كانت فانيسا عائدةً إلى أرضِها، لتُبصِر بعدها من داخل غابةٍ قريبة عاصفةً قوية إثر هجمة سحرية مُكثَّفة. لم تحاول الاقتراب في البداية لكن سرعان ما رأت شيئًا يلمع محلِّقًا في السماء في طريقها. اقتربَت منه بعد سقوطه أرضًا فوق الثلوج المتراكمة، بَدا كجوهرةٍ تلمعُ داخل البياض. اقتربت لتجدها ملطَّخةً ببعض الدماء الدافئة... لقد كانت قلادةً من بلور شفاف يعكس ضوء الشمس الخجولة. أمسكتها بقبضة يدها وأكملَت مسيرَها، و سرعان ما استشعرَت مانا مشؤومة في طريق عودتها، ذلك ما جعلها تقترب من الحدث قبل المواجهة.
**********
ثواني بعد إنقاذ الإمرأة القطة لي من الموت المحقق، جَرَت بينها وبين آلتوس محادثة حادة وهما يقتربان من بعضهما. بعدها تسارعت خطواتهما حتى لم أعد قادرًا على تتبُّعهما بعينيّ حتى، فبدا لوهلة كما لو أنهما اختفيا في الهواء.
قفز الاثنان في الهواء عاليًا. مدَّ آلتوس يده للوراء ثم ردِّها للأمام ومعها هجوم قويٌّ من الرياح المتجمدة.
"هاااا"
قذفت الرِّياح الشديدة فانيسا بعيدًا كما حدث معنا سابقًا عند هجومه علينا. لكن وعلى عكسنا استطاعت فانيسا العودة بسرعة خيالها كما السهم المنطلق مندفعة نحو خصمها بعينين حادَّتين جادَّتين مرعبتين.
كنتُ متمسكًّا بشظية جليد مغروسة عميقًا في الأرض إثر ظهور آلتوس الأول، وأنا أشاهد قتالهما.
فتحت فانيسا حولها العديد من البوابات في الفراغ، التي سرعان ما انبثقت منها هجمات سريعة كما الليزر متَّجهةً نحو آلتوس الواقف في السماء.
كانت هجمات الليزر تتبع هذفها آلتوس أينما توجَّه مراوغًا إياه في السماء. كما لو أنه يسبح في السماء كان آلتوس يُطلق من يديه رذاذ الثلج بقوة تساعده في الطفو في أعالي السماء بحُريَّة.
تمكَّن من مراوغة تلك الهجمات بنجاح وجعلها ترتطم ببعضها البعض مشكِّلة انفجارات بَهيَّة في السماء الغائمة.
"خيط المكان هاه؟ لقد اشتقتُ لهجماته! متى سترينني حركتكِ القادمة؟" قال
التزمت فانيسا بالصمت الحاد...
شكَّل آلتوس العديد من هجمات نصل الجليد ووجَّهها نحو فانيسا بسرعة خيالية.
فتحت فانيسا العديد من البوابات المكانية في السماء التي احتوت هجوم آلتوس ونقلتها لمكان قريب، يسمع دويُّ هجماته القوية فيه.
'هذا مثل ما قامت به لحمايتي سابقًا!'
ألقى آلتوس المزيد من هجمات نصل الجليد، عشرة... عشرين... ثلاثين... كانت تتصدّى لهم فانيسا ببراعة بنفس الطريقة السريعة، عبر امتصاصهم في بوابات مكانية وإرسالهم إلى الغابة المجاورة. لكن، مع ازدياد عدد الهجمات لم تستطع أن تسلم من كل الضَّرر. كان آلتوس أسرع منها نسبيًّا ونجح في خذشها بحدة هجماته، في خذها الأيسر... كتفها الأيمن... فخذها الأيمن... وخصرها الأيسر.
"متِّعيني أكثر، أعلم أنك أحسن من ذلك فانيسا!" قال
التزمت فانيسا الصمت من جديد، دون الإجابة عن استفزازه. اندفعت نحوه في السماء سريعًا بقوة كبيرة تاركةً خلفها حفرةً في الأرض خاليةً من الثلوج. يبدو أنها قرَّرت تقليص المسافة بينهما وجعلِها معركة مدى قريب، لأن المدى البعيد ليس نقطة قوتها في هذه المواجهة.
إقتربت منه وحاولت لمسه، لكنه تفادى راحة يدها ببراعة مراوغًا اندفاعها، كما أنه نجح في تجميد يدها التي حاولت التطاول عليه.
"آاخ" تألَّمَت
'أنا أملك سيفي، يجب عليَّ مساعدتها، لكن كيف؟ معركتهما حاليا معلَّقة في الهواء ولا سبيل لي للاقتراب حتى.'
وضعت فانيسا راحة يدها اليسرى السليمة على اليمنى المتجمِّدة بصقيع آلتوس فأذابت جليده. إلتفتت إليه في السماء من جديد. كان الإثنان يطفوان في السماء. آلتوس عبر إطلاق رذاذ الثلج من راحة يديه، و فانيسا استطاعت لسبب ما الطفو في السماء دون التشبت بشيئ.
ابتسم آلتوس ابتسامة مستفزة لها، ثم رفع يده اليمنى وفرقع أصابعه فانطلقت باتجاهها حبة ثلج صغيرة انبثقت من فرقعة أصابعه.
وقفت فانيسا تشاهد حبة الثلج تلك وهي تقترب نحوها باستغراب دون تحريك ساكن. وعند بلوغ حبة الثلج هذفها تضخَّمت والتفَّت حولها مشكلة سجنًا مكونًا من قضبان جليدية تحيط بها.
