحرية خفيفة تخلّفها التعاويذ.
أدرت رأسي نحوه وأجبرت شفتي على الابتسام. "كنت أفكر فقط في مدى سخافة هذا الاختبار."
ضحك ليو، وشعره الأحمر الناري تراقص مع ضحكته. كان يجسد كل ما لست عليه: واثق من نفسه، مفعم بالحياة، وقدرته مباشرة وقوية. كان ساحر نار من الطراز الرفيع.
"إنه اختبار أساسيات، دان. إظهار التحكم في المانا. ليس من المفترض أن يكون معقداً."
"بالنسبة لك، ربما،" تمتمت، وأنا أشد قبضتي على حزام حقيبتي الجلدية التي تحمل كتابي الثمين. "أنت تملك نهراً من النار في داخلك. أما أنا، فكل ما أملكه هو بئر فارغة، وأنتظر أن يلقي أحدهم دلواً فيها."
نظر إليّ ليو بنظرته المعهودة التي تمزج بين الشفقة والتفهم. كان من القلائل الذين يعرفون حقيقة قدرتي.
"لا تقل هذا. قدرتك مذهلة بطريقتها الخاصة. إنها فريدة من نوعها."
"فريدة هي كلمة مهذبة لوصف طُفيلية،" أجبته ببرود، وعيني تراقبان الطلاب الآخرين وهم يستعرضون قدراتهم. فتاة تنسج خيوطاً من الماء في الهواء، وشاب آخر يجعل الصخور الصغيرة ترتفع وتدور حوله في مدار متناغم. كلها قدرات فطرية، جزء من أرواحهم.
"الأستاذة إيلارا قادمة،" همس ليو، معتدلاً في وقفته.
ساد الصمت في الساحة مع دخول الأستاذة إيلارا. كانت امرأة طويلة ذات شعر فضي مجدول بإتقان، وعيناها حادتان كالصقر. لم تكن تبتسم أبداً، وكان حضورها وحده كافياً لفرض النظام.
وقفت في وسط الساحة وقالت بصوت صافٍ وقوي تردد في أرجاء المكان: "الاختبار اليوم بسيط. ستتقدمون واحداً تلو الآخر. المطلوب هو تشكيل 'كرة مانا' مستقرة، ثم إعطاؤها خاصية عنصرية من اختياركم. هذا الاختبار لا يقيس القوة الخام فقط، بل التحكم والدقة. من يفشل، سيعيد السنة التمهيدية."
مرت بضع دقائق من التوتر. تقدم الطلاب، بعضهم نجح بسهولة، وآخرون تعثروا. شاهدت كرة من البرق تتشكل وتتلاشى، وكرة من الرياح تدور بعنف قبل أن تنفجر. لم يكن كتابي مهتماً بهذه الأساسيات. كان خاملاً، بارداً تحت لمستي. إنه ينتظر شيئاً ذا قيمة، شيئاً يستحق السرقة.
ثم جاء دوره.
كاين دي فالوا. وريث إحدى أعرق العائلات السحرية في المملكة. كان طويل القامة، بشعر أشقر بلاتيني وعينين زرقاوين جليديتين تنضحان بالغطرسة. كان يكرهني، ليس كرهاً شخصياً، بل كرهاً مبدئياً. في عينيه، كنت أمثل إهانة لمفهوم السحر النقي والأصيل الذي تتباهى به عائلته.
تقدم كاين إلى الأمام بخطوات واثقة، والتفت للحظة ليرمقني بنظرة ازدراء قبل أن يواجه الأستاذة إيلارا.
"مجرد كرة مانا، أستاذة؟ هذا ممل للغاية،" قال بصوت عالٍ بما يكفي ليسمعه الجميع. "اسمحوا لي أن أريكم شيئاً أكثر إثارة."
" حسنً لا مانع عندي. "
لم تعترض إيلارا، بل راقبته بعينين ضيقتين، وكأنها تتحداه.
ابتسم كاين ببرود. رفع يده، وتجمعت المانا حولها ليس على شكل كرة، بل على شكل ضوء أبيض متوهج. كانت هالته قوية، نقية، تشع بالقوة. همس بكلمات لم أسمعها من قبل، وبدأت خيوط من الضوء تتشكل وتتشابك في الهواء، مكونةً ما يشبه سلاسل متلألئة.
"قيود النور الأثيرية،" همس ليو بجانبي بانبهار. "إنها تعويذة من المستوى المتوسط على الأقل! تتطلب تحكماً هائلاً في عنصرك السحري."
"هممم!"
في تلك اللحظة، شعرت به.
حرارة خفيفة بدأت تتسرب من غلاف كتابي الجلدي.
لم تكن حرارة مزعجة، بل كانت أشبه بشعاع يصدر من الكتاب. تحت أصابعي، شعرت باهتزاز خفيف، كأن صفحاته التي لم تُلمس من قبل ترفرف بصمت في الداخل.
أغمضت عيني للحظة، ورأيت في عقلي رموزاً ذهبية تتشكل وتتدفق، ترسم مسار التعويذة المعقدة التي يلقيها كاين. كان الكتاب يلتهمها، يحلل شيفرتها، ويسجلها كملكية خاصة به.
انتهى كاين من استعراضه، والسلاسل الضوئية تلاشت في وميض ناعم. ساد الصمت للحظة، ثم انفجر الطلاب في همسات إعجاب. نظر كاين نحوي مباشرة، وابتسامة انتصار متعجرفة على وجهه. كانت رسالته واضحة:
هذا هو السحر الحقيقي، أيها الدخيل.
"جيد جداً، سيد دي فالوا. تحكم مثير للإعجاب،" قالت الأستاذة إيلارا بصوت حيادي، قبل أن تعود عيناها الباردة إلى قائمتها. "التالي... دان فيرن."
تجمدت في مكاني. كل العيون تحولت نحوي. شعرت بضحكات مكتومة وهمسات ساخرة. "ماذا سيفعل؟ هل سيقرأ لنا قصة بكتابه هذا؟" سمعت أحدهم يقول.
أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بنبض كتابي الدافئ تحت يدي. كان الأمر أشبه بصديق يطمئنني. مشيت إلى وسط الساحة، ووقفت في نفس المكان الذي وقف فيه كاين قبل لحظات. كانت عينا كاين تتابعاني، مليئتين بالترقب الشرير، ينتظر إذلالي.
"سيد فيرن،" قالت الأستاذة إيلارا. "كرة مانا بسيطة ستكون كافية."
نظرت إليها، ثم إلى كاين، ثم إلى كتابي.
"معذرة، أستاذة،" قلت بصوت هادئ وثابت فاجأني أنا نفسي. "أعتقد أنني سأجرب شيئاً أكثر إثارة أيضاً."
أمالت إيلارا رأسها بالموافقة.
رفعت يدي اليسرى، تماماً كما فعل كاين.
وأخرجت ووضعته في يدي اليمنى . وبمجرد فتحه توهج بضوء خافت وتدفقت المعرفة إلى عقلي.
شعرت بالكلمات، بالرموز، بمسار المانا المطلوب لتشكيل "قيود النور الأثيرية". لم تكن قدرتي، لكنها الآن كانت معرفتي.
"ما- مالذي تفعله بحق الجحيم؟" صرخ صديقنا الأشقر بغضب.
أغمضت عيني، وتجاهلت شهقات الدهشة الخافتة من حولي. همست بنفس الكلمات التي لم أسمعها، لكنني الآن عرفتها عن ظهر قلب. شعرت بالمانا الضئيلة في البيئة المحيطة تنجذب إلي، تتبع المسار الذي رسمته لها معرفتي المسروقة.
أمام أعين الجميع المذهولة، بدأت خيوط من الضوء الأبيض تتشكل وتتشابك في الهواء أمامي. لم تكن باهتة أو ضعيفة. كانت بنفس النقاء، بنفس القوة، وبنفس التعقيد الذي أظهره كاين. ربما أكثر إشراقاً بقليل.
"قيود النور الأثيرية."
فتحت عيني. كانت السلاسل الضوئية تطفو أمامي، متلألئة بجمال فتاك. ساد صمت مطبق في الساحة. كان بإمكاني سماع دقات قلبي في أذني.
نظرت إلى كاين. كان فمه مفتوحاً قليلاً، وعيناه الزرقاوان متسعتان في صدمة مطلقة. اختفت الغطرسة من وجهه، وحل محلها مزيج من عدم التصديق والغضب الخالص.
