تلألأة أشعة الشمس على القمريات الملونة لتبرز ثقافة اندثرت كان على مرأى العين قصر غابر يقف كشيخ أنهكته الأعوام ،تتسلل الرطوبة الى مسامه ببطء تجعل الذكريات بين جدرانه تئن ، الوانه التي كانت ذات يوم دافئه صارت باهتةٌ وكل رائحة صادرة عنه تحمل أثرا إختزنته الاعوام بين طياته ؛ وبين اروقته ما زالت أصداء من عبروه تتهاتف تحرس قصصا كان قد مضت عليها القرون عند باب كل غرفه كانت "آنيل" تقف بدهشة للمضهر المهيب؛ وفي نهاية إحدى الاروقه كانت هناك غرفه بلون اللافندر مليئة بارفف الكتب كل كتاب كان عن حقبه زمنيه غريبة وربما شبه منسيه تسمى "نوفاسترا" .

وبينما كانت زخات المطر تنساب على جدرانه ،كانت الشدوخ تُمرر منها قطيرات وتعيرها لحطام "تمثال"بقربها ،تخبر آنيل عن قصة عبرت منذ قرون فوق مكتب متهالك كان قد تغلل فيه العفن بدت الطفلة كطيفٍ صغيرٍ تائه شعرها الأبيض الكثيف يتماوج حولها بعشوائية ساحرة، خصلاته الملتفّة تلمع بخفوتٍ كأن الضوء عالقٌ فيها ومع كل حركةٍ منها كان الشعر يرتدّ بخفة، فيمنحها هيئةً بريئة ووحشية في الوقت نفسه.

وجهها الشاحب حمل نعومةً هادئة تشبه وجوه الأطفال المرضى أو أولئك الذين لم تلمسهم الشمس كثيرًا، لكن ملامحها لم تكن ضعيفة؛ بل مفعمة بحياةٍ قلقة. كانت الدهشة تفتح عينيها البيضاوين على اتساعهما، بينما يلمع فيهما حماسٌ متوتر، كأن قلبها الصغير يركض أسرع من العالم حولها. وحين تنظر إلى شيء، تبدو كأنها لا تراه بعينيها فقط، بل تنصت إليه بكل روحها؛كانت تفتقد كل ذلك..!

بالنسبة لعالم آنيل كان الميتم الصغير "برانييل"هو عالمها كاملاً ، حيث كانت آنيل من أولئك الأطفال القلة التي لم تحبهم الشمس يوماً فلطالما استقبلتها بالحروق والاغماء .

في الميتم الصغير كانت العمة " رغده " توقظ الاطفال باكراً ،تبدأ بتجهيزهم ثم تنتظر وصول الضيوف الذين كانوا إما يقيمون الميتم أو يتأكدون من حالة الأطفال او ان يتبنوا طفلاً ،لكن طبعاً كانت آنييل مستثناة من كل هذا ،هي لم تخرج أبدا حيث كان الأطفال يقضون وقتهم بالهو واللعب ،تُمسك كتابا يبدو انها تقرئهُ بعيدا عن النافذة تسمع اصواتهم وتتمنى لو كانت بينهم ،حتى لو كانت بينهم من سيقبل هذا الجسد الهزيل العليل؟من سيقبل أن ينظر الى تلك العينان البيضاوتان او ذلك الجسد الشاحب؟ لم ينادي آنيل احد بإسمها غير رغده فقد وصمت بالشبح ..هي شبح صغير مخيف يجب علية البقاء مكانه مصدر شؤم الكثير ممن يزور الميتم حتى بدت رغده تخشى عليها وتخفيها "كانت الكلمات تجرح رغده كثيرا "...هي بعد كل شيء طفله لم تبلغ الخامسة رقيقة وهشة ،وكان ما دفع آنيل لمغادرة الميتم هو حريق كبير التهم نصف مدينة برانييل أشعلها الثوار حيث لم تكن برانييل آمنة يوماً وهي حدود في دولة امابير ،دفعت الفتاة للخارج ولم تلقى سوى ذلك القصر يفتح لها أبوابه ويستقبلها داخله فجميع الابواب مغلقة لنذير شؤم نجت من فاجعة لوحدها...دون سواها ،كانت ترى النيران تلتهم كل شيء وترى الحروق والرماد الذي خلفته بعدها ذكرياتها امها و إخوتها .

في حقبة نوفاسترا هنالك حكمة يتدوالها الكثير "لن تمطر السماء ذهبا ،ولن تجد بعد اهلك احدا" بالنسبة لآنييل كانت تعيشها كواقعٍ حي فقد اشتد الظلم عليها ،حتى تغيرت ملامحها بسبب العمل بعد عشر سنوات تقريباً بات ذاك منزلها كان القصر يتغير عبر السنوات لم يعد منبوذا كان يقص لطفلة قصصه وبدورها تهديه اهتمام فتغير فيه تارة وترممه حتى إختفت تلك الشدوخ لم يتغير من الخارج كثيرا لكن داخله كانت تلك الروح الصغيرة تهديه اهتمام شغوف فتقرأ كتبه وتُحييها فقد كانت المهارات العلاجية كاملة بين طيات كتبه وجدرانه،مخبأة في كتاب واحد اخضر قاتم تتوسطه كلمة واحدة فقط "إيثار"وملايين الكتب التي كان لها نفس السمات تقريباً؛قد كانت الكتب تحمل" إسم من كلمة واحدة وبلون واحد " في كل رف وفي التالي تتكرر الالوان والرف يحمل ما يزيد عن خمسين كتاب.