"قضبان الجليد هذه مستحيلة التحطم لعِلمك! لا يمكنك فعل شيئ بخصوصها." قال
"حقا؟!" ردَّت
اختفت فانيسا بعدها من داخل السجن الجليدي ليظل معلَّقًا فارغًا في السماء. لقد انتقلت...
'بالطبع ستَفعَل، فهي تملك خيط المكان... أ غبيٌّ أنا؟!' فكَّر
غَمرتني الصدمة إثر اختفائها وكذلك الحال مع آلتوس الذي وقف في السماء مصدوما ممتعِضًا.
"اللعنة عليك يا خيط المكان!" همَسَ
'أين هي؟ أين انتقلت؟ ما الذي تخطط لفعله؟'
اجتاحت التساؤلات تفكيري وأنا أشاهد حركتها الأخيرة، وكذلك كان الحال لآلتوس على ما أعتقد، لقد كان يحرك رأسه يمينًا ويسارًا يتساءل عن موقعها الحالي.
"أنظر فوق!" قالت
جاء صوتها عاليًا في السماء حيث وقفت بهيبة وحيدة في السماء في أعلى نقطة يستطيع شخص بلوغها. حيث لا طير يطير حتى، وقفت... وحيدة في السماء الرمادية الغائمة. نظرت نظرة سفلية لآلتوس باستصغار. رمقته بنظرة لم يستطع منع نفسه إثرها من إزالة ملامحه الباردة عن وجهه وصُنع ملامح الغضب ونية القتل الشديد بدَلَها.
"آلتوس... ربما لم يكن يجدر بكم الاستيقاظ في هذا العالم مجددًا! مكانٌ لا وجود لي فيه، ربما كان ليكون خيارًا أنسب لك ولعشيرتك! ألا ترى ذلك؟" قالت
أبدى آلتوس على وجهه ملامح شخصٍ تذوق مرارة الضعف والإذلال، رمقها بعينين حادَّتين حيث لا يرى بؤبؤهما سوى إمرأةٌ قطة تقف فوقه في أعالي السماء.
بسطت فانيسا ذراعيها في السماء، شكَّلت نوعًا من الهالة على راحة يديها. ثم وضعَت إصبع إبهامها الأيسر أمام عينيها حتى غطَّى آلتوس من منظورها. فجأة، تشوَّه المكان حوله، كما لو أن هنالك خللًا يحدث في الفضاء. فانحنى رأسه رغمًا عنه، وبدأ الهواء المحيط به يضغط عليه كما لو أنه يسحق جسده، فترى آلتوس وجسده ينكمش وهو يُصارع من أجل حياته.
صرَخ... صرَخ آلتوس صرخة شخصٍ يتعذب، شخص أبعد ما يكون عن ذلك الشخص البارد الذي قابلني أول مرة. صرَخ كما لو أنه يطلب النجدة. لكن لم يأتي أحدٌ لنجدته. عيناه الزرقاوتان كما البلور تحولت لأزرق كاسح يفيض برغبة قتل جامحة، احمرَّ بياض عينيه وانفجرت عروقهما دمًا وهو يصرخ جاهدًا... كان صراخه يرتفع شيئًا فشيئًا كما التنين المُحاصر. لقد كان كلٌّ مني وفانيسا نرمقه بنظرة مُرتعبة حينما كان يجدر أن يكون العكس سيد الموقف في حالته الحالية. لكن نظرته تلك وصراخه ذاك كانا كفيلان ببث الرعب من جديد في قلبي بعدما ارتحت إثر قدوم فانيسا.
شكَّل آلتوس وهو يقاوم مزيج هجماتٍ بعنصر الجليد لا متناهي، كسر به التشوه الذي يحيط بالفضاء ومعه انطلقت مختلف الهجمات باتجاهي واتجاه فانيسا وكل المحيط الواسع حوله. مزيج من أنصال جليد متعددة ورياح حادة قوية، ورماح جليدية، وعدد من كثل الثلج المتصلب التي قُذفت عشوائيًّا كما الحجارة.
حملتُ سيفي ووجَّهته أمام الهجمات القادمة نحوي. وضَعتُ قدماي بوضعية يكونان متباعدتان بعرض الكتف، ركبة أمامية مثنية قليلاً، وزن منخفض. أما السيف فجعلته متقدّمًا أمام الجسم بزاوية 45° باتجاه صدر الخصم. بهدف الصمود أمام وابل الهجمات هذا كما علَّمني رايندار.
تصدَّيت لأغلب الهجمات السريعة بهذه الطريقة ببراعة، لكن سرعان ماعاد ألم قلبي القويّ إلي فسقطتُ أرضًا خائر القوة، فتمكَّن رمحٌ جليدي من اختراق كتفي الأيسر.
"آااااا!!!" صرختُ بشدة
في نفس هذه الأوقات شكَّلت فانيسا بوابة مكانية كبيرة كفاية لتشمل كامل جسدها، كانت كل هجمات آلتوس العشوائية مهما زادت قوتها تُمتصُّ من قبل الفراغ داخلها.
لكن آلتوس نجح في التَّحرر من تشويه المكان الذي طبَّقته عليه فانيسا سابقًا ليسحق جسده.
"اللعنة عليك أيَّتُها القطَّة الساقطة! لقد كان ذلك مؤلمًا بحق..." قال بألم
"مستحيل... تحرَّر من تشويه الفراغ!" همسَت لنفسها قائلة
انفجرت هالة شديدة من آلتوس العائد من الموت في السماء... هالة جسَّدت برودة صقيع الجليد بكل ما تحمله الكلمة من معنى... تجمدَّ كل شيئ حولنا محوَّلًا إلى جليد. حتى الهواء أصبح أشد صعوبة في الاستنشاق.