ثم نظرت إلى الأستاذة إيلارا. للمرة الأولى منذ أن رأيتها، لم تكن عيناها باردتين أو حياديتين. كانتا تلمعان ببريق حاد من الفضول.
تركت التعويذة تتلاشى. لم أقل شيئاً آخر. استدرت وبدأت بالعودة إلى مكاني، تاركاً خلفي صمتاً مدوياً.
لم أكن ساحراً. لم أكن أملك قوة فطرية. لكن في تلك اللحظة، فهم الجميع، وفهمت أنا أيضاً، أن عدم امتلاك السحر لا يعني بالضرورة أن تكون ضعيفاً.
لقد سرقت تعويذتي الأولى أمام الجميع ، وما حدث بعد ذلك كان أشبه بالعقاب.
⟡
كانت عودتي إلى مكاني أطول رحلة قطعتها في حياتي. كل خطوة كانت تقع في بئر من الصمت المطبق، ثقيلٌ لدرجة أنني كدت أسمع أفكارهم تتصادم في الهواء.
ما إن وصلت إلى جانب ليو، حتى انكسر السد. لم ينفجر الصمت في ضجة، بل تسرب في همسات متتالية.
"مستحيل... ليس لديه أي صلة بعنصر الضوء ، أليس كذلك!" همست فتاة ذات شعر أزرق كانت تقف بالقرب منا.
رد عليها شاب بجانبها بصوت خفيض: "هل رأيت ذلك؟ لقد قلّد كاين تماماً. نفس الحركات، نفس التوهج. كيف؟"
"هل هذه هي قدرته؟ التقليد؟" تساءل ثالث، وبدا صوته ممزوجاً بالرهبة والازدراء. "هذا... هذا ليس سحراً حقيقياً. إنه غش."
تلك الكلمة، "غش"، طعنتني أكثر من كلمة "سارق". لأنها كانت تحمل في طياتها اتهاماً بالخسة، باللعب خارج القواعد التي يقدسها الجميع.
وفجأة، اخترق صوت غاضب جدار الهمسات.
"أنت!"
كان كاين دي فالوا. تقدم نحوي بخطوات سريعة وقوية، ووجهه الذي كان قبل قليل قناعاً من الصدمة، تحول الآن إلى لوحة من الغضب النقي. كانت عيناه الزرقاوان تشتعلان بنار باردة، ويداه مقبوضتان بشدة إلى جانبيه.
توقف أمامي مباشرة، والطلاب حولنا تراجعوا بضع خطوات، مكونين دائرة حولنا، كأننا في حلبة مصارعة.
"كيف تجرؤ على فعل ذلك؟" صاح، وصوته يرن في الساحة. لم يعد يهتم بالحفاظ على صورته الأرستقراطية الهادئة. "أجبني أيها اللص!"
كلمة "لص" التي قالها بصوت عالٍ جعلتني أتجمد. إنها حقيقتي، لكن سماعها كاتهام مباشر كان أمراً مختلفاً.
رفعت رأسي ونظرت في عينيه مباشرة. "وماذا لو فعلت؟" قلت بهدوء، محاولاً إخفاء ارتجاف صوتي.
ازداد غضبه، واقترب أكثر حتى كدت أشعر بالحرارة المنبعثة من جسده. "هذا ليس مجرد سحر! 'قيود النور الأثيرية' هي تعويذة متوارثة في عائلة دي فالوا! لا يملكها إلا من يجري في عروقه دم العائلة! كيف تجرؤ على تدنيسها بلمستك القذرة؟"
"لم أكن أعلم أنها حكرٌ على عائلتك،" أجبته ببرود لم أكن أعلم أنني أملكه. "ربما يجب أن تحسنوا حراسة أسراركم."
كانت كلماتي كصب الزيت على النار. رأيت يده ترتفع، وبدأت شرارات من الضوء تتجمع حول أصابعه. كان على وشك مهاجمتي.
وقف ليو بيننا على الفور، رافعاً يديه في حركة دفاعية. "كاين، اهدأ! نحن في ساحة تدريب!"
لكن كاين لم يكن يرى أحداً سواي. كان الغضب يعميه.
"كفى!"
جاء صوت الأستاذة إيلارا حاداً وقاطعاً كشفرة سيف. لم تصرخ، لكن نبرتها الآمرة جمدت الجميع في أماكنهم، حتى كاين الذي تلاشت الشرارات من حول يده على الفور.
مشت نحونا بخطواتها الهادئة والواثقة، ووقفت بيننا. نظرت إلى كاين أولاً. "السيد دي فالوا، إن فقدان السيطرة على مشاعرك هو أول علامات ضعف الساحر. عشرون نقطة خصم من رصيدك."
"ما-"
تصلب وجه كاين، لكنه لم يجرؤ على الاعتراض.
ثم استدارت نحوي. عيناها الفضيتان كانتا ثاقبتين، تبحثان عن شيء في أعماقي. لم أستطع قراءة تعابيرها. هل كانت غاضبة؟ معجبة؟ أم أنها رأتني كما يراني الآخرون، مجرد محتال؟
"أما أنت، سيد دان،" قالت ببطء، " فقد أظهرت قدرة غير متوقعة، بدأت تثير فضولي قليلًا."
أعلنت بصوتها الذي عاد قوياً ليسمعه الجميع: "انتهى اختبار اليوم. انصرفوا جميعاً."
بدأ الطلاب بالتحرك ببطء، وهم يلقون نظرات خاطفة نحوي ونحو كاين. لكن قبل أن أتمكن من التنفس الصعداء والهرب مع ليو، أضافت الأستاذة إيلارا بصرامة:
"ليس أنتما. السيد دي فالوا، السيد دان. إتبعاني في مكتبي. حالاً."
تجمد الدم في عروقي. نظرت إلى كاين، ورأيت في عينيه وعداً صامتاً بالانتقام. ثم نظرت إلى ظهر الأستاذة إيلارا وهي تبتعد، وشعرت بثقل كتابي في حقيبتي.
⟡
كانت المسافة من ساحة التدريب إلى جناح هيئة التدريس قصيرة، لكنها بدت لي كمسيرة أبدية عبر أراضٍ معادية. كل خطوة كانت بمثابة ضربة مطرقة على سندان قلقي.
كنت أسير خلف الأستاذة إيلارا ببضع خطوات، بينما كان كاين يسير بمحاذاة الحائط المقابل، محافظاً على مسافة بيننا وكأن وجودي يلوث الهواء الذي يتنفسه.
لم نتبادل كلمة واحدة، لكن الصمت بيننا كان أثقل من الحجر، مشبعاً بالعداء الصامت الذي يطل من عينيه كلما التقت نظراتنا للحظة.
كان بإمكاني الشعور بنظرات الطلاب الفضولية وهي تلاحقنا من الممرات الجانبية، همساتهم كانت كالأفاعي، تنساب في الزوايا وتلدغ بقايا ثقتي بنفسي. "السارق" و "المحتال" هما الكلمتان اللتان استطعت التقاطهما بوضوح.
وصلنا أخيراً إلى باب من خشب الأبنوس المصقول، نُقشت عليه بلورات رونية صغيرة تتوهج بضوء فضي خافت. فتحت الأستاذة إيلارا الباب بحركة سلسة ودخلت، مشيرة إلينا باللحاق بها.
لم يكن مكتبها فخماً كباقي مكاتب الأساتذة ذوي الأصول النبيلة. بل كان معبداً للمعرفة والنظام. جدرانه مغطاة من الأرض إلى السقف برفوف من خشب البلوط الداكن، تئن تحت وطأة مجلدات قديمة وأدوات سحرية غريبة: كرات بلورية تنبض بضوء هادئ، ونماذج مصغرة لمخلوقات أسطورية محفوظة في زجاج، ومخطوطات معلقة على الجدران تصف دوائر تحويل معقدة. كان الهواء يحمل رائحة الورق القديم والأعشاب المجففة والأوزون الخفيف، رائحة القوة المنضبطة.
أشارت إلى كرسيين أمام مكتبها الضخم. "اجلسا."
جلست بحذر على حافة الكرسي، بينما ألقى كاين بنفسه على الكرسي الآخر بغطرسة لم تفارقه رغم الموقف. وضعت حقيبتي التي تحوي كتابي على حجري، واحتضنتها كأنها درع واقٍ.
