«حسنًا، لنفعل ذلك.»

​«...هاه؟»

​كانت الكلمات غير متوقعة على الإطلاق، حتى إنّ صوتًا بحًّا قد انفلت من شفتي رغماً عني.

مستحيل... أبحقٍّ قال للتو: "سأفعل ذلك"؟

لكن خيبة أملٍ شديدة سرعان ما أطبقت على صدري حين أدركتُ أن هذا التصرف متوقعٌ تماماً من زوجٍ مثله.

​نظرتُ إلى وجه ابنتي الاستلقية بجانبي... كانت نائمة.

أحدثت تلك الفكرة ألماً حاداً وعميقاً في سويداء قلبي، وإن كنتُ قد شعرتُ في الوقت ذاته ببعض الارتياح لأنها لم تُضطر لسماع كلمات والدها القاسية.

​لقد تعرضت لحادث؛ ابنتي الحبيبة، وهي في طريقها إلى الأكاديمية الملكية، اصطدمت عربتها بعربة أخرى وانقلبت... هكذا وصلني الخبر الفاجع.

​أُصيبت في رأسها بقوة وفقدت وعيها، وكانت تعاني من الغثيان والتقيؤ. ونظراً لخطورة حالتها، نُقلت على الفور إلى هذا المستشفى الملكي، حيث يحتشد كبار المتخصصين. كان الوضع في غاية السوء.

​لكن... هكذا ينبغي أن تكون الأمور في الأزمات، أليس كذلك؟

​وصل زوجي مسرعاً، الزوج الذي يُفترض به أن يكون الأب.

لكنه رفض حتى الاستماع إلى الطبيب وهو يشرح حالة ابنتنا. اتكأ على كرسي في غرفة الانتظار، وضع ساقاً فوق الأخرى، وغرق في القراءة.

كتب متخصصة؟ أم مراجع طبية؟

للحظة، تمنيتُ من كل قلبي أن يكون يقرأ قلقاً على حالة ابنته، لكنني سرعان ما أدركت خيبة ظني؛ كان يقرأ كتابه الترفيهي المفضل!

​خرجتُ من غرفة الفحص برفقة ابنتي التي كانت على كرسي متحرك، وبالكاد تعي ما حولها.

وعلى الرغم من علمه التام بحالتها، لم يحرك زوجي ساكناً، بل لم يكلّف نفسه مشقة السؤال عن حقيقة وضعنا!

كانت ابنتي فاقدة للوعي، خائرة القوى، وفي سنٍّ تهتم فيه بمظهرها وجدالها، ومع ذلك كان وجهها الصغير مليئاً بالندوب المؤلمة، ويداي وقدماي مجروحة وتنزف.

ورغم كل هذا المشهد المأساوي... كان زوجي ما يزال مستغرقاً في قراءة كتابه الترفيهي!

​اشتعلت في داخلي ثورة من الغضب.

​«لا بد أنك تشعر بالملل من الجلوس هكذا، أليس كذلك؟ لماذا لا تعود إلى البيت؟»

​لماذا لم تدفق معي إلى غرفة الفحص؟

كيف لي أن ألتزم الهدوء وأنا أرى ابنتي في هذه الحالة؟

ألا يفترض بك أن تفعل المزيد بصفتك أباً؟

​كانت كلماتي محملة بالسخرية واللائمة، لكن الرد الذي تلقيته كان هو ذاته ما بدأ به كل شيء:

«حسنًا، لنفعل ذلك.»

​خيبة أمل، وغضب، ويأس... مزيجٌ مسموم من المشاعر تعصر أحشائي.

​أعلم أن طريقة كلامي كانت فظة ومباشرة، أنا أدرك ذلك جلياً.

لماذا لم تأتِ معي إلى غرفة الفحص؟

أردتك أن تقف بجانب ابنتنا... أردتك أن تدعمنا كعائلة!

ربما كان يجدر بي قول ذلك بصراحة... لكنني لم أستطع.

إن رؤية طفلتي بين الحياة والموت أربكتني وشتتت تفكيري بالكامل.