'قلبي... رِئتاي... لا أستطيع التنفُّس.'
"فلننهي هذا، هلَّا فعلنا؟!" قال بتعجرف
شكَّل آلتوس كرة ثلج كبيرة عبر سحب الثلوج من قمم الجبال والأشجار مكوِّنا إيَّاها لتسحق بوابة فانيسا المكانية نفسها.
ضحك بتعجرُف
تمكَّن من تشكيل كرة ثلج عملاقة في الهواء، رفع يده اليمنى عاليًا، وبفرقعة إصبع تحوَّلت لجليدٍ صلب. ثم أنزل يده كنوعٍ من الإشارة لإطلاق الهجوم، فاندفعت الكرة الجليدية العملاقة بجنون نحو هذفها الصغير... نحو فانيسا!
"تايشين... فَتْح!" قالت
شكَّلت فانيسا عددًا من البوابات العملاقة لتحميها من الهجوم القادم. واحد... إثنان... ثلاثة... أربعة. لقد شكَّلت أربع بوَّابات مكانية أكبر من أي شيئ قامت به سابقًا لإحتواء هذا الهجوم العملاق.
لقد كنتُ أُبصر من مكاني هذا قتالهما وأنا ممدود على الجليد أنزف دمًا من كتفي خائر القوة كنملةٍ تشاهد الفِيَلة تقاتل بعضها بضراوة.
اندفَعت كرة الجليد العملاقة نحو فانيسا بعنف وسرعة خياليَّين. دمَّرت البوابة المكانية الأولى، تجاوزت الثانية، وكذا الثالثة، بدأت تتضرِّر البوابة الرابعة كذلك، لكن فانيسا دعمتها بالمزيد من القوة لتصمد أكثر فاستطاعت أن تحتوي الهجوم في فراغها.
لقد كانت فانيسا تتصبَّب عرقًا رغم أن الجوَّ في أقصى مراحل البرودة، شاحبة، ومليئة بالثغرات.
"أُنظري لنفسك، وأنا الذي ظننتٌ أنك ستُسلِّينني أكثر!" قال باستخفاف
كانت فانيسا متعبة، بينما ظهر آلتوس في مظهرٍ متعافي كما لو أنه تعافى من كل ضرر أصابه سابقًا. وبينهما بوابة مكانية واحدى متضررة بشقوق إثر امتصاصها لهجوم آلتوس السابق.
"سأردُّها لك!" قالت بنبرة واثقة
"متى؟! سأنتظرك بقدر ماتشائين!" قال باستهزاء
"الآن!" قالت
من تلك البوابة المتضررة، خرجت تلك الكرة الجليدية العملاقة من جديد. لكن هذه المرة كانت متجهة صوب آلتوس نفسه، بسُرعةٍ شبه مُضاعفة.
"هاها مهلًا مهلًا، هذا غش ألا ترين ذلك؟!" قال
حجم الكرة العملاق وسرعتها الخاطفة كما الرياح، جعل تجنُّبها خيارًا غير موفَّق، فسيطالُك الهجوم بالأخير لا محالة. لذلك، كان الدفاع هو الخيار الأنسب.
وعليه، شكَّل آلتوس سيفان جليديَّان حادَّان عملاقان، حمل كلَّا منهما على يد مختلفة، وعكسهما كما المقصِّ، واحتما خلفهما. كان يزيد من حدَّتهما أكثر فأكثر كما لو أنه يشحذُهما حتى صار النظر لوحده كفيلًا بمعرفة قدرتهما على قطع الفولاذ.
في هذه الأثناء، نظرت فانيسا إليه يستعد لصد الهجوم فاختفت من السماء، منتقلةً إلى مكاني حيث أتواجد ممدودًا على الجليد وأنا أنزف. أذابَت الرمح الذي اخترق كتفي من أجلي بسحرِها ذاك، وحَمَلتني على ظهرها.
رمقَتْ آلتوس الذي كان يقطع الكرة الجليدية العملاقة بسيفيه العملاقين نظرةً متعَبة، واختفينا بعد ذلك من ساحة المعركة.
إنسحبنا.
وضعتني فانيسا أرضًا أمام غابة أشجارٍ كثيفة عملاقة، وتقدَّمَتْ نحو حجرٍ كما القبر، مغروسًا في الأرض المُثلجة وقد نُقِش عليه رمزُ أذنِ قطٍّ قصيرة يغطيها الفِراء. قامت بنشر شيئ يشبه الهالة على الرمز فتوهَّج لوهلةٍ، فتزلزلت الأرض وانخفض الحجرُ عميقًا في باطِن الأرض حتى اختفى، تاركًا خلفه مكانًا يختلف عن غابة الأشجار العملاقة التي شاهدتُها سابِقًا.
حين تم تفعيل سحر المكان هذا أو أيًّا يكُن، بدا كما لو أن الضباب انشقّ ليكشف عن قطعةٍ من الحُلم الفانتازي. قرية أنصاف القِطط الشمالية المخفية، التي لا تُفتح إلا لمن يحمل في قلبه نية سلامٍ صافية.
تبدو وكأنها واحة من الدفء في عالمٍ أبيض لا نهاية له، تقع بين تلالٍ من الثلج المتلألئ كقطع البلور. السحر المحيط بها يجعل الهواء مشبعًا بنورٍ ناعم متراقص، وكأنّ شمسًا صغيرة خفية تُضيء القرية دون أن تذيب الثلوج.
