الفصل 2: نزول العالم الملعون
لم يكن لدى "حسام" أي تعليق.
تلك الموهبة التي تردد في أمر اختيارها بدايةً، كانت في الواقع خارقة بكل المقاييس.
الإبداع المطلق... طالما امتلكت خيالاً واسعاً، يمكنك ابتكار أي شيء من العدم.
هذا ما فكر به "حسام الفاتح" أولاً، ففي النهاية، لا يمكن رؤية مثل هذه الأشياء إلا في الروايات أو الأفلام اليابانية المتحركة، لكنه الآن يعيشها بنفسه.
تأمل "حسام الفاتح" قصة هذه الموهبة وقرأ وصفها، ثم انتقل لملاحظة بقية التغييرات التي طرأت عليها.
لاحظ أن "الموهبة" و"الفئة" قد اندمجتا بالفعل، فأصبحتا [الموهبة/الفئة]. اعتقد أن هذا الأمر غريب، لكنه سرعان ما تجاهله بعد تفكير قصير، فهذا ليس مهماً الآن.
تنفس "حسام الفاتح" بارتياح وقال:
"هاه، هل انتهى كل شيء الآن؟"
لم ينتهِ كلامه حتى انبعث ذلك الصوت البارد الخالي من المشاعر:
[ستختفي شاشات المواهب خلال 30 ثانية!]
[يرجى اختيار موهبتك قبل انتهاء الوقت!]
أحدث هذا الإعلان هزة في العالم.
كثيرون حول العالم لم يتمكنوا من تحديد أي المواهب تناسبهم، فسقط على عاتقهم ضغط غير مرئي جراء هذا الإعلان.
"ماذا؟... ثلاثون ثانية؟ بحق الجحيم، لم أقرأ جميع المواهب بعد!"
"ثلاثون ثانية وقت قليل جداً، عليّ أن أقرر بسرعة... لا بأس، سأختار هذه الموهبة..."
"لا... هناك الكثير من المواهب الرائعة، لا أعرف أيها سأختار..."
هذه كانت تعليقات الجميع، وقد هزت قلوب الناس في كل مكان.
كان الجميع يودّ اختيار موهبته على مهل، لكن ذلك ظل مجرد أمنية. لم يجدوا بدّاً من الاختيار بسرعة جنونية. كان بعضهم، مثل "حسام"، متردداً بين عدة مواهب رائعة، فدفعهم هذا الإعلان إلى الحسم بشكل أسرع. أما آخرون، فقد بدأوا بالاختيار عشوائياً وهم يرجون أن تكون هذه المواهب رائعة ومناسبة لهم.
وهكذا، مرت الثلاثون ثانية في غمضة عين، وتلاها إعلان بارد آخر.
[انتهى الاختيار!]
[جاري إنزال العالم الملعون!]
[10...9...8...2...1]
اهتزت الأرض بعنف وكأن زلزالاً بقوة 8 درجات قد ضربها.
ارتعشت المباني، ثم أخذت تنهار الواحدة تلو الأخرى.
لم تسلم أي منشأة بشرية، تحول كل شيء إلى أنقاض، حتى الأسلحة النووية فقدت قوتها وأصبحت خارج الخدمة تماماً.
هذا التحول المفاجئ بثّ الرعب في قلوب الكثيرين، خاصة مع وجود عدد هائل من الناس المحصورين داخل هذه المباني.
كانوا إما منهمكين في العمل، أو مصابين بالصدمة مما يحدث، أو لم يكونوا مدركين للأمر من الأساس فبعد كل شيء، كان هناك الملايين ممن كانوا نائمين، وغير مدركين لما يجري في الخارج. ومن المؤكد أنهم تخلفوا عن اختيار مواهبهم، على عكس الآخرين.
إضافة إلى ذلك، لم تطرأ تغييرات كثيرة على أجساد كل من حصلوا على مواهب.
أو ربما لأنهم لم يحصلوا عليها إلا الآن، فلم يعتادوا على استعمالها أو حتى تفعيلها من الأساس.
