عزيزي القارئ، هل جربت في حياتك كتابة رواية من دون توقف وإنهاؤها في يوم واحد؟

هذا ما سأفعله في هذه الرواية، وسأحكي كل كلمة تخطر في بالي وكل تساؤل يحوم فوق رأسي.

بعد إدراكي أني لا أدرك شيئًا، أدركت أن الإدراكات التي لا أستطيع فهمها ستكون صعبة الإدراك.

وهنا استنتجت أن عقلي لم يُخلق لإدراكها، بل لصنع طريقٍ آخر بطريقته الخاصة ليفهمها.

وهنا ندرك أن طرقنا للحصول على الإدراك مختلفة، على الرغم من أنني ما زلت شابًا صغيرًا، إلا أنني أدركت أمورًا لم يدركها غيري، ولا أريد الإفصاح عنها لعقولٍ أخرى بسبب جهلهم.

فكل شخص سيدرك الأمور بطريقته الخاصة، ولن يدركها بالطريقة التي أدركتها أنت بها.

فعلى الرغم من نظافة طريقك، إلا أنه سيقود سيارته التي اشتراها بأفكاره السطحية إلى طريقه، الذي لن يأبه بالحفر التي فيه.

فطالما أنه باسمه، فلن يشعر بذنبٍ أو لوم على أفعاله.

حسنًا عزيزي القارئ، دعنا نختم هذه الفقرة هنا،

ولنتحدث عن نفسي قليلًا. لكن تمهل، لا تغادر ما بدأته، لأنه قد تلاحظ بعض الجمل التي قد تجعلك تقول: هذا أنا، أو يشبهني.

لا أهتم لكليهما، فأنا أتحدث بشخصية لن تراها في الواقع.

قصة نفسي

في أحد الأيام أدركت أنني سأبلغ عمرًا جديدًا، وأنا أمشي على الرصيف.

انتابتني نوبة ضحك، لأنه لم يتغير شيء في السنوات الماضية.

جلست على كرسي الحديقة وقلت لنفسي:

"هل هناك شيء محدد أستطيع فعله لنفسي؟"

كان السؤال بسيطًا، لكنني لم أجد له جوابًا.

فكرت في الأمر مليًا، وبعد عودتي إلى المنزل أعددت القهوة، وبدأت أشرب منها وأنا أنظر إلى نفسي في المرآة.

وتذكرت السؤال، وقلت بعد أخذ رشفة من القهوة:

"إذا كان هناك شيء أستطيع فعله لنفسي، فهو أن أحصل على نفسي."

كان كلامي في البداية غريبًا، لكن عقلي فسّره على أنه البحث عن شخص يشبهني، كصديق… أو حبيبة، ولمَ لا؟

لكن الأمر كان صعبًا. فعلى الرغم من تعدد أصدقائي، إلا أنني لم أجد شبيهًا لنفسي، أو لنقل: يسير بنفس خطى طريقي.

أو بالأحرى طرقي، فأنا شخص فضّل سلوك طرقٍ عديدة، رغم اختلاف العقبات فيها.

ولم يكن لدي الوقت الكافي لإصلاح كل واحدٍ منها،

لكن ما ميّزني عن غيري أنني أمتلك سيارة تتأقلم مع أي طريق أسلكه.

بناؤها تطلّب وقتًا…

وتعديلها تطلّب شغفًا.

خلدت إلى النوم بعد قراءة رواية الليالي البيضاء، ومع الأسف لم تكن بذاك التوقع. الجميع بدأ يلوم ناستينكا، لكني لم أفعل، فهي منذ البداية قالت: "لا تقع في حبي"، وهذا خير دليل على معرفتها بوضعها.

في صباح الباكر استيقظت، وبعد الإفطار المعتاد، توجهت كعادتي إلى نادي الشطرنج لأرفّه عن نفسي. جهزت أموري المعتادة وبدأت أبحث عن منافس عشوائي. لفت انتباهي كرسي فارغ، فذهبت إليه دون مبالاة بخصمي، ولما رفعت نظري… صُدمت قليلاً، فهي فتاة! لم أكلم فتيات عادةً دون حدوث مصيبة، لكنها بدت مختلفة عن البقية. فقد حملت جميع الصفات التي لطالما تمنيتها في زوجتي.

نظرت إليّ وقالت:

"هل تريد اللعب؟"

أجبتها وأنا أخرج قطعة شوكولاتة من جيبي:

"أجل."

أكلتها بسرعة، وتلطخت يدي بالشوكولاتة. لما كانت جاهزة للعب مدت يدها للمصافحة.

قلت لها:

"يدي متسخة، لا أستطيع المصافحة."

ابتسمت وقالت:

"لحظة، لدي منديل في حقيبتي."

أخرجته، استخدمته بعد شكرها، وبدأنا اللعب. بدأت هي بالافتتاحية وأنا رددت عليها، وكانت المباراة مشوقة. مع اقتراب النهاية، شعرت بانفعالات غريبة كلما كنت على وشك الخسارة، لكن في النهاية فزت بصعوبة عليها.

صافحتها وقلت:

"مباراة جميلة… لم أشعر بهذا التوتر من قبل."