جلست الأستاذة إيلارا خلف مكتبها، وشبكت أصابعها الطويلة النحيلة فوق سطحه المصقول. لم تنظر إلينا مباشرة في البداية، بل ثبتت عينيها على نقطة في الفراغ بيننا، وكأنها ترتب أفكارها.
"سأكون واضحة،" بدأت أخيراً، وصوتها الهادئ يقطع التوتر. "ما حدث اليوم في الساحة يتجاوز حدود المنافسة الأكاديمية. إنه يمس جوهر ما يعنيه أن تكون ساحراً."
التفتت بنظرها الحاد إلى كاين أولاً. "سيد دي فالوا، اتهامك للسيد دان بالسرقة هو اتهام خطير. هل لديك أي دليل يتجاوز حقيقة أنه استخدم تعويذة تعرفها عائلتك؟"
انتفخت أوداج كاين. "الدليل؟ الدليل هو أنه فعلها! هذا الفتى،" قالها وهو يشير إليّ بازدراء، "لم يظهر أي موهبة سحرية طوال حياته. قدرته، إن كان يملك واحدة، هي لغز حتى للأساتذة. لم يره أحدٌ تعويذة سحرية من قبل. وفجأة، يستخدم تعويذة ضوء من المستوى المتوسط تتطلب سنوات من التدريب وصلة فطرية بالعنصر؟ هذا ليس ممكناً، إنه احتيال!"
"الاحتيال يتطلب وسيلة، سيد دي فالوا. هل رأيته يستخدم أداة سحرية محظورة؟ مخطوطة مسروقة؟" سألت إيلارا ببرود منطقي.
تردد كاين للحظة. "لا... لكن..."
"إذاً، ما لديك هو مجرد شكوك مبنية على الغرور العائلي." قاطعته بحدة، ثم تحول نظرها الجليدي نحوي. شعرت وكأنها تجردني من طبقات دفاعي، وتنظر مباشرة إلى روحي القلقة.
"والآن أنت، سيد دان. لقد أظهرت اليوم شيئاً لم يتوقعه أحد. في الحقيقة ، كاين لديه وجهة نظر. استخدامك لتعويذة ضوء بهذا الإتقان يتعارض مع كل التقارير المتعلقة بقدراتك... أو بالأحرى، غيابها. فلتشرح لي."
كان هذا هو السؤال الذي أخشاه. ابتلعت ريقي الجاف. ماذا أقول؟ الحقيقة الكاملة ستجعلني منبوذاً، وربما سجيناً. الكذب الكامل مستحيل، فهي ستكتشفه.
"أنا... لا أستطيع الشرح تماماً، أستاذة،" تمتمت، وأنا أختار كلماتي بعناية. "قدرتي معقدة. إنها لا تعمل بالطريقة التقليدية."
انحنت إيلارا إلى الأمام قليلاً، وازدادت حدة نظرتها. "لا تكن مراوغاً معي، يا فتى. ما هي قدرتك الفطرية؟ ما الذي مُنحته في يوم صحوتك؟ مع أنني يمكنني تخمين الإجابة بالفعل."
صمتّ للحظة، وشعرت بنظرات كاين الحارقة ، إذن لا فائدة من المراوغة على أي حال.
"لقد مُنحتُ كتاباً."
رفع كاين حاجبيه بسخرية وهمس: "يا للسخافة."
لكن الأستاذة إيلارا لم تضحك. بل ضاقت عيناها أكثر، وتحول الفضول في نظرتها إلى تركيز شديد. "كما توقعت .أرني ذلك الكتاب؟"
بيدين مرتعشتين، فتحت حقيبتي وأخرجت المجلد ذا الغلاف الجلدي الداكن. وضعته على سطح المكتب المصقول بيننا. بدا بسيطاً وقديماً في هذا المكان المهيب.
مدت إيلارا يدها نحوه، لكنها توقفت قبل أن تلمسه. "هل يمكنني؟"
أومأت برأسي.
لمسته بأطراف أصابعها، وأغلقت عينيها للحظة. شعرت بخيبة أملها حتى قبل أن تتكلم. "لا أشعر بأي شيء. مجرد كتاب قديم فارغ. لا هالة سحرية، لا قوة كامنة. هل تسخر مني، سيد دان؟"
"الكتاب نفسه ليس سحرياً،" قلت بسرعة، وشعرت باليأس يتسلل إليّ. "قدرته هي التي..."
"دعنا ننهي هذه المهزلة،" قاطعني كاين بغضب. "إنه يضيع وقتنا. هناك طريقة واحدة لمعرفة الحقيقة. أجرِ له اختبار 'قياس المانا'، أستاذة. سيكشف عن توافقه الفطري مع العناصر. إذا لم يكن لديه أي تناغم لعنصر الضوء، فهو كاذب ومحتال."
كان هذا فخاً. فخاً مثالياً. كنت أعلم أنني لا أملك أي تناغم لأي عنصر.
نظرت الأستاذة إيلارا إلى كاين، ثم إليّ، ثم إلى الكتاب. وقفت فجأة. "فكرة جيدة، سيد دي فالوا."
توجهت إلى أحد الخزائن الزجاجية وأخرجت بلورة صافية بحجم قبضة اليد. عادت ووضعتها على المكتب أمامي. "ضع يدك عليها، سيد دان. البلورة ستتوهج بلون العنصر الذي تملك أقوى صلة به. إذا لم يكن هناك صلة، فستبقى صافية."
كان هذا هو الحكم. نظرت إلى البلورة الشفافة، ثم إلى وجه كاين المنتصر. لم يكن هناك مفر.
أخذت نفساً عميقاً، ومدت يدي المرتعشة ووضعتها فوق البلورة الباردة.
انتظرت. وانتظروا معي.
ثانية. ثانيتان. عشر ثوانٍ.
لم يحدث شيء. ظلت البلورة صافية وشفافة تماماً، كقطعة من الزجاج العادي. لم يكن هناك أي لون، أي توهج، أي رد فعل. كانت دليلاً قاطعاً على فراغي السحري.
ابتسامة عريضة وشريرة ارتسمت على وجه كاين. "كما قلت. لا شيء. إنه فارغ. لقد استخدم حيلة ما لتقليد تعويذتي. يجب طرده هذا المحتال من أكاديمية االسحر!"
لكن الأستاذة إيلارا لم تكن تنظر إلى البلورة. كانت تنظر إلى الكتاب.
لأن شيئاً ما كان يحدث.
على الصفحة الأولى من الكتاب، التي كانت مفتوحة قليلاً، بدأت رموز ذهبية خافتة بالظهور ببطء، ترسم نفسها من العدم. كانت نفس الرموز المعقدة لتعويذة "قيود النور الأثيرية". الكتاب، بطريقة ما، كان يتفاعل مع ذاكرة التعويذة في عقلي، أو ربما مع بقاياها في الهواء.
لاحظت إيلارا ذلك. انحنت فوق الكتاب، وعيناها متسعتان بدهشة حقيقية هذه المرة. "ما هذا؟" همست، وكأنها نسيت وجودنا.
مدت إصبعها ببطء ولمست الرموز المتوهجة على الصفحة.
وفي اللحظة التي لمستها فيها، انفجر ضوء أبيض نقي من الكتاب. غمر الضوء المكتب بأكمله للحظة، جاعلاً كاين يتراجع في كرسيه وهو يحمي عينيه، ثم تلاشى بالسرعة التي ظهر بها.
ساد الصمت مرة أخرى، لكنه كان مختلفاً هذه المرة. لم يعد صمت الاتهام، بل صمت الرهبة الممزوجة بالارتباك.
كانت الأستاذة إيلارا لا تزال تحدق في الكتاب، وإصبعها ما زال يلامس الصفحة التي بهتت رموزها الآن. رفعت نظرها إليّ ببطء، وفي عينيها تعبير لم أره من قبل. لم يكن غضباً أو شكاً. كان شيئاً أقرب إلى... الاكتشاف.
"سيد دي فالوا،" قالت بصوت ثابت، لكنني لاحظت نبرة جديدة فيه. "يمكنك الانصراف. هذه المسألة لم تعد تخصك."
"لكن أستاذة...!" بدأ كاين بالاحتجاج.
"قلتُ، انصرف!" أمرتها بصرامة لا تقبل الجدال.
نهض كاين، وألقى عليّ نظرة أخيرة مليئة بالكراهية والارتباك، ثم خرج من المكتب وأغلق الباب خلفه بقوة.