​«حسنًا، سأتوجه إلى المنزل أولًا.»

​آه... كان صوته يشي بالارتياح، وكأنه يصرخ: "أخيراً، يمكنني المغادرة!"

هل تنوي العودة حقاً؟ هل تترك ابنتك في هذه الحالة؟ ألا يقتلك القلق عليها؟

​ازدحم عقلي بأسئلة لا حصر لها، لكن صوتي خانني، ولم أستطع إخراج كلمة واحدة.

وحين طال صمتي، أردف زوجي متعللاً بخواء:

«لا يوجد شيء يمكنني فعله حتى لو بقيتُ هنا.»

​لا... ليس هذا هو المغزى!

الأمر لا يتعلق بمدى قدرتك على الفعل، بل بوجودك معنا!

أنا خائفة، وأريدك إلى جانبي... ألا تشعر بذلك؟

​أردتُ صراخها في وجهه، لكنني لم أثق بقدرتي على ضبط نفسي هدوءاً. هذا مستشفى، وليس مكاناً لإثارة الصخب، فضلاً عن أن ابنتي -وإن بدت فاقدة للوعي- قد تكون واعية لما حولها. لا أريدها أن تسمع شجار والديها وهي في هذه الحال.

​ودون أن يأبه باحتجاجي الصامت، عاد زوجي إلى القصر، تاركاً إيانا خلفه.

حينها، انساب في روحي شعورٌ طافحٌ بالفراغ.

​كانت تعاني من حمى شديدة ناهزت الأربعين درجة، ووعيها ما يزال مغيباً. وبعد أن فحصها العديد من الأطباء، تقرر إدخالها جناح الملاحظة.

ولأن القوانين تمنع بقاء الأقارب داخل غرفة المريض، لم يكن أمامي خيار سوى التراجع والاستسلام للتعليمات، رغم القلق الذي يمزق صدري.

​عدتُ إلى القصر وقلبي معلقٌ هناك.

تساءلتُ كيف حاله الآن؟ لقد غادر منذ ساعات... هل هو غارق في أعماله؟

لكن الخيبة، كعادتها، كانت بانتظاري.

​كان يغط في نوم عميق وادع داخل غرفته الباردة والدافئة.

​...بالطبع، كان يجب أن أتوقع ذلك.

تجمّد قلبي.

الآن فقط، وحين أعدتُ شريط الخاطر، أدركتُ أنه كان دوماً على هذا النحو.

​عند زواجنا أول مرة، ظننتُه رجلاً هادئاً ولطيفاً؛ كان يسمح لي بالخروج مع صديقاتي دون تضييق، ولم يتدخل يوماً في شؤون تربية الأطفال.

ولكن الآن، وبعد سبعة عشر عاماً من الزواج، جلت الحقيقة أمامي:

لم يكن ذلك لطفاً... بل كان جفاءً ولا أبالية!

هذا الرجل لا يهتم بي، ولا يعنيه أمر أطفاله في شيء.

​في تلك اللحظة بالذات، شعرتُ وكأن شرخاً عميقاً قد انشقّ في مكان ما في داخلي.

​في اليوم التالي، حزمتُ حقائبي وتوجهتُ رفقة زوجي إلى المستشفى.

لكنه وظلّ كما هو... غير متأثر بالمرة.

جلس في غرفة الانتظار يطالع الصحيفة، وتحديداً الصفحة المخصصة لسباقات الخيل المقامة هذا الأسبوع!

​توليتُ بنفسي الاستماع للأطباء وهو يشرحون حالة المريض. كان الأمر مؤلماً، محزناً، ومثيراً للشفقة إلى أقصى حد.

​«لقد نسيتُ شراء غرضٍ مهم.»

​عند انتهاء زيارتي وحلول وقت المغادرة، تذكرتُ أنني تركتُ قطعة قماش ماصة للماء في القصر، وابنتي ستكون في مشكلة حقيقية بدونها.

​«هناك متجر قريب، أليس كذلك؟ يمكنك شراؤها من هناك. أما أنا فسأسبقكِ إلى المنزل.»