وها هي تخرج قبل الشروق وهي ترتدي قلنوسة بيضاء سميكة تحيل الشمس عنها وتغطي وجهها ببوشية بيضاء طبعا لم يكن حلًا كاملاً ،كانت تصاب تارة بحروق وإن اشتدت الشمس اغمي عليها لفترات لكن ذلك لم يمنعها من الذهاب لجبال "الرند " حيث كان عملها يختص بجمع الاعشاب وتحويلها لعلاج طبي كانت البوشية والقلنوسة تحيل الرؤية عنها فلم يعلم أحد أنها كانت "الشبح برانييل" هي الآن المعالجة آنيل" امرأة لم تلمس احدًا حتى حالت بينه وبين علته" وهي "..عالمة، فقيهة ،رشيدة ،فطنة ."

حين وصلت جبال الرند كان اول ما بحثت عنه هي زهرة "عسل الرمل " زهرة لونها يشبه العسل وتنهبر مثل الرمل إن لم تنزع جذورها تغسل جيداً ثم تبقى في الماء اياما وبعدها تستخدم كعلاج للحروق الخطرة والسطحية على حد سواء ،ووهي في خضم البحث عنها كانت تسمع وقع خطوات تقترب رويدا رويدا ،شدت آنيل وتر قوسها وبرز من خلال الاشجار صوت طفله صغيره..

آنيل- كيف آل الأمر بك هنا يا عزيزتي ؟

ناري-كنت قريبة جداً من ماما«قالتها وهي تقرب بين الإبهام والسبابة» ،امي الأن مع جدي ..وأنا سأحضر الماء من النهر كانت تشير الى خلف الاشجار بالجهة المقابلة..

آنيل -حسنا صغيرتي يمكنك الذهاب..«ربتت على ضهرها ودفعتها بخفة نحو ذات الشجيرات حيث النهر »

ناري-سيدتي اشعر بالخجل ولكن هل يمكنك ان تاتي معي الى النهر سيكون من الجيد ان يكون بالغ بجانبي..

آنيل -حسنا !

وما إن خطت آنيل خطوتين بعد وصولها للنهر حتى التقمتها يدي شخص لم تعرف ماهيته الا انه افقدها وعيها ،حين رفعت آنيل عينيها كانت ناري كمن عرف الامر فعلا وعتاد عليه كانت السبب بإختطاف آنيل..!

فتحت آنيل عينيها لتجد نفسها في غرفه صغيرة ،تشبه المخزن مليئة بالغبار وبعد سويعات ظهر امامها رجل عريض المنكبين طويل الساقين له شعر اسود عينان حاده سوداء عكسها من التقمها البياض كان لونه الاسمر الداكن ،يرتدي قلنوسة سوداء سميكة كأنه عالم موازي ...

آنيل-من انت؟! «كسرت آنيل صمته بحديثها»

نواس-انتي المعالج آنيل صحيح ؟«برود صوته أثلج الجدران»

آنيل -هل تريد مني عودة مريض؟ ...بهذا النوع من الإستقبال!لمن الادب عند طلب معروف أن تعامله بلطف او تستميله هذه اول مرة ارى فيها شخص يربط آخر ثم يطلب معروف!«نبرة سخرية»

نواس -نوفا .. ما علاقتك بها؟«كلمات غير واضحة»

آنيل-يا رجل فك وثاقي ثم تحدث ،ثم مال كلماتك نصفها مطلق في الهواء والاخر في معدتك..«نبرة سخرية»

بالنسبة لآنيل كان الرجل هذا محير لا أنه فك وثاقها، ولا اكمل كلامه بقي صامتا واقفا يشاهد عبر نافذة مظهر لم يظهر منه لآنيل سوى لون اخضر وشجرة..وقال بعدها بصوت خافت -هو قادم الآن.

آنيل-من القادم ايها العم البجيح..

نظر لها نظرة خافته ،وخلف بعده رائحة دخان وذهب .. وبقيت آنيل حتى الغروب وقد اشتد جوعها وقل صبرها وبدأت تشتمه ...حتى نامت في صباح اليوم التالي كان ما استيقظت عليه هو الرجل الطويل ايضا ينعتها بالقبيحة...

آنيل -من أنا؟أنا قبيحة ايها العجوز ؟

نواس -لحظت هذا من قبل لك لسان سليط فعلاً كما يشاع..

نظر إليها وأكمل حديثه..-لا أعلم كيف كنت تخفينها دائما..

آنيل ـ كف عنها فلم يشاع قط، أنا آنيل معالجة اعشاب فقط، هل يمكنك التوقف عن الحديث بالألغاز وتبدي ما اردت قوله ..لقد انتظرتك يومان وانا اموت من الجوع هنا فعلاً ،من المتعب حقا ان ابقى هكذا..

نواس -حقا !...«ابتسم حتى بدت نواجذه»

كانت تنظر إليه آنيل بحدة ،تظهر على عينيه ثقة بانه محق..قد ادرك هويتها فعلا..

نواس- انشري ما سأقوله بحذافيره..

2026/06/11 · 7 مشاهدة · 1108 كلمة
Nelan
نادي الروايات - 2026