بقيت أنا وهي وحدنا. أنا، وهي، وكتابي الذي كشف جزءاً من سره.
"دان فيرن،" قالت وهي تجلس مرة أخرى، وعيناها لم تفارقا الكتاب. "أعتقد أن تدريبك من الآن فصاعداً... سيكون تحت إشرافي المباشر."
"تدريب تحت إشرافك المباشر؟" كررت كلماتها بصوت خافت، محاولاً فهم ما يعنيه ذلك. "لكن... لماذا؟"
أزاحت إيلارا البلورة الصافية جانباً، وركزت كل انتباهها على كتابي الذي لا يزال مفتوحاً على مكتبها.
" قدرتك يا سيد دان، ليست مجرد 'تقليد' كما تعتقد. التقليد هو محاكاة سطحية للتعويذة السحرية. ما فعلته أنت كان استنساخاً مثالياً. وما فعله هذا الكتاب للتو هو شيء بعيدٌ تماماً عن التقليد."
مررت يدها فوق غلاف الكتاب مرة أخرى، بحذر شديد هذه المرة. "هذا الكتاب لا يسرق التعاويذ فحسب، أليس كذلك؟ إنه يسجل 'جوهر' التعويذة. الشيفرة المصدرية للسحر نفسه. وعندما تلمسه، فإنه لا يمنحك القدرة على إلقاء التعويذة، بل يمنحك 'المعرفة' الفورية لكيفية إلقائها، متجاوزاً الحاجة إلى الصلة الفطرية بالعنصر."
كان تحليلها دقيقاً بشكل مخيف. لقد لخصت في بضع جمل ما استغرقني شهوراً لأفهمه بشكل غامض. أومأت برأسي ببطء، وشعرت بأن جداراً من السرية قد انهار بيننا.
"هذا يجعلك خطيراً بشكل لا يصدق،" تابعت بصوت هادئ لا يخلو من التحذير. "ويجعلك ذا قيمة لا تقدر بثمن. في الأيدي الخطأ، يمكن لهذه القدرة أن تسرق أسرار مملكة بأكملها. وفي الأيدي الصحيحة، يمكنها أن تحدث ثورة في عالم لسحر."
رفعت عينيها نحوي، وكانت نظرتهما حادة كالمشرط. "السؤال هو، أي نوع من الأيدي هي يداك، دان فيرن؟"
لم أستطع الإجابة. لم أكن أعرف كيف أجيب على سؤال كهذا من الأساس. لذلك وقفت صامتًا بدون إجابة.
"لهذا السبب سأشرف على تدريبك،" قالت وكأنها قرأت أفكاري. "ليس فقط لتعليمك، بل لمراقبتك أيضاً. من اليوم، ستكون دروسك معي، في هذا المكتب، بعد انتهاء اليوم الدراسي. سنستكشف حدود قدرتك، وسنضع لها قواعد. وسيبقى كل ما يحدث بيننا سراً مطلقاً. هل هذا واضح؟"
"واضح تماماً، أستاذة،" قلت، وشعرت بمزيج من الرهبة والارتياح. الرهبة من هذا التدقيق الشديد، والارتياح لأنني ولأول مرة، لن أكون وحدي في مواجهة هذا السر.
⟡
كانت جلستنا التدريبية الأولى في اليوم التالي أشبه بتجربة علمية أكثر منها درساً في السحر. أغلقت إيلارا باب مكتبها، وفعلت سلسلة من الرونية على الجدران التي توهجت بضوء فضي خافت ثم اختفت. "حاجز صمت وخصوصية،" شرحت ببرود. "لا أحد يستطيع أن يرى أو يسمع ما يحدث هنا."
وضعت كتابي على منصة حجرية صغيرة في وسط الغرفة. "اليوم، سنبدأ بالأساسيات. أريد أن أفهم آلية 'السرقة'. أريدك أن تسرق تعويذة بسيطة أمامي."
وقفت على بعد بضعة أمتار، ورفعت يدها. "سألقي تعويذة 'كرة ضوء' بسيطة. راقب كتابك جيداً. صف لي ما تشعر به، وما تراه."
أومأت برأسي، وركزت كل حواسي على الكتاب.
همست إيلارا بالكلمة السحرية، وتشكلت كرة من الضوء الدافئ في راحة يدها. كانت تعويذة أساسية يتعلمها كل مبتدئ.
في اللحظة التي ظهر فيها الضوء، شعرت به. نفس الدفء الخفيف الذي تسلل إلى غلاف الكتاب. كان أشبه بشعور الجوع الخفيف، رغبة هادئة في الاستهلاك.
فتحت الكتاب على صفحة فارغة، ورأيت العملية بعيني. خطوط باهتة من الحبر الذهبي بدأت بالظهور، ترسم نفسها بسرعة ودقة مذهلتين. لم تكن مجرد رموز، بل كانت أشبه بمخطط هندسي معقد، يصف تدفق المانا، والاهتزاز الصوتي للكلمة، والنية الذهنية المطلوبة لتشكيل الضوء.
"إنه يرسمها،" قلت بصوت مذهول. "يرسم التعويذة كخريطة."
"هل يمكنك استخدامها الآن؟" سألت إيلارا، وهي تبقي كرة الضوء ثابتة.
لمست الصفحة بإصبعي. تدفقت المعرفة إلى عقلي على الفور. لم تكن مجرد تعليمات، بل كانت أشبه بذاكرة مزروعة. عرفت فجأة كيف أجمع المانا المحيطة، وكيف أهمس بالكلمة، وكيف أشكلها في كرة ضوء.
رفعت يدي الأخرى، وقلدت حركتها. همست بالكلمة السحرية، وظهرت كرة ضوء في راحة يدي، مطابقة تماماً لكرتها.
ألقت إيلارا نظرة تحليلية على كرتي، ثم على كرتها. "مثيرة للاهتمام. الطاقة المستخدمة ليست من جسدك. أنت تسحبها مباشرة من البيئة المحيطة، من المانا الحرة في الهواء. كتابك لا يعلمك التعويذة فحسب، بل يعلمك أيضاً الطريقة الأكثر كفاءة لاستخدامها دون استهلاك طاقتك الشخصية. أنت لست بئراً فارغة يا دان، أنت أشبع بقناة."
كانت تلك الكلمات بمثابة صدمة لي. "قناة؟"
"نعم. الساحر العادي يستخدم المانا الداخلية في جسده كوقود أساسي، ويسحب القليل من البيئة كمكمل. أنت تفعل العكس تماماً. وهذا يفسر لماذا لم تظهر البلورة أي تأثير. ليس لديك عنصر فطري لأنك لست 'مصدراً'، بل 'موصل'."
حسنً لازلت لا أستوعب كل هذه المعلومات الجديدة لذلك سأتماشى مع الأمر في الوقت الحالى حتى أفهم طريقة العمل.
إنقضت الساعات التالية في سلسلة من التجارب المنظمة. ألقت إيلارا تعاويذ من عناصر مختلفة: سهم مائي صغير، درع حجري مصغر، دفعة رياح خفيفة. وفي كل مرة، كان كتابي يلتهمها بنفس النهم الهادئ، وكنت أستنسخها بدقة متناهية.
"إذن هناك حدود،" لاحظت بعد فترة. "التعاويذ التي تتطلب كمية هائلة من المانا، مثل استدعاء كائن عنصري أو تغيير الطقس في نطاق محدد، قد تكون خارج قدرتك على التوصيل حالياً. كتابك قد يسرقها، لكن جسدك قد لا يتحمل تدفق الطاقة المطلوب."
ثم انتقلت إلى المرحلة التالية من الدرس، وهي المرحلة التي لم أتوقعها.
"الآن، دورك لتسرق بوعي،" قالت وهي تضع مخطوطة قديمة على المكتب. "هذه تعويذة 'قفل رونية' بسيطة. لم ألقها، لكنها مكتوبة هنا. المس المخطوطة بيدك، والكتاب بيدك الأخرى. أريد أن أرى ما إذا كانت قدرتك تعمل على السحر المكتوب أيضاً."
ترددت. كان هذا مختلفاً. السرقة من تعويذة تُلقى في الهواء تبدو سلبية، كأنها رد فعل. أما سرقة تعويذة من مخطوطة مباشرة... فهذا شعور بالانتهاك المتعمد.
"هيا،" حثتني بنبرة لا تقبل الرفض.