ابتسمت وقالت:

"أجل، أشعر بنفس شعورك… هل تريد اللعب مرة أخرى؟"

ارتبكت قليلاً، فأجبت:

"نعم، لما لا."

وهكذا بدأنا نلعب مراراً وتكراراً، بحب وشغف، حتى أصبحنا نلعب شبه يومياً.

وأثناء خروجي من النادي في أحد الأيام، سمعت صوتها خلفي:

"عذراً يا نادر."

كانت هذه المرة الأولى التي تنطق فيها اسمي بعد أن أخبرتها به.

قالت:

"لقد نسيت هاتفك."

أخذته منها، وشكرتها، وقلت بتوتر:

"ما رأيك أن نتواصل على الهاتف؟ لن يكون الأمر سهلاً أن نلتقي كل مرة، فكما تعلمين، نلعب مع بعضنا شبه كل يوم."

وافقت جوهر على الفكرة، وبدأنا نتواصل ونتحدث عن الشطرنج، وتطور الأمر إلى مناقشة اهتماماتنا المشتركة مثل الكتب والرسم. كانت دائماً تتحدث بشغف وحب عن كل الأمور التي أحبها، وهنا أدركت أنني وجدت الشخص الذي لطالما بحثت عنه.

________

أثناء عودتي إلى المنزل في وقتٍ متأخر، تصفحت هاتفي…

لأجد رسالة من جوهر.

شعرت بشيءٍ غريب يتسلل إلى داخلي…

مزيجٌ من الحماس والتوتر،

فقد بدأت أُكنّ لها بعض المشاعر،

وأصبحت، دون أن أشعر، الشخص الوحيد القادر على إسعادي بالكامل.

فتحت الرسالة، فوجدت فيها:

"ما رأيك أن نجتمع في مناسبة ما، غير مباريات الشطرنج التي نلعبها؟"

قرأت الرسالة مرة… ثم مرتين… ثم ثلاثًا…

ولم أكتفِ.

ظللت أحدّق فيها، وكأنني أبحث بين كلماتها عن شيءٍ أعمق.

لكنني… لم أملك الشجاعة للرد.

مرّ وقتٌ طويل، وأنا غارق في التفكير:

ما الإجابة المناسبة؟

ما الذي يجب أن أقوله؟

وبصراحة…

في تلك اللحظة، أدركت أنني بدأت أحبها أكثر من أي وقتٍ مضى.

كان شعوري بها يكبر مع كل مباراة نخوضها معًا.

ثم تذكرت محادثةً عابرة بيننا…

حين سألتها إن كانت تملك حبيبًا أو حتى صديقًا مقرّبًا،

فأجابت ببساطة:

"لا."

حينها… شعرت أن لدي فرصة.

وبينما كانت أفكاري مبعثرة، قررت أخيرًا أن أكتب:

"ما رأيك أن نحتفل بعيد ميلادي؟ سيكون في السابع من أبريل… بعد غد."

أرسلت الرسالة، ولم تمضِ لحظات حتى وصلني ردها.

وافقت… بحماسٍ واضح،

وقالت إنها ستُحضر هدية ستعجبني كثيرًا.

ابتسمت دون وعي.

وتحمست للقائها… أكثر مما ينبغي.

قضيت بقية اليوم أفكر:

ماذا سأرتدي؟

أي عطر سأختار؟

وكأن الأمر… أكبر من مجرد لقاء.

وبعد ترددٍ طويل، حسمت أمري.

سأعترف لها… بكل ما أخفيته.

وجاء ذلك اليوم.

استيقظت، وسعادةٌ لا تفارق وجهي.

وفي طريقي، اشتريت باقة زهور من امرأةٍ عجوز كانت تبيعها على جانب الطريق.

نظرت إليّ وابتسمت، ثم قالت:

"أحسد الفتاة التي ستهدي لها هذه الزهور."

ابتسمت لها…

لكن في داخلي، كنت أشعر أنني أنا من يُحسد هذه المرة.

توجهت إلى المقهى المتفق عليه،

وجلست على الطاولة رقم سبعة عشر.

كنت قد أعددت كل شيء:

لوحة شطرنج،

كعكة صغيرة،

وشموع تحمل رقم عمري.

جلست أنتظرها…

أحاول أن أقتل الوقت بقراءة كتاب "1984"،

لكنني لم أكن أقرأ… بل كنت أترقب.

بعد قليل، ذهبت إلى الحمام.

فإفطاري لم يكن منتظمًا هذه المرة…

الحماس أخذ عقلي بعيدًا.

وحين عدت…

جلست في مكاني، والفرحة تسبقني،

فقد حان وقت وصولها.

لكن…

لاحظت شيئًا لم يكن في الحسبان.

علبة صغيرة… أشبه بهدية، موضوعة على الطاولة.

وبجانبها… رسالة.

تناولتها ببطء،

وقرأت…

فتجمّدت.

كان مكتوبًا:

"عزيزي نادر…

أنا آسفة جدًا عمّا سيحدث.

طرأت بعض الأمور التي ستجعلني أغادر البلاد في أقرب وقت.