البيوت هناك شبه حضرية التصميم، بعضُها مبنية من حجرٍ رماديٍّ أملس وأغلبُها بأخشابٍ فاتحة اللون، وتُغطي أسقفها بصفائح شفافة من البلور الجليدي تنكسر عليها أشعة الضوء فتمنح المكان توهجًا ساحرًا. تُزين الجدران بزخارف منحوتة تمثل أقمارًا مكتملة، بينما تتدلّى من الشرفات مصابيح جليدية تنبعث منها نارٌ بُرتقالية بشعلةٍ وردية خافتة تذيب برد الشتاء.
في الأزقة، ينتشر صغارهم بمرحٍ عجيب، أنصاف بشرٍ بآذانٍ ناعمةٍ وأعينٍ فضية واسعة تلمع ببراءةٍ لا تشبه سوى الثلج حين يولد صباحًا. يركضون حفاة على الأرض المغطاة بالثلوج دون أن يتأذوا، يضحكون بأصواتٍ خفيفة كخشخشة الرياح، ويطاردون كراتٍ من الضوء البارد التي تصنعها الأمهات لتسلية الأطفال. ملابسهم بسيطة لكنها جميلة؛ قمصان من الصوف الرمادي اللامع وأوشحةٍ صغيرة مربوطة بخيوطٍ برتقالية اللون الذي يرمز لديهم إلى الحياة وسط البياض.
أما الكبار، فهُم رشيقون في الحركة، وجمالهم هادئ، يحملون في ملامحهم مزيجًا بين الحذر والطمأنينة. رجالهم يرتدون معاطف طويلة مبطنة بالفراء، وأحزمتهم معلّقة عليها رموز من الخشب المنحوت تمثل أصول العائلة. أما النساء فيلبسن فساتين من أقمشةٍ منسوجة بخيوطٍ بلورية، وأكمامٍ واسعة تُشبه أجنحة الثلج، ويزيّن شعورهن الطويل ريشٌ رمادي أو شريطٌ أحمر يوحي بدفء القلوب في قسوة الشتاء.
في وسط القرية تنتصب شجرة ضخمة متجمدة، جذعها من بلورٍ أزرق، وأغصانها تُضيء بأزهارٍ بيضاء. بينما يتطاير رماد الثلج المضيء كأن النجوم تهطل من السماء.
وقفنا أمام القرية لمدة من الزمن وأنا مذهول بجمال المشهد، لقد كان عالمًا آخر تمامًا يفيض بالحياة عكس المعركة الطاحنة التي شهِدتها سابقًا.
نظرَتْ إليَّ فانيسا باسترخاء.
"من الجميل أن تعود للبيت أليس كذلك؟" قالت بابتسامة
"أجل..." أجبت
'البيت هاه؟... لسبب ما هذه الكلمة تُشعرني بفراغٍ لا يوصف. إنه شُعورٌ كئيب...'
دخلنا القرية بعد ذلك متجاوزين حاجزًا مادِّيًا. إنغلق من جديد بعد تجاوزنا إيَّاه. فاختفت القرية عن أنظار الغرباء في الخارج وعادت الغابة الكثيفة للانبثاق مكانها في نظرِ من هم في الخارج. أما نحن فيبدو الأمر كما لو أننا دخلنا من بوابة عملاقة مصنوعة بخشبٍ أصيل.
لقد كانت فانيسا متعبة بشدة، وقد كان التعب والإرهاق والإصابات بادين عليها، لذلك لم يكن غريبًا أنها سرعان ما سَقَطَت أرضًا فور وصولنا. ربما لأنها شعرت بالدفء والأمان في قريتها أخيرًا ما سمح لها بترك حذرها الشديد والنوم فاقدةً الوعيَ في هناء.
"قائدة~~~"
كلُّ أنصاف البشر القطط الذين شاهدوها تسقط أمام البوابة قدِموا لنجدتها، صغارًا كانوا أم كبارًا، رجالًا كانوا أم نساءًا. بينما أنا متعب وقلقٌ بدوري على منقذتي، رأيتُ عددًا من الأشخاص ينقضُّون علينا لتفقد حالة محبوبتهم.
كان التوتر باديًا على الجميع، لم يكُن ضمنهم شخصٌ من دوي الاختصاص في الإسعاف لكنهم لم يتوقَّفوا عن إحداث ضجة جعلت الشعب يتجمهرُ حولها أكثر فأكثر. لقد كانت بهذه الأهمية لدرجة أنهم لم يُلقوا إنتباها لي وأنا الذي أُعتبر دخيلًا على قريتهم المخفية.
"أين هي الأم الشَّريفة؟!"
"فليناديها أحدكم!"
"أيَّتها الأم الشريفة تعالي وأسعِفي القائدة من فضلك!"
"لما لا نحمِلها لها؟"
"ماذا إن كانت قد أصابت رأسها ولا ينفع تحريكه!؟"
"لكن... القائدة!"
لقد كانت فانيسا أو بالأصح "القائدة" هي همَّهم الشاغل وقد انقسمت على إثرها الآراء حول إعانتها وبدأ يظهر توتُّر أكبر على الأجواء وساد القلق والغضب بين العامَّة لدقائق ودخل بعضٌ من رِجالهم في مناوشات حتى. لقد كانوا جميعًا عبارة عن حطَّابين إن أردتَ وصفهُم، لا يوجد ضمنهم أشخاصٌ يبدو عليهم أنهم أطباء أو مقاتلين، لذلك كان تشخيصُ حالتها مستحيلًا عليهم وهو مازاد الأجواء المشحونة شدَّة.