أخذت نفساً عميقاً. وضعت يدي اليسرى على الرموز الباردة للمخطوطة، ويدي اليمنى على غلاف كتابي.
كان الشعور مختلفاً تماماً هذه المرة. لم يكن هناك دفء، بل إحساس بالسحب، كأن كتابي يمتص الحبر من الصفحة عبر ذراعي. كان الأمر مزعجاً قليلاً.
رأيت الرموز تتشكل على صفحة جديدة في كتابي، لكنها كانت أبطأ، وأكثر تكلفاً.
عندما انتهى الأمر أخيرًا، شعرت بإرهاق طفيف.
"نجح الأمر،" قلت، وأنا أرفع يدي. "لكنه أصعب بكثير من المعتاد."
"بالطبع أصعب،" قالت إيلارا. "أنت لا تسرق مجرد تعويذة، بل تسرق معرفة ثابتة ومحمية بتعاويز خاصة. لكن هذا يفتح إمكانيات لا حصر لها. المكتبات، الأرشيفات القديمة، كتب السحرة الآخرين... كلها أصبحت أهدافاً محتملة لك."
نظرت إليّ بجدية تامة. "وهذا يقودنا إلى أهم درس اليوم، يا دان. قدرتك ليست عادية بالفعل. أنت لا تملك سحراً معين، بل تملك الوصول إلى كل أنواع السحر."
وقفت ومشت نحو النافذة، ناظرة إلى أبراج الأكاديمية البعيدة. "الساحر العادي يرى العالم من خلال عدسة عنصره. ساحر النار يرى الحلول في اللهب، وساحر الماء يراها في التدفق. أما أنت، فترى كل العدسات. يجب أن تتعلم متى تستخدم كل واحدة، والأهم من ذلك، متى لا تستخدم أياً منها."
استدارت نحوي، وفي عينيها بريق من الحكمة الباردة. "درسك الأول ليس عن كيفية السرقة، بل عن سبب السرقة. وقبل أن ننتقل إلى أي تعويذة قوية، عليك أن تجيبني على هذا السؤال: عندما تستطيع أن تكون أي شيء، من تختار أن تكون؟"
تركتني مع هذا السؤال الذي تردد في صمت المكتب. للمرة الأولى، لم يكن تدريبي يتعلق بتعلم السحر، بل بتعلم من أكون أنا، دان فيرن، السارق الذي يقف على عتبة قوة لا حدود لها.
⟡
مرت الأسابيع التالية في ضباب من السرية والجهد المضني.
تحولت حياتي إلى وجود مزدوج. في النهار، كنت دان فيرن، الطالب الهادئ والمنعزل الذي يتجنبه الجميع، والذي يجلس في آخر الصف، لا يشارك ولا يبرز.
أتحمل نظرات كاين المليئة بالشك والعداء الصامت، وهمسات الطلاب التي لم تهدأ تماماً، بل تحولت من السخرية إلى الفضول الحذر. كانوا يرونني تهديداً محتملاً ينتظر اللحظة المناسبة ليكشف عن نفسه.
أما في المساء، بعد أن تخلو الممرات وتخفت الأضواء، كنت أتحول. خلف باب مكتب الأستاذة إيلارا المحصن، لم أكن الطالب المنبوذ، بل كنت المستكشف الوحيد لأرض مجهولة. كنت القناة السحرية، كما أسمتني.
كان تدريب المعلمة قاسياً ومنهجياً. لم يكن الأمر يتعلق بتعلم تعاويذ مبهرجة. بل كان يتعلق بالفهم.
"لا يمكنك أن تسرق ببساطة ما لا تفهمه،" كانت إيلارا تردد دائماً.
جعلتني أدرس نظريات المانا، وتاريخ العناصر، وفلسفة الدوائر الرونية. كانت تجبرني على تحليل كل تعويذة أسرقها، وتفكيكها إلى مكوناتها الأساسية: النية، والكلمة، والمسار.
"الساحر العادي يشعر بالتعويذة،" قالت لي ذات مساء ونحن نحلل بنية درع هوائي بسيط. "أما أنت، فيجب أن تفكر فيها. يجب أن ترى آليتها. قوتك ليست في العاطفة، بل في المنطق المتمركز خلف الترتيل."
مع الوقت ، بدأت أتحسن في قرائة التعاويذ مهما كانت عناصرها. حتى أنني أتقنت تقليد تعاويذ الرتب المرتفعة الى حدٍّ لا بأس به.
وببطء، بدأت أتغير. كتابي، الذي كان في السابق مجرد أداة سلبية، أصبح امتداداً لعقلي. تعلمت كيف أستحث جوعه بشكل طفيف لأشعر بالتعاويذ من حولي، حتى لو لم تكن قوية.
أصبحت أروقة الأكاديمية، التي كانت صامتة ومملة بالنسبة لي، الآن مليئة بالتأثرات الخافتة للسحر. كنت أشعر ببقايا تعويذة تسريع ألقاها طالب متأخر على درسه، أو بالهالة الواقية الخفيفة حول مكتبة الأرشيف.
كان صديقي المقرب ، ليو ، هو صلتي الوحيدة بالعالم الطبيعي. كان يلاحظ التغيير فيّ، لكنه لم يكن يفهم مصدره.
"أنت تبدو... أكثر هدوءاً مؤخرًا،" قال لي ذات يوم ونحن نتناول طعام الغداء في قاعة الطعام الصاخبة. "لكن ليس هدوء الخوف. إنه هدوء مختلف. كأنك تعرف شيئاً لا يعرفه أي شخص آخر."
ابتسمت ابتسامة خفيفة. "ربما أتعلم أخيراً كيف أقرأ الكتب، ربما؟"
ضحك ليو، لكن عينيه ظلتا فضوليتين.
" هكذا إذن ، بالتوفيق لك يا دان الغامض. "
"بالله عليك يا رجل ، لا تلقبني بألقاب محرجة. "
ضحك ليو مرة أخرى.
" علم وينفذ يا صديقى المجتهد. " قال ليو ، ثم أخذ قطعة اللحم من وجبة غدائي.
أطلقت تنهيدة طويلة...
" بالمناسبة ، كاين لا يزال يراقبك. في كل حصة تدريب عملي، يلقي تعويذة جديدة ومعقدة، ثم ينظر إليك، كأنه يتحدّاك أن تسرقها مرة أخرى. إنه يحاول استدراجك."
كنت أعرف ذلك. كنت أشعر بنبض كتابي في كل مرة يستعرض فيها كاين قوته، رغبة خفيفة في تسجيل تلك التعاويذ القوية.
لكنني كنت أتبع تعليمات إيلارا. "لا تكشف أوراقك أبداً إلا عندما تكون مضطراً. الغموض هو أقوى درع تملكه الآن."
لذا، كنت أتجاهله. كنت أؤدي الحد الأدنى المطلوب في الحصص العامة، وأفشل عمداً في بعض الأحيان في تشكيل أبسط التعاويذ التي لم أسرقها بعد، مما زاد من حيرة الجميع.
كانوا يرونني أستخدم قيود النور الأثيرية مرة واحدة بإتقان، ثم أتعثر في إشعال شمعة باستخدام تعويذة بسيطة من سحر النار.
هذا التناقض جعلني أكثر غرابة في أعينهم.
جاءت نقطة التحول في إحدى الليالي المتأخرة. كانت إيلارا قد حصلت على إذن خاص لنا لدخول الأرشيف المحظور، وهو قسم من المكتبة لا يدخله إلا كبار الأساتذة.
لم يكن المكان مظلماً ومخيفاً كما تخيلت، بل كان هادئاً ومهيباً، والهواء فيه مشبع بقوة المعرفة القديمة.
"هنا كتب تحتوي على تعاويذ لم تعد تستخدم،" همست إيلارا، وصوتها يتردد في الصمت. "سحر قديم، بعضه خطير. أريد أن أختبر قدرة كتابك على استيعاب شيء لم يره أحد منذ قرون."
أشارت إلى كتاب مقيد بسلاسل فضية إلى منصة حجرية. "هذا هو 'كتاب الظلال الخافتة'. يحتوي على تعاويذ تعتمد على التلاعب بالإدراك البصري. ليست وهماً، بل انحناء فعلي للضوء حول جسم ما. تعويذة إخفاء حقيقية."
"لماذا هي محظورة؟" سألت وأنا أقترب بحذر.