لذلك، كان هذا الحدث أشد رعباً من سابقه. فجميع الأشخاص داخل هذه المباني أو بالقرب منها... سُحقوا حتى الموت جميعاً دون أي رحمة.
دفع هذا الحدث المروع الجميع إلى حالة من الذعر، فأخذوا يركضون كالمجانين، كلٌّ منهم متجهاً نحو منزله ليطمئن على أسرته.
اندفع "حسام الفاتح" بدوره مسرعاً نحو منزل عائلة "الفاتح" ليطمئن على أفراد عائلته.
لم تكن المسافة بعيدة؛ فمنزله يبعد بضعة شوارع، فوصل إليه في غضون دقيقتين. لكنه 'للأسف' لم يجد منزلاً، بل مجرد أنقاض.
المنزل الصغير الجميل لم يعد سوى كومة من الأنقاض.
تسارع نبض "حسام" من شدة التوتر، فقد كان يخشى على عائلته من أي مكروه.
اندفع نحو الأنقاض أمامه، وتخيل 'لا إرادياً' أنه يُزيحها بكل سهولة. وما كان إلا أن تحقق ما تخيله.
الصخور الثقيلة المكدسة فوق بعضها كانت تزاح كأنها مصنوعة من القطن.
لم يصدق "حسام" ذلك في البداية، لكنه لم يفكر في الأمر كثيراً إذ اعتقد أن هذا لا بد أن يكون ناتجاً عن موهبته الجديدة. لذا، أولى كل اهتمامه لما كان يفعله، وترك دراسة هذه الموهبة بتعمق لوقت لاحق.
بدأ "حسام" بإزاحة أنقاض المنزل التي صارت كالقطن بسرعة كبيرة، وهو يبحث عن أي دليل يرشده إلى أفراد عائلته.
لكنه 'لسوء الحظ' قلب المكان رأساً على عقب دون أن يعثر على أي أثر. دفعه ذلك إلى الاعتقاد بأن عائلته كانت في الخارج طوال هذا الوقت.
هذا الاعتقاد منحه بعض الارتياح، فقد كانوا في الخارج، فلا بد أنهم بخير، أليس كذلك؟
"هاه، الحمد لله." تنفس "حسام" الصعداء، وأعاد انتباهه إلى ما يجري حوله.
ما زالت الأرض تهتز، لكن الاهتزاز خفّ قليلاً بعد 5 دقائق، حتى كاد لا يُشعر به. لكن هذه الدقائق الخمس كانت كافية لتدمير كل ما بناه الإنسان على الكوكب بأكمله.
وكأننا عدنا إلى العصر البدائي، حيث لا يفقه الإنسان شيئاً ويعيش في كهوف وجبال وما شابه ذلك.
جعل الوضع الحالي للأرض الجميع يدخلون في حالة إحباط شديد، إضافة إلى حالتهم التعيسة.
العالم الذي بني على مدار آلاف السنين، دُمّر في خمس دقائق قصيرة. جعلتهم هذه النتيجة يضحكون بسخرية من أنفسهم.
لقد اعتقدوا أن البشر وصلوا إلى مستوى لا يمكن تصوره، وأن المباني والمنشآت التي شيدوها، والبنية التحتية القوية التي أنشأوها، كافية للصمود أمام الكوارث الطبيعية ولو بشكل بسيط.
حسناً، كانت هذه أفكار الناس في دول العالم المتقدم؛ تلك الدول التي تنعم بكل التقدم وتستحوذ على ثروات العالم، على عكس دول العالم الثاني والثالث التي لا تزال تعيش في زمن متأخر من التطور مقارنة بها.
لنأخذ تونس على سبيل المثال، بمقارنتها بدول العالم المتقدم مثل فرنسا أو كندا. تُعد تونس دولة نامية ما زالت في طور التطور؛ فهي تمتلك إمكانيات بشرية وتعليمية جيدة، لكنها تواجه تحديات في الاقتصاد وفرص العمل وجودة بعض الخدمات. بينما تتميز الدول المتقدمة باقتصاد قوي وبنية تحتية متطورة ومستوى معيشة أعلى، مما يجعل الفارق أساساً في مستوى التنمية والاستقرار العام.