"جسدُها تملؤه الإصابات... من فعل هذا بها بحق الجحيم!" قال أحد الرِّجال
لقد كان ذلك الوقت الذي انتبهوا إليَّ فيه لأوَّل مرة.
"من أنت يا هذا! دخيل؟" قال
لقد كانت كلماته وكأنه ألقى قدَّاحةً في الزيت. نشب إثرها تهجُّم علي، وعلى هوِّيتي، وعلى هذفي.
لقد كان الأمر عبارة عن عدد من الإتهامات والغضب المُلقى عليَّ من أمامي وخلفي، ومن يميني ويساري. لقد كان الكُلُّ متهجِّمًا خاصَّة رجال القرية، واتَّخدت النساء نظرات احتقار اتجاهي، بينما كان الأطفال متوترين وبعضهم غير مهتم لايدرون مايحصُل فتسبب بغضب البالغين حولهم.
"هل أنت من فعل هذا بقائدتنا؟"
"كيف تجرؤ على دخول أرضنا هذه!"
"من أرسلك؟ وما هذفك؟"
"تقدَّم خطوة واحدة أخرى للأمام وسنرتمي عليك!"
"ما الذي يحمله في خصره... أهو سيف؟"
"إنه سيف نعم!"
"أمي أنا خائف..."
"لاتقلق عزيزي، فحاجز القرية يحمينا من كلِّ شر!"
لقد كنت في منتصف هذه المناوشات بينما كان بعضهم من الذكور عنيفًا يحاول شدِّي أو تثبيتي. لقد كان واضحًا من مظهرهم المتواضع أن سحب سيفي من غمده كفيل ببث الرعب في نفوسهم والابتعاد عني... لكنني لم أكن لأُقدِم على هذه الحركة بعدما سمحت فانيسا لغريب مثلي بعبور الحاجز ودخول قريتها.
"تَمهَّلوا!"
جاء صوتٌ عجوزٌ من خلف هذا الحشد الكبير المتجمهِر أمامي. صوتٌ أزال الجوَّ المتوتِّر من نفوس الشعب وأخفَض الضجيج. صوتٌ رزين جعل الجميع يُفسِح المجال لصاحِبته للمرور.
"إنها الأم الشريفة... إنها الأم الشريفة!"
نطَقَ الجميع بهذه الكلمات وهم يُفسحون المجال باحترام ورضوخ وتقدير.
لقد كانت عجوزًا تُعرف عندهم باسم "الأم الشَّريفة"، وهي أكبر أنصاف القِطط البشرِ سنّاً.
شكلها يحمل كل علامات الزمن الجميل، وكأن السنين لم تُثقلها بل نقشت عليها حكمة الثلج؛ قامتها قصيرة قليلاً ومنحنية برِقَّة، لكن خطواتها ثابتة، كمن يعرف طريقه حتى لو انطفأت كل الأنوار.
بشرتها فاتحة اللون، مخطّطة بتجاعيد دقيقة تشبه شروخًا رقيقة على سطح الجليد. شعرها أبيض كالقطن، تضفره على شكل جديلتين تنسدلان على كتفيها، ويتخللهما خيوطٌ من الصوف الأزرق الفاتح ترمز ربما لمكانتها. أذناها فوق رأسها كثيفتان، لكنهما تتدليان إلى الجانبين بمرونة ناعمة، وفروهما ناعم ولونه فضيّ عند الأطراف، عينها اليمنى بلون الثلج الصافي، أما اليسرى فتغطيها طبقة ضبابية بسبب فقدان البصر على ما يبدو.
ترتدي رداءً طويلاً مصنوعاً من فراء الأرنب الجبلي الأبيض، مزوّداً بشريطٍ واسع من القماش القديم حول خصرها، عليه طلاسم غير مفهومة لربما تعود لحضارة قديمة.
رغم سنّها، فإن خطواتها خفيفة كخطوات طفل، وصوتها دافئ خافت، يشبه خشخشة نارٍ صغيرة في ليلةٍ شتوية، مريحٌ للأعصاب. أجمل ما فيها هو ابتسامتها؛ تبدو كأن الثلج ذاته يلين عند رؤيتها، وكأن كل خوفٍ أو قلق يتبدّد بمجرد الجلوس قريبًا منها.
الصِّغار يبدو عليهم حبُّهم الكبير لها فتراهم يُحاولون الاقتراب لها لكن أولياءهم يمنعونهم من مُقاطعتها. أما الكبار، فينظرون إليها باحترامٍ عميق، فكما استنبطت هي ليست مجرد حكيمة القطيع بل إنها ذاكرة القرية، وضميرها، وأمّ الجميع.
كان هذا هو الجوُّ الذي تبعثُه.
اقتربَتْ بثبات لفانيسا المُلقاة على الأرض محاطةً بشعبها. لكن سرعان ما أفسحوا المجال حولها فور وصول العجوز.
وضعت العجوز يدها المسنَّة على قلب فانيسا وأغمضت عينيها المتجعِّدتين.
"إنها بخير!" قالت بهدوء
"هل فانيسا حقًّا بخير!" قلت بقلق
ما إن ذكرت اسم فانيسا حتى عادت الأجواء المتوترة لتسود بين العامّة.
"هل ناداها باسمها المصُون للتو؟"
"هل هو جريئ لهذه الدرجة!؟"
"يجب أن يُسجن هذا الغريبُ يا أُمَّنا!"
"لا يجب أن يخرج سالمًا من أرضنا هذه!"
هل إقترفتُ خطأً ما للتو؟ هل مناداة اسمها مباشرة لايجوز؟
"صَمتًا جميعًا!" أمرَتْ العجوز
"..."