"لأن الإخفاء الكامل يغري النفوس الضعيفة بالخيانة والتجسس. قد يفكر بعض الأشخاص في إستخدامها بطرق غير أخلاقية."
" مثل ماذا ؟" سألت.
" كالتجسس لغرفة تغيير ملابس الفتيات ، ربما. "
" حسنً ، آسف على السؤال ذو الجواب الواضح ، تابعي من فضلك."
" همم؟ " أمالت إيلارا رأسها متسائلة.
إلتفتت وإقتربت من الكتاب الموضوع على المنصة الحذرية.
" همف ، على أي حال ، جرب تقليد التعويذة. "
وضعت يدي على الكتاب المقيد، ويدي الأخرى على كتابي. كان الإحساس هذه المرة قوياً، كأنني أضع يدي في تيار كهربائي بارد. شعرت بمقاومة شرسة من الكتاب القديم، كأن وعياً ما يحرس صفحاته.
استمرت عملية السرقة لدقائق طويلة، وشعرت بالعرق يتصبب من جبيني. عندما انتهى الأمر، كنت ألهث، وشعرت بإرهاق شديد كأنني ركضت لأميال.
"نجح الأمر،" قلت بصوت متعب، وأنا أنظر إلى الرموز المعقدة التي رسمت نفسها في كتابي. كانت مختلفة عن أي شيء رأيته من قبل، مليئة بالمنحنيات والزوايا الحادة.
"جيد،" قالت إيلارا. "الآن، استرح. لن تحاول استخدامها الليلة."
كنت أوافقها نفس الرأي ، لا أحد يعلم بطبيعة الحال ، ما هو التأثير الجسدي والذهني التي ستسببها تعويذة محظورة.
لكن القدر كان له رأي آخر.
في طريق عودتي إلى مسكني، اخترت أن أسلك ممراً خارجياً يطل على حدائق الأكاديمية. كان القمر مكتملاً، يلقي بضوء فضي على الممرات الحجرية. كنت منهكاً، لكنني شعرت أيضاً بنوع من الرضا.
وفجأة، سمعت أصواتاً قادمة من زقاق مظلم بين مبنيين. لم تكن أصواتاً عادية. كان هناك صوت مكتوم، وصوت آخر يتحدث بنبرة متعجرفة ومهددة.
"ظننت أنني كنت واضحاً. هذه المنطقة لي. أي تجارة تتم هنا، تمر من خلالي أولاً."
عرفت هذا الصوت على الفور. كاين دي فالوا.
دفعتني غريزة الفضول إلى الاقتراب من حافة الزقاق، مختبئاً خلف عمود حجري كبير. رأيت المشهد بوضوح تحت ضوء القمر.
كان كاين يواجه طالبين من السنة الأولى، يبدوان خائفين. كان أحدهما مثبتاً إلى الحائط بواسطة خيوط من الضوء، تشبه "قيود النور الأثيرية" لكنها أرق.
الطالب الآخر كان جاثياً على ركبتيه، وعلبة صغيرة مفتوحة أمامه على الأرض، تحتوي على ما يبدو أنها بلورات مانا صغيرة غير مصقولة.
"هذه بلورات من مناجم عائلتي،" قال الطالب الجاثي بصوت مرتعش. "أنا فقط أبيع القليل منها لتغطية نفقات دراستي."
"كل ما يأتي من أراضي عائلتك يعود بالفائدة على عائلة دي فالوا،" قال كاين ببرود. "علاوة على ذلك ، أنت لم تحصل على إذن لبيع تلك البلورات. هذا يعتبر سرقة واضحة لعائلة دي فالو."
يا للسخرية. هو يتحدث عن السرقة.
"إما أن تعطيني نصف أرباحك من الآن فصاعداً، أو سأبلغ عنك لإدارة الأكاديمية بتهمة التجارة غير المشروعة. وسأتأكد من أن صديقك هذا يقضي ليلة في جناح الشفاء." شدد كاين قبضته، وتوهجت القيود الضوئية بشكل أقوى، مما جعل الطالب المثبت يتأوه من الألم.
تجمد الدم في عروقي. لم يكن هذا مجرد تنمر، كان ابتزازاً واستغلالاً للسلطة. كان هذا هو الوجه الحقيقي لكاين دي فالوا، بعيداً عن أعين الأساتذة.
في تلك اللحظة، لم أفكر. لم أحلل الموقف. كل دروس إيلارا عن الصبر والغموض تبخرت أمام هذا الظلم الصارخ. كل ما شعرت به هو غضب بارد.
تراجعت خطوة إلى الظل الكامل للعمود. فتحت كتابي على صفحة التعويذة الجديدة، صفحة الظلال الخافتة. لم أكن قد تدربت عليها، ولم أكن أعرف عواقبها. لكن المعرفة كانت هناك، واضحة في ذهني.
وضعت يدي على الرموز المعقدة. همست بالكلمات الغريبة التي شعرت بها تلتصق بلساني. لم يكن هناك وميض أو صوت. بدلاً من ذلك، شعرت بشعور غريب، كأن العالم من حولي قد انحنى قليلاً. نظرت إلى يدي، ورأيتها تصبح شفافة، ثم تختفي تماماً.
لقد نجحت. أصبحت غير مرئي.
أخذت نفساً عميقاً، وخرجت من خلف العمود، متجهاً نحو الزقاق بخطوات صامتة. كنت مجرد شبح في ليلة مقمرة، شبح يحمل في جعبته كل تعاويذ خصمه. ولأول مرة، لم أكن أخطط للسرقة. كنت أخطط للحماية
⟡
كان التحرك وأنا غير مرئي تجربة سريالية تفوق كل تصور. لم يكن الأمر مجرد غياب للصورة، بل كان غياباً للحضور.
شعرت بالهواء ينساب حولي كما لو كنت غير موجود، وضوء القمر يمر من خلالي دون أن يلقي بظل. كانت خطواتي، التي حرصت على أن تكون خفيفة، لا تثير أي صوت على الحجارة الباردة. كنت وهماً، فكرةً عابرة في محيط الواقع.
اقتربت من مدخل الزقاق، وقلبي يقرع في صدري بقوة كادت أن تفضح وجودي الصامت.
في تلك اللحظة ، كاين قد أدار ظهره لي جزئياً، مركّزاً كل انتباهه على الطالب الجاثي أمامه، الذي كان يجمع بلوراته المبعثرة بيدين ترتجفان.
الطالب الآخر كان لا يزال مقيداً إلى الحائط، وجهه شاحب من الألم والخوف، والقيود الضوئية تنبض بإيقاع بطيء وقاسٍ.
"أسرع،" قال كاين بنبرة نافدة الصبر. "ليس لدي الليلة بأكملها لأضيعها على حثالة مثلكما."
كانت هذه هي اللحظة. لم يكن لدي خطة معقدة. كل ما كان لدي هو كتاب مليء بالمعرفة المسروقة، وغضب بارد يوجه أفعالي.
رفعت يدي اليمنى، وأبقيت اليسرى على اتصال خفي بكتابي تحت عباءتي. لم أكن بحاجة للنظر فيه؛ الصفحات التي لمستها كانت محفورة في ذاكرتي المؤقتة. استدعيت المعرفة الخاصة بـتعويذة قيود النور الأثيرية، التعويذة التي سرقتها من كاين نفسه في ساحة التدريب. شعرت بالمانا المحيطة تتجمع حولي، تيار خفي من الطاقة يستجيب لإرادتي الصامتة.
همست بالكلمات السحرية بصوت خفيض ، ووجهت التعويذة نحو القيود التي كان يستخدمها.
لم يظهر أي ضوء من يدي، فجسدي كان لا يزال مخفياً. لكن في اللحظة التالية، حدث شيء غريب. القيود الضوئية التي كانت تثبّت الطالب إلى الحائط توهجت فجأة بشكل عنيف، ثم ارتجفت وتلاشت في وميض خافت، كأن مصباحاً قد انقطع عنه التيار فجأة.
تحرر الطالب وسقط على ركبتيه وهو يلهث، ممسكاً بمعصميه اللذين بقيت عليهما علامات حمراء باهتة.
استدار كاين نحوه على الفور، وعيناه متسعتان في حيرة تامة.
"ماذا...؟" نظر إلى يديه، ثم إلى الطالب المحرر، وكأنه لا يصدق أن تعويذته قد فشلت من تلقاء نفسها. "كيف...؟"
لم أمنحه وقتاً للتفكير. بينما كان تركيزه مشتتاً، استدعيت تعويذة أخرى، واحدة من التعاويذ البسيطة التي أجبرتني المعلمة إيلارا على سرقتها وتفكيكها مراراً وتكراراً: دفعة الرياح.