​تعلقت كلمة "إيه؟" في حلقي.

بالطبع لم أكن أنوي أن أطلب منه الشراء، لكن... "سأسبقكِ بالعودة إلى المنزل؟"

هذا يعني أنه يستقل العربة بمفرده راجعاً للقصر!

​وماذا عني أنا؟

​صحيح أن المتجر قريب، لكن المسافة ليست هينة على الأقدام... هل يطلب مني أن أسير كل هذه المسافة تحت تساقط المطر؟

وقبل أن ينبس لساني برَد، كان قد غادر دون انتظار إجابتي. غادر المستشفى حيث تصارع ابنته لأجل الحياة... غادر دون أن يلتفت خلفه ولو لمرة واحدة.

​آه...

شعرتُ بوضوح بشيءٍ ما ينكسر في أعماقي.

لم يعد بإمكاني الاستمرار في العيش مع هذا الرجل بعد الآن.

​«أمي؟! سمعتُ أن ميا تعرضت لحادث؟! كيف حالها؟!»

​بعد ثلاثة أيام، عاد ابني الكبر -الذي يعمل في القصر الملكي- مهرولاً والذعر يرتسم على ملامحه.

ابني من النوع الذي لا يظهر مشاعره بسهولة، وقد يبدو للغرباء شخصاً بارداً، لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً؛ إنه يحب عائلته بعمق، ورغم انشغاله الشديد، اقتطع من وقته ليعود ويطمئن علينا... إنه فتى حنون للغاية.

​«لحسن الحظ، انخفضت حرارتها وأصبحت أفضل حالاً، وستتمكن من العودة للمنزل قريباً.»

«أحقاً ما تقولين؟ هذا خبر يثلج الصدر!»

​سقط ابني على الأرض جائثاً وهو يتنفس الصعداء:

«أوه، كم أنتِ قوية يا ميا... لقد صمدتِ بحق.»

​تمتم بذلك ثم رفع رأسه فجأة، وظل يحدق في وجهي بتمعن، وكأنه يفتش عن أثرٍ لشيء ما.

​«...أمي. هل أنتِ بخير؟ هل تأكلين وتنامين جيداً؟»

«...كيفن...»

​تغشّت عيني بالدموع من رِقّة ابني ولطفه.

ربما لم أُرزق بشريك صالح، لكنني محظوظة جداً لأن الله رزقني بأبناء طيبين كهؤلاء.

​يبدو أنه شعر بغصة بكائي، فتغيرت تعابير وجهه وسأل بنبرة جادة:

«أمي... ماذا يفعل ذلك الشخص الآن؟»

​كان كيفن يأنف من مناداته بـ "أبي"، ويشير إليه دوماً بـ "ذلك الشخص".

في العادة، كنتُ سأوبخه وأخبره أنه لا ينبغي الحديث عن والده بهذه الطريقة...

لكنني هذه المرة... لم أستطع.

​كان يتوجب عليّ أن أكون قوية لأحمي ابنتي من الخوف، لطالما جاهدتُ لتثبيت نفسي.

لكنني في الحقيقة... كنتُ مرعوبة طوال الوقت.

كنتُ أنا من تحتاج أحداً إلى جانبها.

​«كيفن...»

​ما إن ناديتُ باسمه حتى أجاب فوراً: «نعم يا أمي».

​قد يكون قراري خاطئاً... فهو في النهاية والدهم الوحيد في هذا العالم.

لكنني الآن...

​«أنا آسفة يا كيفن...»

​لقد وصلت أمك إلى أقصى طاقة احتمالها.

في صباح اليوم التالي، خرجتُ لأودع كيفن وهو يستعد للعودة إلى القصر الملكي؛ إذ لا بد أن أعباء عمله هناك قد تراكمت بعد أن بدأ مهامه حديثاً.

«أعطي هذا لميا.»

قبل أن يركب العربة، مدّ كيفن يده ونناولني إياه بوجلٍ وارتباك. كان صندِوقاً صغيراً جداً، يحجم راحة اليد.