عمَّ الصمت المكان مجددًا. يبدو أن كلماتها بالغةُ الأثر بين أنصاف القطط.
"أنت... ما اسمك؟" سألَتْ
"... إليان..." قلت
"إليان... هل دخلتَ هذه القرية بإذن فانيسا؟" سألَتْ
"نعم..." قلت
"حسنًا سأسألك عن التفاصيل لاحقًا... إتبعني!" قالت
"ماذا عن فانيسا؟" سألتُ
"هلَّا تعاونتم في حملِها برِفق إلى منزِلي!؟" طلَبتْ من الشعب
"حاضر!!"
بصوت جماعي راضِخ لأوامر العجوز انصاعوا لطلبها. وبذلك تبعتُها لمنزِلها بينما حمِل رجلَان فانيسا المصابة خلفنا.
لقد كان كوخًا عاديًا لا يختلِف البتة عن أي كوخٍ آخر في القرية، بسيط وصالح للعيش في دفء. هُناك وُضِعَت فانيسا على سريرِ قطنٍ دافئ قرب النيران المشتعلة في المِدفأة.
"شكرًا جزيلًا لكما! يمكنكما المغادرة." قالت العجوز
"لكن..." قال الرجلان بقلق وحذر
"لا بأس... إنه شخص صالح سمحت له القائدة بالدخول." قالت
"حسنًا إذًا!" قالا
وبذلك جلستُ أنا ونصفُ القطة العجوز وجهًا إلى وجه على كراسي خشبية قرب فانيسا النائمة على السرير.
"إذًا أظن أنني يجب عليَّ التعريف عن نفسي بداية!" قالَت
"..."
"أنا القائدة السابقة لقرية أنصاف القطط الشمالية المخفية هذه. حاليًا أنا عجوز تؤدي دور الأم الشريفة وهي تنتظر وفاتها. أنت بشريٌّ لذلك لست ملزمًا على مناداتي بذلك، يكفي أن تناديني بالعجوز أو باسمي... سيرا!" قالت
"العجوز سيرا إذًا!" أجبت
"يبدو ذلك مناسبًا لي... دورك الآن إذًا!" قالت
"أنا بشريٌّ يعيش في جبال هذه المنطقة. أدعى إليان، ولا أملك شيئا جديرًا بالذكر غير ذلك!" قلت
"كيف إلتقيت بفانيسا" سألَتْ
"لقد كنتُ أصيد بعض الدببة رفقة زميليّ، فجأة قام بعض إلف الجليد على ما يبدو بمهاجمتنا وإنتهى المطاف بي وحيدًا بعيدًا عنهما. حينها كاد قائدهم الذي يُدعى آلتوس على ما أذكُر بمهاجمتي راغبًا في قتلي، وهناك ظهرت فانيسا... لقد أنقذتني من قبضته وخاضت قتالًا لم أشهد مثله قَطّ بُغية حمايتي، وقد تأذت كثيرًا إثر ذلك، وما إن وجدَتْ فُرصة سانحة للهرب، مسكَتْني وإنتقلت بنا إلى هذه القرية. فتحَت الحاجز ودخلنا لأرضها، وبعد ذلك سقطت أرضًا، يبدو أنها جمعت شتات نفسها طيلة الوقت ولم تسمح لنفسها بالسقوط حتى شعرَتْ بأمان البيت." قلت
رَوَيتُ لها القصة كاملة باختصار. لا زيادة ولا نقصان، لقد قلت كل ما في جعبتي.
"هكذا إذًا..." قالت
"أريد أن أعرف... ما كان كل ذلك؟ لقد فقدتُ ذاكرتي لذلك لا أعرف مايجري حولي. أكان ما شاهدته سحرًا؟ ماكانت تلك الهالات القوية إذًا؟ لقد ذكر آلتوس شيئًا عن خيط المكان أو ما شابه؟ ما الذي يُفترض بذلك أن يعني؟" سألتُ
'الاستمرارُ في دورِ فاقد الذاكرة هو الأنسبُ حاليًّا لكسبِ معلومات دون شكوكٍ غير ضرورية.'
لقد رميت أسئلتي الواحد تلو الآخر على العجوز سيرا راغبًا في تلقي إجابات تكشف حقيقة هذا الغموض الذي يدور في هذا العالم.
'أعلم بالفعل بوجود السحر في هذا العالم، لكنني مع ذلك غير مدرك لطبيعته وطريقة عمله، لذلك أبدو جاهلًا فيما يتعلق بخصائصه.'
"هذا كمٌّ هائل من الأسئلة أيُّها الشَّاب الصغير!" قالت
"..."
"حسنًا إذًا سأجيبك... نعم، مارأيته كان سِحرًا، إنه شيئٌ رائج في هذا العالم لذلك هذه لا تعتبر معلومة حتى. لا أدري عن فقدان ذاكرتك هذا، لكن خيط الذاكرة قادر على شفائك منه على ما يبدو..." قالت
'خيط الذاكرة؟'
"الهالة التي تقصد بكلامك هي بالأصح مانا! والمانا هي القوة السحرية التي تُشكل السحر نفسه، لا يستطيع أحدٌ العيش في عالمنا هذا بدون قدرٍ بسيط من المانا. إنها جزء لا يتجزء من احتياجات الشخص، تختلف الكميات المحتاجة منها من عرق إلى آخر، لكن في الأخير الكل يحتاج قدرًا بسيطًا على أقل تقدير منها لاستنشاق هواء هذا العالم!" قالت
"مانا... وماذا إن لم يملك شخصٌ ما هذه المانا؟" سألتُ
"يموت!" قالت
'يموت؟!'