كانت تعويذة أساسية، لكن في بعض الأحيان، تكون أبسط الأدوات هي الأكثر فعالية.
وجهت دفعة مركزة وغير مرئية من الهواء نحو العلبة الصغيرة التي تحتوي على البلورات، والتي كان الطالب الجاثي قد انتهى لتوه من جمعها. طارت العلبة من بين يديه، وانزلقت عبر أرضية الزقاق الحجرية وتوقفت عند قدمي الطالب الذي كان مقيداً للتو.
"خذها واذهبا!" صرخت، لكنني لم أستخدم صوتي الحقيقي. بل استخدمت معرفتي بتعاويذ الصوت البسيطة لتغيير نبرتي، جاعلاً إياه يبدو أعمق، كأنه قادم من كل مكان في وقت واحد.
قفز الطالبان على أقدامهما في حالة من الرعب والارتباك. نظر أحدهما إلى الآخر، ثم التقط العلبة، وانطلقا يركضان خارج الزقاق دون أن ينظرا خلفهما، تاركين كاين وحده في مواجهة عدو لا يراه.
"من هناك؟!" صاح كاين، واستدار في دائرة كاملة، وعيناه تلمعان بغضب وحذر. "أظهر نفسك! هل أنت جبان لدرجة أنك لا تستطيع المواجهة؟"
بدأ يجمع الضوء في راحة يده، مشكلاً كرة متوهجة أضاءت الزقاق المظلم وكشفت عن كل زاوية وركن... باستثنائي.
كنت أقف على بعد أمتار قليلة منه، ساكناً تماماً، أشاهد الذعر يبدأ في التسلل إلى ملامحه المتعجرفة. كان يواجه المجهول، وهذا ما يخيف النبلاء أكثر من أي شيء آخر.
قررت أن أضيف لمسة أخيرة. تذكرت تعويذة أخرى سرقتها من أحد الطلاب في حصة تدريبية، تعويذة صوتية بسيطة تستخدم لتقليد الأصوات.
همست بصوت خفيض، مقلداً صوت كاين نفسه، وجعلت الصوت يتردد من الجدران من حولي. "لماذا؟ هل تخاف من الظلال، كاين دي فالوا؟"
تجمد في مكانه. سماع صوته الخاص يتهمه بالخوف كان له تأثير واضح. اتسعت عيناه، وبدأ يتنفس بشكل أسرع. "من أنت؟!"
لم أجب. بدلاً من ذلك، بدأت أتراجع ببطء وهدوء خارج الزقاق، تاركاً إياه وحيداً مع شياطينه وشكوكه.
ألغيت تعويذة الإخفاء عندما وصلت إلى زاوية آمنة، وشعرت بجسدي يعود إلى الوجود فجأة، كأن ثقلاً قد عاد ليملأ الفراغ. استندت إلى الحائط، وشعرت بالإرهاق يغمرني. لم يكن إرهاقاً جسدياً فحسب، بل كان إرهاقاً عقلياً وعصبياً.
كان استخدام تعويذتين متتاليتين، بالإضافة إلى تعويذة الإخفاء المعقدة، قد استنزف تركيزي. لكن بينما كنت ألهث لاستعادة أنفاسي، تسلل إلى داخلي شعور جديد لم أعهده من قبل. لم يكن مجرد رضا، بل كان شعوراً بالقوة. ليس قوة السحر، بل قوة التأثير.
لقد واجهت كاين دي فالوا. لم أهزمه في مبارزة، بل هزمت غروره. زرعت بذرة من الشك والخوف في عقله، بذرة ستنمو في الظلام.
نظرت إلى كتابي، الذي كان لا يزال دافئاً تحت يدي. لقد بدأت أفهم ما قالته الأستاذة إيلارا. لم يكن الأمر يتعلق بما أسرقه، بل بكيفية استخدام ما سرقته. الليلة، لم أستخدم السحر لأستعرض قوتي، بل لأدافع عن ضعيف. لم أكن ساحراً، ولم أكن لصاً بالمعنى التقليدي.
كنت شيئاً آخر. كنت كقوة في الظلال. وهذا، لسبب ما، جعلني أشعر بأنني حقيقي أكثر من أي وقت مضى.
⟡
في اليوم التالي ، بينما كنت أدخل من البوابة الأمامية للأكاديمية كالمعتاد ، شعرت سمعت بعض الأمور الغريبة.
على ما يبدو ، الشبح الذي تجول في الزقاق تلك الليلة ترك وراءه أكثر من مجرد كاين دي فالوا مرتبكاً وغاضباً؛ لقد ترك وراءه أسطورة صغيرة.
بدأت الشائعات تنتشر كالنار في الهشيم عن شبح الأكاديمية، حامٍ غامض يتدخل في الظل، يوقف المتنمرين، ويساعد الطلاب الذين يتعرضون للظلم.
كانت القصص تتضخم مع كل رواية، بعضها يقول إنه روح أستاذ قديم، وبعضها الآخر يزعم أنه كائن أثيري استدعاه سحر الأكاديمية نفسه.
كنت أستمع إلى هذه الهمسات في قاعة الطعام والممرات، وشعور غريب بالانفصال يغمرني. كانوا يتحدثون عني، لكنهم لم يكونوا يعرفون ذلك. كنت أجلس بينهم، دان فيرن، الطالب الذي لا يزال الجميع يتجاهله، بينما كانوا يمجدون شخصيتي الأخرى.
أخبرت الأستاذة إيلارا بكل شيء. توقعت أن توبخني على تهوري، على كسر القاعدة الأولى التي وضعتها: الغموض. لكنها بدلاً من ذلك، استمعت بصمت، وعيناها الثاقبتان تدرسان وجهي، بل إنها بدت سعيدة قليلًا بسماع ما حدث.
"لا حاجة لعقابك ، لقد أجبت على سؤالي الرئيسي بالفعل،" قالت أخيراً عندما انتهيت.
"أي سؤال؟" سألت بارتباك.
"عندما تستطيع أن تكون أي شيء، من تختار أن تكون؟" كررت سؤالها الأول لي.
"اخترتَ أن تكون درعاً. بدل من أن تستخدم قدرتك على سرقة البلورات وتحقيق مكسب شخصي، فضلت استخدامها لحماية من يستحقون الحماية. هذا هو جوهرك الحقيقي." لكن كان هناك تحذير في نبرتها. "لكنه خطير أيضاً. كاين لن يترك الأمر. إنه مهووس الآن بمعرفة من أنت. إنه يبحث، ويستخدم نفوذ عائلته للوصول إلى سجلات لم يكن من المفترض أن يراها."
كانت على حق. أصبح كاين أكثر هدوءاً وتركيزاً، لكن بطريقة مخيفة. اختفى غروره السطحي، وحل محله تصميم جليدي. كنت أراه في المكتبة لساعات متأخرة، يدرس كتباً عن قدرات السحر النادرة والتحف الغامضة. كان يحاول إيجاد دليلٍ يصطادني.
جاءت المواجهة الحتمية خلال مهرجان النجوم المزدوجة، وهو حدث سنوي يقام في الأكاديمية حيث يتنافس أفضل الطلاب في مبارزات سحرية أمام حشد من النبلاء وكبار السحرة في المملكة.
كان من المفترض أن أكون مجرد متفرج، لكن كاين كان لديه خطط أخرى.
في ذروة المهرجان، وبعد فوزه الساحق في مبارزته النهائية، وقف كاين في وسط الساحة الكبرى، رافضاً قبول جائزته. أمسك بالبلورة المكبرة للصوت وقال بصوت مدوٍ تردد في أرجاء المدرج المكتظ.
"أيها السادة والسيدات، أيها الأساتذة الكرام. قبل أن أقبل هذا الشرف، هناك مسألة يجب تسويتها. هناك جبان يختبئ بيننا. لص يتسلل في الظلال، ويعبث بقوانين السحر والطبيعة، أو كما يعرف الآن بشبح الأكاديمية."
ساد صمت مذهول بين الحضور. كنت أجلس في الصفوف الخلفية بجانب ليو، وشعرت بالدم يهرب من وجهي.
