الساحِر : الجزء الاول
لاحقًا، قيل إن ذلك الرجل " الساحر " جاء من الشمال، من بوابة " روبرز" .
جاء مشيا على الأقدام، يقود حصانه المُثقل من اللجام.
( اللجام : حديدة تُضع على فم الحصان )
كان الوقت متأخرًا من فترة " ما بعد الظهر "وكانت أكشاك السروج والدباغة مغلقة بالفعل، والشارع فارغ.
كان الجو حارا لكن الرجل كان يرتدي معطف أسود على كتفيه. فَلفت الانتباه إلى نفسه.
توقف أمام " ناراكورت القديمة " ووقف هناك للحظة، واستمع إلى ضجيج الأصوات.
كالعادة، في هذه الساعة، كانت مليئة بالناس.
الرجل الغريب " الساحر " لم يدخل " ناراكورت القديمة " وَمشى بعيداً مع حصانهِ، إلى حانة أخرى أصغر تسمى الثعلب.
لم يكن تتمتع الحانة بأفضل السمعة، فقد كانت فارغة تقريبًا
رفع صاحب الحانة برميل من الخيار المخلل فوقَ راسهُ ونظر صاحب الحانة للغريب " الساحر " بعيونهِ الحادة.
وقف الغريب، الذي كان لا يزال يرتدي معطفه، بصلابة أمام المنضدة، بلا حراك وصامت.
------
صاحب الحانة بصوتهِ الغليض :"ماذا ستشرب ؟ "
قال الغريب: "بيرة".
قام صاحب الحانة بمسح يديه على مئزره المصنوع من القماش، وملء خزان خزفي متكسر بالكحول.
لم يكن الغريب " الساحر " كبيرًا في السن ولكن شعره كان أبيض بالكامل تقريبًا.
تحت معطفه كان يرتدي سترة جلدية سوداء.
عندما خلع معطفه، لاحظ من حوله أنه يحمل سيفًا - ليس شيئًا غير عادي في حد ذاته، فكل رجل تقريبًا في " ويزيم " يحمل سلاحًا - لكن لم يحمل أحد سيفًا مربوطًا على ظهره كما لو كان قوسًا.
لم يجلس الغريب على الطاولة يشاركها بعض الضيوف، بل ظل واقفًا عند المنضدة، وَينظر لصاحب الحانة بنظراتهِ الحادة.
الساحر : "أنا أبحث عن غرفة للمبيت".
"لا توجد غرفة"، صاح صاحب الحانة، وهو ينظر إلى أمتعة الغريب، المتربة والمتسخة.
صاحب الحانة :" أبحث في " ناراكورت القديمة " ."
"أفضل البقاء هنا ".
صاحب الحانة : "لا يوجد."، تعرف صاحب الحانة أخيرًا على لهجة الغريب. كان من بلدة " ريفيان " .
الغريب : "سأدفع "، تحدث الغريب بهدوء، كما لو كان غير متأكد.
وبدأ نزاع قذر أخر.. رجلاً اخر وجههُ مُملتئ بالبثور كان يراقب الغريب بعيونه القاتمتين منذُ دخولهِ للحانة، وقد وقام واقترب من المنضدة.
ووقف اثنان من رفاقه ايضاً خلفه، على مسافة لا تزيد عن خطوتين.
صاحب البثور قال بغلاظة للغريب : "ليس هناك غرفة لك يا أيها المتشرد القذر من " ريفيان "، لسنا بحاجة إلى أشخاص مثلك في ويزيم. هذه مدينة محترمة! ".
أخذ الغريب كوبه الذي اعطاهُ له صاحب الحانة وابتعد عن رجل البثور. ونظر الغريب إلى صاحب الحانة الذي تجنب النظر لعينيه.
لم يدافع الغريب عن بلدته. بعد كل شيء، من أحب ريفيان؟.
" كل الريفيون هم لصوص "، قالها الرجل المصاب بالبثور. "هل تسمعني ، أيها الوغد؟".
"لا يستطيع سماعك". قالها أحد الرجال الذي كانوا خلفه، وتابع قائلاً بصوت مسموع "أذناه مليئة بالقذارة"، فضحك صاحب البثور.
"ادفع وغادر ! " صاح الرجل المبثور. الآن فقط نظر إليه الغريب من ريفيان. وقال "سأنهي البيرة الخاصة بي.