لذلك، عندما حلت هذه الكارثة بدول مثل تونس، كانت خسائرها أكثر فداحة مقارنة بالدول المتقدمة كفرنسا واليابان وحتى أمريكا.
فبسبب البنية التحتية الهشة، تحول كل شيء إلى خراب، أشبه بساحات الحرب.
تحرك "حسام" مبتعداً عن المنطقة التي كان فيها، بهدف الوصول إلى مكان أكثر اتساعاً ليُمعن النظر في ما حوله. لكن للأسف، لم يكن هناك سوى الأنقاض في كل مكان يقع عليه بصره.
لذا، توقف عن البحث وبقي في مكانه يراقب فقط.
استمر الاهتزاز لمدة 10 دقائق كاملة.
ظن الجميع أن هذا كان النهاية، لكنهم أخطأوا مجدداً.
عاد الاهتزاز من جديد، وبقوة أكبر من المرة السابقة.
سئم الجميع مما يحدث.
اعتقدوا أن هذه الأحداث لن تنتهي أبداً.
وتساءلوا عن سبب كل هذا، وعن ماهية هذه "اللعبة الملعونة" وهذا "العالم الملعون".
لم يكونوا يملكون الصبر الكافي لمعرفة إجابات هذه التساؤلات، بعد ما مروا به من أحداث مروعة حتى هذه اللحظة.
فكثيرون منهم فقدوا أعز الناس إلى قلوبهم، مما جعلهم يفقدون الرغبة في الاستمرار بهذه الحياة المروعة.
بالنسبة إلى "حسام"، لم يكن لأي من هذه المشاعر معنى. ففي اعتقاده أنه حتى لو مات أعز الناس إليه، فإنهم سيذهبون في النهاية إلى مكان أفضل من هذا.
لذلك، لم يكن يشعر بأي أسى تجاه الحياة. الشيء الوحيد الذي كان يشعر بالأسى تجاهه هو أنه حتى لو فقد أي شخص عزيز عليه، فلن يتمكن من مقابلته مجدداً إلا بعد أن يتبعه إلى هناك.
أخذ نفساً عميقاً وهو يدعو في قلبه ألا يصيب أي مكروه أحداً من أفراد عائلته.
...
وبينما كانت الأرض تهتز بقوة أعظم من ذي قبل، بدأت ترتفع منها تشكيلات غريبة متنوعة.
كانت أشبه بالمدن والمتاهات الأسطورية.
المباني داخل هذه المدن اتخذت شكل أبراج شاهقة وأهرامات عظيمة.
والأكثر إدهاشاً أن هذه المدن واصلت الارتفاع حتى انفصلت عن الأرض، متخذة هيئة مدن عائمة. ثم استمرت في الصعود إلى أن بلغت علوّاً محدداً، فتوقفت في مكانها، معلقة في السماء.
وهذا المشهد كان يتحقق في كل بقاع الأرض.
في كل مكان، مدن غريبة تخلق من باطن الأرض، مبانيها على هيئة أبراج وأهرامات، ترتفع نحو السماء ثم تسكن، لتظل عائمة في الأفق.
أذهل هذا التحول في الأحداث الجميع تماماً. وما لبث أن تلا ذلك تساؤلهم عن كيفية الوصول إلى هذا الارتفاع الشاهق، بعد أن تهاوت كل وسائل النقل الجوي في العالم.
لكن، للأسف، لم يكن لدى أيٍّ منهم إجابة.
أُعجب حسام بهذا المنظر الخلاب، لكنه تساءل أيضاً عن سبب تشكل هذه المدن، وهل هي مرتبطة بـ"العالم الملعون" الذي أعلن النظام اقتراب وصوله.
وما لبثت الإجابة عن هذه التساؤلات حتى جاءت...
(فصل مكون من 1200 كلمة دعمكم QAQ شكرا لكم)