"لكن لا تقلق أيُّها السيد الشاب... أستطيع الشعور بكمٍّ قليل من المانا يسري في جسدك. ربما لا يكفيك للقتال لكنه سيبقيك على قيد الحياة!" قالت بهدوء
'إذا فحتى دخيلٌ على هذا العالم مثلي يمتلك مانا!'
"بالعودة للخيوط التي سمِعتَ عنها، فصحيح... فانيسا تمتلكُ بركة خيط المكان، هذا يعني أنها تستطيع استعمال خيط المكان في قتالها. تختلف قدرة الشخص حسب المانا خاصته وتطويرها وبناءًا على ذلك توجد رُتب بين السحرة كما السيَّافين." قالت
"فانيسا قوية حقّاً لقد قاومت شخصًا بهالة قوية مثله بل وتفوَّقَت عليه نسبيًّا أيضًا!" قلت
"حسنًا أظنُّها ذات مستوى ملكي، لكن قوتها الحقيقية تكمن في قلبها وإرادتها! إنها المحاربة الوحيدة في هذه القرية، لذلك هي تضع نفسها كدرعٍ حامي للجميع. حتى أنها أخفَت هذه القرية المسالمة باستعمال بركة خيطها المكاني كي تحمي قبيلتنا الضعيفة من هجمات الدببة وغيرها... والآن أنت تُخبرني أن إلف الجليد قد استيقظوا من سُباتهم..." قالت بهدوء
"لقد سمعتُ فانيسا تقول شيئًا مشابهًا عن سُباتهم لخمسين سنة أو ما شابه. ماذا قصدت بذلك؟ سألتُ
"حسنًا يبدو أن إلف الجليد تختلفُ خصائصهم عن الإلف الآخرين. حين استنزاف قواهم لدرجة كبيرة يغطُّون في النوم بسبب نقص المانا، ويبدو أن مناعتهم تحميهم من أمراض استنزاف المانا بجعلهم يغطُّون في سبات طويل!" قالت
"أمراض استنزاف المانا؟ لا أعرف شيئًا عن ذلك... بالأحرى يبدو أنني لا أعرف شيئًا عن هذا العالم بالكامل!" قلت
"أنت حقًّا فقدت ذاكرتك أيُّها السيد الشاب... لكن الخوض في كلِّ هذه التفاصيل سيأخد وقتًا، فهل لديك القدرة على البقاء مركِّزًا مع كلام هذه العجوز الصغيرة." قالَت
"إن قبلتِ ذلك!" قلت
"حسنًا يبدو أن فانيسا ستأخذُ وقتًا طويلًا قبل أن تستيقظ وتخبرني بتقريرها، لذلك لا بأس في ذلك، سأشرح لك نظام هذا العالم كما لو أنك لم تعِش فيه يومًا!" قالت
"حسنًا!" قلتُ
وبذلك، استمرت العجوز سيرا بالكلام لساعات متواصلة، تشرح لي نظام العالم وكيفية سيره.
'باختصار تام، أنا الآن متواجد في عالمٍ سحري تربط أبعاده سبعة تعويذات سحرية تسمى "الخيوط" وهي سبعة في مجملها، تلتقي في نجمة سباعية في مركز الكون تدعى بالفراغ الأبدي. تَدمُّر الخيوط كفيل بفتح بوابة عالم الفراغ الأبدي و فناء العالم...'
'قام بإنشاء هذه الخيوط السحرية شخصٌ يدعى حاكم التنانين الخالد "زرفاليون" بعد ما ضحَّى بنفسه لجعل ذلك ممكنًا. وقد تم إنشاء التقويم السنوي بناءا على لحظة إنشاء الخيوط السحرية "تقويم حاكم التنانين الخالد". بحيث وضع كل خبرته و طاقته السحرية شبه اللانهائية و قواه الروحية لإتمام التعويذات أو الخيوط السبعة لجعل العالم متماسكا بعد دمارِه، و يدعى أقوى ساحر مر في التاريخ المسجَّل، بحيث أن تعويذاته السبعة ساهمت في تماسك العالم بعد تدميره على يد حاكم الشياطين "أزكالور" قبل 754 عام في حرب العوالم السفلية و العلوية و التي انتهت بهزيمة مدوِّية لعرق الشياطين و العالم السفلي المنبوذ من سكان السطح و السماء. تم ترحال بعض من الناجين منهم للعيش على السطح تحت وطأة التمييز و العنصرية... ولكن هذه قصة ليوم آخر.'
'كل خيط من الخيوط مهم لثبات استقرار العالم ولا يمكن الاستغناء عن أحدها.. تدمر خيط من الخيوط قد يعني دمار العالم في أسوأ الأحوال، لأنه يمحي كل شيئ يتعلق بذلك الخيط مما يعيد اختلال التوازن الذي سبَّبه حاكم الشياطين المتوفي..'
'الخيوط سبعة و هي: خيط القدر، خيط الزمن، خيط الأرواح، خيط الذاكرة، خيط المكان، خيط العاطفة ، وخيط المادة.'
'تعتبر الخيوط بركة العيش في هذا العالم بحيث أنها تُغذِّيه بكل ما يحتاج ليظل متماسكًا و يعيش سكان العالم بهناء، أي أن الخيوط تنشر مانا في كل شيئ يقطن هذا العالم مما يجعل السحر شائعا في كل أرجاءه و يصعب الحياة على الأشخاص الذين يمتلكون سعة مانا ضعيفة أما المواليد الذين يولدون بدون قطرة مانا في هذا العالم السحري بامتياز يموتون فور استنشاق أول ذرَّة من هوائه.'
