الفصل 16: روليت

رشف أندرو رشفة من قهوته ووضع الكوب على الطاولة، ثم تمدد فوق الأريكة براحة تامة. أخرج سيجارة، أشعلها، وترك الدخان يتصاعد ببطء بين شفتيه وهو يحدق في الفراغ.

أمسك بجهاز التحكم وشغل تلك الشاشة العملاقة التي تغطي جدارا كاملا، وبدأ يقلب في قوائم نتفليكس. لم يكن يبحث عن شيء محدد، بل كان يستمتع بفكرة الوقت الضائع. وأخيرا، استقر على فيلم وبدأ يشاهده بهدوء.

[النظام: هل أنت من محبي الأفلام؟] سأل النظام بفضول، لكن أندرو لم يكلف نفسه عناء الرد.. كان غارقا في المشهد.

هل جربت ذلك الشعور الصافي حين كنت طفلا تقف لساعات تراقب شاحنة تفرغ حمولة رمال في موقع بناء؟ ذلك الانسجام والرضا الغريب هو تماما ما كان يغمر أندرو الآن.

كل شيء يسير وفق ما خطط له، ولأول مرة منذ دهور، شعر بسعادة حقيقية.. لقد تخلص من البطلة!

كانت هذه هي الحياة التي أرادها دائما. ورغم أن انتقامه لم يسر وفق الخطة المثالية في البداية، إلا أنه في النهاية انتقام، وهذا كان كافيا جدا ليرمم روحه المحطمة. فكرة أن جين أصبحت عدما بينما هو يجلس هنا يشاهد فيلما، جعلت من موتها لوحة فنية متكاملة في نظره.

وما جعل السعادة تتضاعف في صدره هو تخيله لوجه لويس حين يجدها بتلك الحالة البشعة.. كاد قلبه يقفز من الإثارة وهو يتذكر لحظة هروبه بالسيارة تاركا خلفه تلك الجثة المشوهة.

استمر في المشاهدة، فيلما وراء الآخر، حتى دقت الساعة الخامسة مساء. لم يشعر بالوقت وهو ينفرط من بين يديه، فنهض أخيرا وأطفأ التلفاز بكسل.

نظر إلى نفسه في المرآة.. كان لا يزال يرتدي الملابس ذاتها. استحم بماء ساخن ليغسل بقايا ليلة أمس، لكنه اضطر لارتداء نفس الثياب لعدم وجود بديل.

[النظام: تبا لحالك! ألا تملك سوى طقم واحد؟ لماذا لا تشتري لنفسك بعض البدلات؟]

رد أندرو باختصار: "بدلة؟ حسنا، سأخرج الآن". فخزانة ملابسه الفارغة كانت العائق الوحيد أمام كمال صورته.

فتح باب الشقة، وقبل أن يخرج، قفز سؤال إلى ذهنه: "أيها النظام، أنا لا أعرف عنك شيئا. لا ميزات، ولا قدرات، سوى قصة تسجيل الدخول اليومي هذه". صمت قليلا ثم أضاف: "وحتى مسألة تطويرك.. لم أفهمها بعد".

[النظام: ما الذي تود معرفته تحديدا؟]

"من أنت؟ وكيف وصلت إلي؟" سأل أندرو وهو يضغط زر المصعد.

[النظام: أنا نظام تسجيل الدخول اليومي. أما عن وجودي هنا، فببساطة.. بعد أن دمرت أنت نظام خادم الحبكة، سئمت من أولئك الأبطال المملين، فقررت أن أرتبط بك وتكون أنت مضيفي].

"همم.." فكر أندرو، "وماذا عن التطوير؟ ماذا سأجني منه؟ هل سأحصل على متجر مثلا؟"

[النظام: التطوير قريب، سيحدث فور إتمامك لتسجيل الدخول السابع. أما المتجر، فأمره مؤجل لبعض الوقت].

تمتم أندرو بحماس: "إذن لم يبق الكثير، فقد سجلت الدخول ثلاث مرات بالفعل". كان متلهفا ليرى كيف سيتحول هذا الكيان بعد الترقية.

خرج من المبنى، وقرر هذه المرة أن يترك اللامبورغيني مكانها.. لم يكن يريد لفت الأنظار في هذا الوقت. سار لعدة دقائق مبتعدا عن محيط كريستال بارك ثم أشار لسيارة أجرة. وبعد عشر دقائق، ترجل أمام متجر ملابس راق، ودفع الباب الزجاجي ودخل ببرود.