*ما هذا؟*

تساءلتُ بنظراتي وأنا أستلمه منه.

«هذه تميمة... أتمنى أن تُشفي ميا قريباً.»

طلب مني فتحه، ففعلت... لتبهرني مجموعة رائعة من "جواهر التمائم" ذات الألوان السبعة البراقة.

«هذا...»

كان واضحاً من النظرة الأولى أنها ثمنها باهظٌ للغاية. ورغم أن كيفن هو الابن الأكبر لعائلة ماركيز، إلا أنه أصر على الاستقلال بذاته، مما جعل العائلة تقطع عنه الدعم المالي تماماً.

«كيفن...»

تغشّت رؤيتي مرة أخرى وأنا أنظر إلى وجهه... يعلم الله أنه لا يملك مجرد مالٍ فائض لشراء شيء كهذا.

«شكراً لك يا بني... سأسلمها لها بالتأكيد.»

«أجل، أرجوكِ.»

ابتسم كيفن وضيّق عينيه حنواً وهو يركب العربة، ثم التفت إليّ وقال قبل أن يتحرك:

«...أنا بجانبكِ دوماً يا أمي.»

«اعتَنِ بصحتك يا حبيبي.»

وانطلقت العربة تعود به إلى القصر الملكي.

هل كانت تميمة كيفن تحمل بركة شفاءٍ حقاً؟

بعد يومين، غادرت ابنتي المستشفى.

صحيح أن الشاش ما يزال يلفّ خدها، والضمادات تغطي ذراعيها وساقيها في مشهدٍ يدمي القلب، إلا أن الحمى قد انقضت، وأصبحت قادرة على تناول طعامها. كان ذلك كافياً ليزيح عن صدري جبالاً من الهم.

«أمي... هل يمكنني النوم بجانبكِ الليلة؟»

في وقت متأخر من الليل، دخلت ميا إلى غرفتي. كانت يداها اللتان تطوقان الوسادة ترتجفان بوضوح، ووجهها الناظر إليّ شاحباً بلا لون.

إن ذاكرتها عن يوم الحادث ضبابية ومشوشة، ولا تتذكر تماماً ما حدث لها...

لكنها رغم ذلك... كانت مرعوبة.

بل كانت خائفة أكثر مني بكثير.

عاشت الرعب وحدها في مكان غريب، يحيط بها الغرباء من كل جانب، وتصارع الألم بجسدٍ عاجز عن الحركة... كم كان الأمر قاسياً عليها!

حينها أدركتُ أن الحادث لم يترك ندوباً على جسدها الفض غضاً فحسب، بل حفر جراحاً غائرة في روحها أيضاً.

ضغثتُ جسدها الصغير المرتجف إلى صدري، ولأول مرة منذ الفاجعة... انهمرت دموعي.

لعلها تعبت من البكاء؛ إذ سرعان ما انتظم تنفسها وغرقت في نوم عميق بين أحضاني.

الندوب الجسدية ستلتئم مع الأيام... لكن الجراح العاطفية ما تزال تنزف.

*...أنا آسفة يا طفلتي.*

مسحتُ على شعرها برفق، وأنا أستغرق في التفكير بأمورٍ فات أوانها ولا حيلة لي فيها: *لو أنني منعتها من الخروج في ذلك اليوم... لو أنني لم أسمح بوقوع الحادث!*

بدأ قلبي يغوص في مستنقع ممتلئ بالظلمة.

وفجأة... انقلبت ميا في نومها لتعود مواجهةً لي، وتمسكت بثيابي بقوة.

شعرتُ وكأنها تهمس في المنام: *"أحبكِ يا أمي"*

ثم تردد في أذني صوت كيفن قبل يومين: *"أنا بجانبكِ يا أمي"*

...نعم، هذا صحيح!

لستُ وحدي في هذه المعركة.

وبدلاً من الجثوم تحت وطأة الماضي الذي لن يعود، عليّ أن أشرع في بناء المستقبل.

سأحمي سعادة أطفالي بيديّ هاتين، ولا مجال للتردد بعد الآن!