"سنقدم لك يد المساعدة" ، قالها الرجل المبثور.
ضربَ المبثور كوب الخمر الذي كان بيد " الغريب " وسقطَ الكوب على الارض، وبنفس الوقت أمسك المبثور كتف " الغريب " بقوة حتى حُفرت اثار اضافره في حزام السيف الجلدي.
بينما تقدم احدم الرجال الذينَ كانوا خلف المبثور لضرب " الساحر " .. لكن " الساحر " انحنى بسرعة مما سبب اختلال بوزن المبثور الذي كان يمسك كتفه .
تحركَ السيف في غمدهُ عندما انحنى " الساحر " مُصدراً صوتاً صريرًا، ولمع لفترة وجيزة في الضوء الخافت المتسلل للحانة من النوافذ القديمة.
هاج المكان وامتلأ بالصراخ. وتراجع أحدى ضيوف الحانة القلائل المتبقين نحو مخرج الحانة.. وهرب.
فسقط كرسيًّ ما وتحطم.. وُضربت ألاواني الفخارية بألارض بحماس همجي.
نظر صاحب الحانة، وشفتاه ترتعدان، إلى الوجه المتشقق الكريه للرجل المبثور، الذي كانت أصابعه تتمسك بحافة المائدة، وكان يحاول الهروب ببطء من الأنظار.
كان الاثنان الآخران مستلقين على الأرض، أحدهما بلا حراك، والآخر يتلوى ويتشنج في بقعة مظلمة في جوانب الحانة مُتأثراً بأصابتهِ.
" كييياااااااه ".. صرخت امرأة بهسترية في الحانة.. واخترق صوت صراخها.. آذن صاحب الحانة الذي كان يرتجف.. ويتقيأ.
تراجع الغريب نحو الحائط غاضباً ويقظا. كان يمسك بالسيف في كلتا يديه، ولوحَ بهِ في الهواء، وتطاير سائل أحمر قاتم في الهواء.. الدم.
لم يتحرك أحد. كان الرعب، مثل الطين، واضحًا على وجوههم.. يشل الأطراف ويخنق الحلق.
اندفع ثلاثة حراس إلى داخل الحانة. بالتأكيد هم قريبين. كانوا على أهبة الاستعداد لأي هجُوم مفاجئ، لكن على منظر الجثث هذا.. لم ينتضروا وسحبوا سيوفهم.
أستند " الغريب " بظهره على الحائط وبيده اليسرى سحب خنجرًا من حذائه.
"ارمي هذا!" صرخ أحد الحراس بصوت يرتجف. " ارمها ايها السفاح. أنت قادم معنا! "
ركل الحارس الثاني الطاولة التي كانت بينه وبين الغريب من " ريفان ".
"اذهب واحضر الرجال، تريسكا!" صرخ للحارس الثالث الذي كان قريبا من الباب.
قال الغريب وهو ينزل سيفه: "لا حاجة، سآتي بنفسي."
"بالطبع ستذهب، يا ابن العاهرة، على طرف حبل ! " صرخ الحارس المرتعش.
" ارمي سيفك أو سأحطم رأسك ! " فقام الغريب وأستعدل في وقفته.
وضع نصله تحت ذراعه اليسرى ورفع يده اليمنى نحو الحراس، وسرعان ما رسم علامة أستفهام في الهواء.
ومضَ درعهُ الجلدي الاسود الذي كان تغطيهُ المسامير من معصميه إلى مرفقيه.
تراجعوا الحراس، وغطوا وجوههم بأذرعهم. وقفز أحد العملاء بينما اندفع آخر نحو الباب.
وصرخت المرأة مرة أخرى، الحقيرة العاهرة ذو الصوت الحاد.
"سآتي بمفردي"، كررها الغريب بصوته الرنان المعدني.
"خذوني الى حاكم المدينة. فأنا لا أعرف الطريق ".
"حسنا "، قالها احد الحراس.
وتقدم " الغريب " باتجاه المخرج، ونظر حوله بتردد.
وتقدم الحارس الطريق، ومن خلفهُ كان " الغريب "، يتبع مسارهُ وبجانبهِ الحارسان.
وأرجع سيفه الى غمده وخنجرهُ الى حذاءهُ.. وبينما كانوا يجتازون الطاولات، أبعد باقي زبائن الحانة وجوههم عن الشخص الغريب الخطير " الساحر ".