"لقد أمضيت أسابيع في البحث،" تابع كاين، وعيناه تجولان في المدرجات، وكأنهما تبحثان عني. "وهناك طالب واحد فقط في هذه الأكاديمية تتوافق ظروفه مع هذه الظاهرة. طالب بلا قدرة فطرية، لكنه أظهر إتقاناً مفاجئاً للسحر. طالب مُنح أداة غامضة بدلاً من قوة حقيقية. أنا أتحدث عنك... دان فيرن!"
كل الرؤوس استدارت نحوي. شعرت بآلاف العيون تخترقني. كان ليو بجانبي متجمداً من الصدمة. في المنصة الرئيسية، رأيت الأستاذة إيلارا تنهض قليلاً، ووجهها قناع من الجليد.
" أتحداك، دان فيرن، أيها السارق المحتال" صاح كاين. "هنا والآن. مبارزة رسمية. استخدم كل حيلك، كل سحرك المسروق. دعنا نرَ ما إذا كان شبحك يستطيع مواجهة ضوء النهار."
كان فخاً مثالياً. إذا رفضت، سأبدو جباناً ومذنباً. إذا قبلت، فسأضطر إلى الكشف عن كل أسراري أمام نخبة العالم السحري.
نظرت إلى إيلارا. أومأت برأسها ببطء شديد، حركة بالكاد تُرى. لم تكن موافقة، بل كانت رسالة:
الخيار لك. لقد أعددتك لهذه اللحظة.
في السابق ، كنت سأتجاهل كل شيئ وأذهب ، لكن الآن بعد أن تطورت قدرتي الى هذا الحد ، لن أهرب.
نهضت على قدمي ومشيت على السلالم الحجرية، وكل خطوة كانت تبدو وكأنها الأخيرة. عندما وصلت إلى أرضية الساحة، كان كاين ينتظرني بابتسامة انتصار.
"أخيراً خرجت من جحرك، أيها السارق،" همس بينما وقفنا وجهاً لوجه.
"سئمت من سماع هذه الكلمة،" أجبته بصوت هادئ فاجأني. "إذا كنت تريد الإنتقام فجرب ذلك."
أعلن الحكم بداية المبارزة. لم يضيع كاين أي وقت. أطلق العنان لوابل من التعاويذ الضوئية، رماح من الضوء الخالص انطلقت نحوي بسرعة مميتة.
لم أحاول الهجوم المضاد. بدلاً من ذلك، فعلت ما تدربت عليه.
لمست كتابي، واستدعيت معرفة عشرات التعاويذ الدفاعية التي سرقتها خلال تدريبي. درع حجري ارتفع من الأرض ليصد الرمح الأول. موجة من الرياح حرفت الثاني. حاجز مائي تشكل في الهواء وأطفأ الثالث. كنت أتحرك بسلاسة، أنسج دفاعاتي من عناصر مختلفة، كل حركة محسوبة ومنطقية.
كان الحشد يشاهد في صمت مذهول. كانوا يرون طالباً واحداً يستخدم سحر النار والماء والأرض والهواء والضوء بإتقان متساوٍ. كان هذا مستحيلاً، مخالفاً لكل قوانين السحر المعروفة.
"هل هذا كل ما لديك، كاين دي فالوا؟" سألت، وصوتي ثابت. "هذا ليس قريبًا من القتال حتى ، مجرد استعراض للقوة الغاشمة؟"
ازداد غضبه. بدأ يستخدم تعاويذ أكثر تعقيداً، سلاسل ، رماح ، طلقات ضوئية.
وفي كل مرة، كان كتابي يهمس لي بالحل. كنت أسرق تعاويذه في نفس اللحظة التي يلقيها بها، وأحللها، وأجد نقطة ضعفها، وأستخدم تعويذة أخرى لصدها. لم أكن أقاتله، كنت ببساطة أظهر ردود الأفعال المناسبة لتجنب الإصابة.
"كيف... كيف تفعل هذا؟!" صرخ، وبدأ الإرهاق يظهر عليه. كان يستهلك كميات هائلة من المانا، بينما كنت أنا مجرد قناة، أسحب طاقتي من الأجواء المشحونة في الساحة.
" دعني أشرح لك أمرًا بسيطًا ، كاين." قلت بهدوء.
"أنت ترى السحر كهدية، كحق مكتسب،" قلت وأنا أتقدم نحوه ببطء. "أما أنا، فأراه كلغة. وأنت تتحدث بلكنة واحدة فقط. أما أنا، فقد تعلمت أبجديتها كلها."
" ما هذا الهراء الذي تقوله ؟ كفاك تعجرفًا أيها السارق المحتال." صرخ، وفي لحظة يأس، جمع كاين كل ما تبقى من قوته في تعويذة واحدة مدمرة، تعويذة عائلية لم أرها من قبل. شعاع هائل من الطاقة البيضاء النقية، قوي لدرجة أنه شوه الهواء حوله، انطلق نحوي.
كنت أعرف أنني لا أستطيع صده. لم يكن لدي الوقت لسرقته وتحليله.
لذا، لم أحاول.
بدلاً من ذلك، لمست الصفحة التي تحتوي على تعويذة الظلال الخافتة. وفي جزء من الثانية قبل أن يصلني الشعاع، همست بالكلمة السحرية.
اختفيت.
مر الشعاع المدمر عبر المساحة التي كنت أقف فيها، واصطدم بالجدار البعيد للساحة في انفجار هز المدرج بأكمله.
ظهرت مرة أخرى خلف كاين مباشرة. كان يلهث، وظهره لي، ينظر إلى الدمار الذي أحدثه، معتقداً أنه قد فاز.
لم أستدعِ أي تعويذة هجومية. لم أكن بحاجة لذلك.
مدت يدي ببطء ووضعتها على كتفه.
" قلت لك... أنت لا تجيد القتال." همست في أذنه.
"ما-" فتح عينه في صدمة مطلقة، ولم يجرؤ على النظر للخلف.
في اللحظة التي لمسته فيها، لمست كتابي باليد الأخرى. لم أحاول سرقة تعويذة، بل فعلت شيئاً جديداً، شيئاً لم أتدرب عليه قط. حاولت أن أقرأ المانا الخاصة به، أن أرى شيفرته المصدرية كما يراها كتابي.
للحظة، غمرتني رؤية. رأيت نهراً من الضوء الذهبي، قوياً ونقياً، لكنه مضطرب وعنيف. رأيت سنوات من الضغط، من توقعات عائلته، من الغرور الذي بني كدرع لحماية خوفه من عدم كونه جيداً بما فيه الكفاية.
ثم همست في أذنه، ليس بصفتي دان، بل بصفتي الشبح.
في اللحظة التالية ، بدلت صوتي بصوت كاين وهمست:" لا بأس بقوتك ، يا كاين. لكنك لا تجيد إستخدامها. تعلَّم إستخدامها أولًا ثم واجهني بعدها ، أيها الضعيف."
سحبت يدي. انهار كاين على ركبتيه من ثقل تلك الكلمات، من الصدمة المطلقة لرؤية شخص يفهم جوهر سحره أفضل منه.
ساد الصمت في الساحة. لم يكن هناك هتاف، بل رهبة عميقة. نظرت إلى الحشد، إلى المعلمة إيلارا المبتسمة.
لم يعودوا يرونني كلص، أو شبح. كانت هناك نظرات إحترام للساحر الواعد.
استدرت وتركت الساحة، تاركاً كاين جاثياً خلفي. مشيت نحو الأستاذة إيلارا، التي كانت تنتظرني عند المخرج، وعلى وجهها ولأول مرة، ابتسامة مشرقة.
"لقد أعطيتهم اسماً جديداً لك اليوم،" قالت بهدوء.
"وما هو؟" سألت.
"ليس السارق، وليس الشبح. بل 'الأرشيفي'. الشخص الذي يقرأ ويسجل كل السحر."
نظرت إلى كتابي في يدي. لم يعد عبئاً أو سراً مخجلاً. لقد كان هويتي. لم أكن بحاجة إلى قوة فطرية، لأنني أملك مفتاح كل قوة.
" ليس لقبًا سيئًا ، أعجبني." قلت بابتسامة.
لم تنتهِ قصتي هنا، بل بدأت للتو. العالم مليء بالكتب ، بالتعاويذ المفقودة، بالأسرار التي تنتظر من يقرأها. وأنا، الأرشيفي ، دان فيرن، على وشك أن أبدأ بقراءة سحر العالم بأسره.