[النظام: ستموت حقا هذه المرة.]

توقف أندرو فجأة في مكانه، وتجمدت ملامحه. تبخرت نشوة السعادة وحل مكانها فراغ بارد.

"ماذا تقصد؟" سأل بنبرة جافة.

[النظام: هل فقدت عقلك؟ خرجت بلا سلاح، وبلا خطة.. هل تعتقد أن البطل سيشفق عليك؟ لو ظهر إريك الآن وفتح النار، ماذا ستفعل؟ ستموت واقفا كالأحمق؟ كنت أظنك أكثر حذرا.. لكن يبدو أنني بالغت في تقديري لذكائك.]

كان النظام يقصد حين اقترح الملابس أن يطلبها أندرو عبر الإنترنت، لا أن يخرج بنفسه مكشوفا في الشوارع.

لم ينطق أندرو بحرف، فكل ما قاله النظام كان الحقيقة المرة التي حاول تناسيها في نشوة النصر. لقد قتل البطلة وبات البطل يترصد له في كل زاوية، وهو هنا يتسكع لشراء قميص! والأسوأ، أنه يدرك تماما فخ بطاقة نرغال.

بدأ العرق يتصبب على جبينه.. ليس خوفا من الموت، بل من العجز. هو وحيد تماما، بلا نفوذ ولا حلفاء، بينما لويس بفضل الحبكة سرق منه حتى الرجال الذين كان يظن أنه يملكهم.

أطبق أندرو جفنيه لثوان وهو يحاول إيجاد مخرج لهذه المعضلة.. فالموت يزحف نحوه ببطء، ولويس لن يهدأ حتى يراه جثة هامدة، والهرب لم يكن يوما خيارا طويلا.

ارتطم به بعض المارة عند مدخل المتجر، لكنه لم يعرهم أدنى انتباه.. فقد كان غارقا في حساباته الخاصة. استند بظهره إلى الحائط البارد، وبينما كان يقلب الاحتمالات في رأسه، لمعت في ذهنه فكرة أعادت تلك الابتسامة الباردة إلى شفتيه ببطء.

"وماذا لو أخبرتك أنني سأقضي على إريك ومايكل وشركة نوفا بالكامل.. في دقائق معدودة؟ ما سيكون ردك حينها؟"سأل النظام بنبرة تحد.

[النظام: أشك في ذلك تماما، فرصتك تكاد تكون معدومة.]

"إذن.. فلنتراهن،" قال أندرو، والابتسامة تتسع على وجهه.

ساد صمت قصير.. استغرب النظام من هذه الثقة المطلقة، وهو يعلم أن موازين القوى ليست في صالح أندرو أبدا.

[النظام: قبلت الرهان.. ولكن، ما الذي ستقدمه أنت في المقابل؟]

فكر أندرو قليلا.. هو لا يملك شيئا قد يثير اهتمام كيان كالنظام سوى شيء واحد. لمعت عيناه ببريق مجنون وهو يقول: "حياتي. سأنهي وجودي بيدي إذا فشلت."

ساد صمت طويل.. بعدها بدأ النظام يضحك.

[النظام: هاهاها! أحببت هذا الجنون. وتقديرا لجرأتك، سأمنحك ميزة استثنائية: الروليت.]

"روليت؟ لم أفهم،" تمتم أندرو. هو يعرف اللعبة.. رصاصة واحدة في مسدس ذي ست حجرات، تدور الأسطوانة، تضع الفوهة على رأسك وتضغط.. إما الموت أو النجاة. لكن كيف تكون هذه ميزة؟

[النظام: ببساطة، سأمنحك مسدسا وهميا بست حجرات ورصاصة واحدة. صوبه نحو رأسك واضغط الزناد. إذا كانت الحجرة فارغة، ستحصل فورا على مكافأة عشوائية تضاهي هدايا تسجيل الدخول. يمكنك تكرار الأمر كل دقيقة، كل ثانية، فلا وجود لوقت استراحة.. لكن، إذا انطلقت الرصاصة، ستموت فورا. هل تملك الجرأة؟]

2026/03/02 · 35 مشاهدة · 876 كلمة
Moncefsg
نادي الروايات - 2026