بعد أيام من السير بلا توقف بين القرى والمدن، شعر لارين بتعبٍ عميق يثقل كاهله. أخرج خريطة مطوية، وبصره يتجول بين الخطوط المتعرجة حتى وقع نظره على مملكة صغيرة لم يسمع عنها من قبل: دورنفا. لم يكن يعرف شيئًا عنها، لكن التعب أجبره على اتخاذ قرار سريع: هنا سأستريح.

عند دخوله بوابة المدينة، لاحظ على الفور أن المكان يبدو مهملًا: الطريق الرئيسي مرصوف بحجارة متشققة، والغبار يغطي كل شيء. المنازل قديمة ومتهالكة، نوافذها صغيرة وأبوابها مائلة، وكأنها تكاد تنهار تحت وطأة الزمن. من بعيد، كان بإمكانه سماع أصوات أطفال يركضون في الأزقة الضيقة، يلعبون بين الحصى.

مرّ لارين بسوق صغير، حيث حاول الباعة بيع بضائع بسيطة: قماش ممزق، فواكه متعبة، وبعض الحبوب التي لا تبدو طازجة. كان واضحًا أن المدينة تكافح للبقاء على قيد الحياة.

توجه لارين إلى حانة على طرف السوق، جلس على أحد المقاعد، مستريحًا من رحلته الطويلة. بدا المكان فارغًا وطاولاته مهترئة، بينما النادل يقدم له كأس ماء.

بينما كان يراقب المكان، لمح رجلاً مسنًا يتقدم ببطء على طول الزقاق، متكئًا على عصاه. كانت عيناه تتابعانه بدهشة، وعندما اقترب منه، توقف فجأة، وكأن وصول لارين لم يكن متوقعًا بالنسبة له.

“أ… أنت…!” تمتم الرجل، ثم عاد ليهمس لنفسه: “لا… لابد أنني أحلم…”

لكن شيئًا ما في ملامح لارين شد انتباهه: عظام الفك البارزة، العينان العسليتان، الندبة تحت عينه اليمنى، وطول الشعر الداكن المربوط بضفيرة بسيطة. كل هذه العلامات جعلت العجوز يبتعد خطوة، يده ترتجف وهو يهمس: “يشبه… يشبه المنقذ !”

تجمع شجاعته، وقال أخيرًا: “أنت… الشخص الذي تحدثت عنه النبوءة! أنت من ستحمي دورنفا بعد موت الملك…”

لارين رفع حاجبه، متفاجئًا: “أنا؟ ملك؟ لا، آسف، أنا مجرد رحّال متعب… كنت أبحث عن مكان لأستريح فقط.”

العجوز أومأ ببطء، ثم سأل بحذر: “من أين أتيت، أيها الشاب؟”

أجاب لارين ببساطة: “من الشمال…”

تجمد العجوز في مكانه، وفمه يرتجف

. “من الشمال… هذا… هذا بالضبط ما ورد في النبوءة!” قال وهو يدهش من صدق الصدفة.

سحب لارين عبر الأزقة الضيقة إلى أفضل منزل في المدينة، القصر المهترئ للملك. الجدران متصدعة، الأسقف تتساقط هنا وهناك، والنوافذ تصدر صريرًا مع كل نسمة ريح، لكن مقارنة ببقية المدينة، بدا القصر وكأنه قصر حقيقي،

جلس العجوز على كرسي خشبي مائل، ونظر إلى لارين بعينين مليئتين بالأمل والخوف معًا.

– “الملك مات، وليس له وريث. المملكة على حافة الانهيار… الجنود قليلون، أسلحتهم قديمة، الأسواق شبه فارغة، والحياة هنا شبه متوقفة. نحن بحاجة لمن يقودنا… وأنت، وفق النبوءة، الشخص الوحيد الذي يمكن أن يمنحنا الأمل. سأعطيك مكافأة مالية مقابل قبولك.”

نظر لارين إلى العجوز، ثم إلى الأوراق القديمة التي مدها له. كان في باله توقع بسيط: العمل هنا قد يمنحه بعض المال لتغطية رحلاته القادمة، وبعدها يكمل طريقه. لكنه سرعان ما أدرك الواقع الصعب: المملكة شبه منهارة، والخزينة فارغة، والموارد تكاد تنعدم.

بعد لحظة من التفكير، قال لارين بتردد:

– “سأوافق بشرط واحد: سنة واحدة فقط. أحتاج المال لاستكمال رحلاتي، وبعدها سأغادر.”

ابتسم العجوز بتردد، ثم هز رأسه:

– “سنة واحدة… هذا كل ما أطلبه.”

بعدها، جمع العجوز سكان المدينة في الساحة. الأطفال توقفوا عن اللعب، كبار السن خرجوا من بيوتهم، والباعة وضعوا أدواتهم جانبًا. بدأ يحكي عن النبوءة: شخص غريب من الشمال يحمل علامة تحت عينه، سيأتي ليحمي المملكة بعد وفاة الملك.

ثم أعلن بصوت مرتفع: “دعونا نرحب بلارين، ملك دورنفا!”

الناس صفقوا بارتباك وفرح معًا، وبعضهم يحدق بدهشة، بينما لارين اكتفى بابتسامة صغيرة، يمسح جبينه المتعرق من حرارة الشمس، ويتساءل في سره: “حسنًا… يبدو أن رحلتي ستتوقف هنا لعام كامل… لكن على الأقل سأحصل على المال لاستكمال مغامراتي بعد ذلك.”

وفي لحظة قصيرة، بدا أن المدينة الصغيرة، التي ظنها شبه منسية، بدأت تلمع قليلًا تحت الشمس، وكأن وصوله وحده جعل الجميع ينسون فقر المكان مؤقتًا، وبدأت الحياة تعود إلى دورنفا

2026/01/31 · 3 مشاهدة · 587 كلمة
Ali
نادي الروايات - 2026