'لقد قالت أنها تشعر بقدرٍ لا بأس به من المانا يسري في عُروقي وهو كافي للحفاظ على حياتي في هذا العالم.'
'يبدو أن السحر ماقبل حرب العوالم السفلية و العلوية كان منحصرًا على قوم التنانين و قوم الشياطين و هم أسمى الأعراق السفلية و العلوية... لم تكن المانا جزءًا من العالم بل فقط شيئًا في تركيبة خلق هذان العرقان... بناءًا على ذلك ما أَبَت الحرب التوقُّف بينهم إلى أن دمر أزكالور العالم و نجح السيَّافون البشر و المحاربون الأقزام و المقاتلون الإلف و السَّحرة التنانين بقتله، لكن يُقال أنه خالد ما يعني أنه سينبعث في عصرٍ قادم، وهذا يُشكِّل رهبة في نفوس من عاش وقتها ومن سمع حكاياتٍ عن تلك الفترة أيضًا. لكن زرفاليون أعاد ثبات العالم ولو بشكل نسبي عبر التضحية بنفسه لصناعة الخيوط السحرية التي تُسيِّر العالم الحالي و تضمن التوازن.'
'كانت فترتهم تسمى بعصر الفوضى النقية. قبل ظهور زرفاليون، كان العالم يُعرف باسم "أركانيث"، وكان محكومًا بقوانين بدائية للطاقة والوجود، لم تكن فيه الخيوط بعد. لم يكن السحر فنًّا يُصاغ أو يُروض إلَّا بطرف التنانين والشياطين نادرًا، فقد كان عبارة عن طوفان الطاقة الخام "المايراث"، طاقة فوضوية خام لا شكل لها ولا قانون. الكائنات التي حاولت استخدامها كانت إما تتحول إلى وحوش، أو تُفني نفسها في لحظة. لذا، لم يكن هناك فهم أو سيطرة، بل ردود فعل كارثية للطبيعة نفسها تجاه من يلمس المايراث.'
'زرفاليون أسطورة تاريخية يدعى في كتب التاريخ اليوم بلقب "نسَّاج الوجود"، فهو لم يكن تنينًا عادياً، بل الأعظم تاريخيا. استوعب المايراث، وبدل أن يمحوه حوّله إلى سحرٍ مغاير عن أي سحرٍ بسيط استخدمه التنانين أو الشياطين من قبله، ثم حوَّله إلى خيوط رمزية أي تعويذات عند سقوط العالم، فأصبح كل خيط يُنظم جانبًا من الوجود. بظهوره انتهى عصر الفوضى، وبدأ عصر السحر المنظم. والآن تعويذاته أو خيوطه هي ما تنشر بركتها على هذا العالم الجديد ويستخدمون جزءًا من قواه عبر الخيوط السحرية التي تُنعم على كل فرد فور ولادتها لاستخدام قوى أحدها.'
'من الجوانب السلبية للعالم الجديد توجد الأمراض السحرية؛ أمراض تُصيب من تنفذُ منه المانا أو تضعُف غالبُا. كذلك يوجد مفهوم يُسمَّى باللعنات؛ اللعنات هي صِفات خارقة للطبيعة تُصيب بعشوائية بعض سكان هذا العالم فتُكسبهم صفات مختلفة عن الأشخاص العاديين في فصيلتهم، وتكون مزعجة لسير عيشهم غالبًا وكأنها إعاقات... هذه الجوانب السلبية هي نِتاج إعادة صياغة عالم جديد فوق العالم المُدمَّر سلفًا. ما يجعلُ هذا العالم واقفًا على سفحِ الانهيار.'
'أقوى مستعمل لكل خيط سحري يُدعى حاكمًا له، يستطيع نسج تعاويذ لانهائية ووصل لمرحلة الإدراك التام لذلك الخيط السحري.'
'أما للتفصيل عن الأمراض السحرية التي ذكرتُها سابقًا، فيبدو أنها أمراض تأتي أصحاب سعة المانا الضعيفة أو من نفذت سعة المانا خاصتهم واحتكوا مع فضاء سحري قويّ. كل خيط سحري يفرز مانا سلبية تتحول إلى مرض سحري يؤثر على المرتبطين بذلك الخيط. التحكّم المفرط في العناصر يرهق الجسد إذًا. الاستخدام المتكرر يُسبب "تصلب العنصر في الجسد"، بحيث جسد الساحر يبدأ في إظهار الجانب السِّلبي للخيط السحري على مُتقنه.'
مع كل إجابة تُقدِّمها العجوز سيرا لي، كان عقلي يعكسها منتجًا تساؤلات جديدة. لكنني سمحت لجهلي أن يقودني لمعرفة المزيد حتى وقتٍ متأخِّر من اللَّيل، فظهرت ملامح الإعياء على الجدة وغطَّت في نومٍ عميق على كرسيِّها الخشبي.
غطَّيتها ببطَّانية قُربها وغادرتُ الكوخ لأبحث عن مكانٍ أنام فيه الليلة على نيَّة استكمال بحثي عن المزيد من الإجابات غدًا، أهمها طريقة للاطمئنان على حالِ ليارا و رايندار.
'حسنًا لقد نامت العجوز سيرا قبل أن تتمكَّن من دعوتي للبقاء على كل حال، لذلك هذا لا يُسمى طردًا أو ما شابه. كل مافي الأمر أنني رجلٌ شهم.'
'رايندار... ليارا... أين أنتما؟ أتمنى أن تكونا بخير...'
يُتبع...
ترقبوا الفصول القادمة بشكل أسبوعي كل خميس أو جمعة بإذن الله!