لم يكن الأمر بيدي، صدقني…

كنت متحمسة جدًا لرؤيتك مرة أخرى، وأن نلعب الكثير من المباريات،

لكن الظروف لم تسمح.

أنا آسفة… حقًا.

ولهذا… سألعب معك مباراةً واحدة قبل مغادرتي."

رفعتُ رأسي…

فوجدتها أمامي، جالسةً على مقعدها،

ويدها معلّقة في الهواء… تنتظر مصافحتي.

تجمّدتُ للحظة.

مددتُ يدي أخيرًا، وأنا أقول بصوتٍ مضطرب:

"هذه مزحة… أليس كذلك؟

كذبة أبريل… أليس كذلك؟"

هزّت رأسها ببطء… نفيًا.

وقالت بهدوءٍ مؤلم:

"لم يكن لديّ خيار آخر… أنا آسفة يا نادر.

يجب أن أغادر."

خفضتُ رأسي…

وكأن الكلمات أثقل من أن تُقال.

"حسنًا…"

بدأنا المباراة.

لكنها… لم تكن مباراة.

لم يكن هناك شغف،

ولا تركيز،

ولا حتى رغبة حقيقية في الفوز.

كنتُ فقط… أُماطل.

أريد للوقت أن يطول،

لللحظة أن تتمدّد،

للنهاية أن تتأخر.

حتى أنني، في لحظاتٍ كنت فيها قادرًا على الفوز…

اخترت التعادل.

نظرت إليّ، باستغرابٍ واضح، وقالت:

"ما بك يا نادر؟

لماذا لا تلعب كما كنت؟

هذا ليس ما اعتدته منك…

أيعقل أن فِراقي أثّر عليك إلى هذا الحد؟"

رفعت رأسي، وكأنني أستيقظ من غفوة:

"فِراق؟ لا… لا…

مجرد تشتّتٍ بسيط… وقد انتهى الآن."

أكملنا اللعب…

نقلةً تلو الأخرى…

حتى وصلت النهاية.

وخسرت.

مدّت يدها مرة أخرى، وقالت بابتسامةٍ خافتة:

"مباراة جيدة يا نادر."

نظرت إلى يدها…

لكنني لم أستطع مصافحتها.

لأنني كنت أعلم…

أن هذه المصافحة، إن حدثت،

ستكون الأخيرة.

ترددتُ قليلًا، ثم قلت:

"هل… يمكنني أن أذهب معك؟"

أنزلت يدها ببطء، وقالت بصوتٍ مكسور:

"أنا آسفة يا نادر… لا أستطيع."

ثم… رحلت.

دون أن تترك خلفها

سوى تلك الهدية.

بقيت أحدّق في الكعكة…

كأنني أراها لأول مرة.

شوكولاتة.

وتذكرت…

أنه عيد ميلادي.

أشعلت الشموع…

ثم أطفأتها في اللحظة نفسها.

دون أن أتمنى شيئًا.

أكلت…

حتى امتلأت،

حتى تلطخت يداي بالشوكولاتة.

وصلتني رسالة.

نظرت إلى يدي…

ثم إلى الهدية.

فتحتها.

كان بداخلها…

منديل.

من قماش،

منقوشٌ عليه نمطٌ يشبه رقعة الشطرنج.

ضحكت.

ضحكت بشدة…

لدرجة أن من حولي بدأوا ينظرون إليّ باستغراب.

مسحت يدي، ثم فتحت الرسالة.

كانت منها.

"هل أعجبتك الهدية؟

فكرت كثيرًا فيما سأحضره لك،

ثم خطرت لي هذه الفكرة…

منديلٌ بنقوش رقعة شطرنج،

لأنك تحبها… كما أحبها أنا.

على أي حال…

هذه ستكون آخر رسالة مني.

أتمنى لك حظًا جيدًا…

وشكرًا على كل شيء."

في تلك اللحظة…

أدركت شيئًا واحدًا.

أنني… لم أكن أعيش حياتي.

بل كنت أُراهن بها.

كل ما حدث…

لم يكن سوى وهمٍ صنعته،

لأُقنع نفسي أنني بخير.

سلكت طريقًا…

رغم كل التحذيرات التي كانت تلوح أمامي،

ومع ذلك… غصت فيه دون أن أرى.

اعتمدت عليه…

دون أن أترك لنفسي طريق عودة.

لقد أخطأت.

حين جعلت سعادتي…

مرهونةً بشخصٍ واحد.

كنت أعلم…

أنه قد يرحل في أي لحظة.

لكنني… كنت أعمى.

بعد كل شيء…

نمت.

وكأن شيئًا لم يكن.

وفي اليوم التالي،

عدت إلى روتيني.

إلى نادي الشطرنج.

جلست… كعادتي،

حتى رأيت امرأةً تجلس وحدها.

تقدمت، وجلست أمامها.

نظرت إلى يدها…

كانت متّسخة.

توقفت لثوانٍ.

ثم…

أخرجت المنديل.

هذه المرة…

أنا من قدّمه.

2026/04/07 · 10 مشاهدة · 1462 كلمة
Saito
نادي الروايات - 2026