سحبتُ ذراعي برفق كي لا أوقظها.

لأجل ابني الحبيب... ولأجل ابنتي... حان الوقت لأتخذ موقفاً يحمي عائلتي.

بعد أسبوع، كنتُ أجلس قبالة زوجي عند طاولة منخفضة في القاعة الكبرى، بعد أن أمرتُ جميع الخدم بإخلاء المكان.

كان الجو محموماً ومختلفاً تماماً عن المعتاد، حتى إن زوجي بدا قلقاً أو متوجساً بعض الشيء... لا، بالطبع هو لا يملك الحس العاطفي ليدرك حساسية المواقف، بل أرجّح أنه كان يفكر في سباقات الخيل التي ستنطلق بعد الظهيرة!

«...ماذا تريدين بالضبط؟»

قالها بنبرة نفاذ صبر ونزق. احتسيتُ رشفة من الشاي لتسديد أفكاري وضبط أعصابي إلى أقصى حد، ثم وضعتُ الفنجان ببطء على الصحن، ورفعتُ رأسي لأسلم وثيقة بين يديه.

كانت ورقة طلاق... وقد دُوّن عليها توقيعي بالفعل.

«ما هذا الهراء؟ ماذا تحسبين نفسكِ فاعلة؟»

نظر إليّ بغضب متصاعد بعد أن أدرك طبيعة الورقة.

«أطلب الطلاق.»

أعلنتُها وأنا أنظر في عينيه مباشرة بثبات وظهرٍ مستقيم.

«تظاهرات فارغة! ما الذي يزعجكِ تحديداً؟ أنا أترك لكِ مطلق الحرية لتفعلي ما تشائين!»

تنهد بصوت عالٍ... حتى في هذه اللحظة، ما زال يعتقد أنه بلا خطأ! موقفُه هذا رسم على شفتي ابتسامة ساخرة.

«وما مفهوم "الحرية" لديك؟»

«الحرية هي الحرية! لم أتدخل يوماً في شؤون تربيتك للأولاد، ولم أضايقكِ في إدارة شؤون أملاككِ وعملك مهما كان الأمر مزعجاً!»

«...عملي، تقول؟»

عندما ابتسمتُ بسخرية أعمق، قطَم حاجبيه بذهول وارتباك.

«دعني أسألك إذاً: طوال سبعة عشر عاماً من زواجنا، من كان سيدة هذا البيت والمشرفة الكاملة على إدارة شؤونه وتدبير أموره؟»

«أوه، أنتِ طبعاً، وما المشكلة؟»

«وهل تتفق معي في أنني من كان يتحمل جميع الواجبات المتوقعة من ربّ العائلة وسيدها؟»

«وماذا في ذلك؟! أنتِ بارعة في هذه الأمور المعقدة، وأنا منحتُكِ المساحة لاستغلال مواهبكِ! بدل أن تلوميني، يجدر بكِ أن تكوني ممتنة!»

«لكنني لم أطلب هذا العبء يوماً، أليس كذلك؟»

«اهداي! هذا واجب الزوجة الطبيعي، أن تدعم زوجها!»

*واجب الزوجة الطبيعي...*

الكلمات التي تقيأها لسانُه أسرَت قشعريرة باردة في جسدي.

«واجب طبيعي؟... أتقول هذا بحق؟ أنتَ بالذات، من فشل فشلاً ذريعاً في أداء أدنى واجباتك كزوج وأب؟»

«ماذا قلتي؟!»

يبدو أن كلماتي أصابت كبرياءه، إذ انكمشت هيبته المصنوعة فوراً.

في العادة، كنتُ سأنهي الشجار هنا تجنباً للصدام الزوجي، وكنتُ سأكتم غيظي وأتحمل... لكن ليس بعد اليوم!

«هل لديك أدنى فكرة عمن تكون؟»

«عن ماذا تتحدثين؟»

تنهدتُ في سري... إنه لا يستمع لما أقوله، ولا يأخذه على محمل الجد، ولا يملك حتى الذكاء ليفكر فيه.

«أتحدث عما حدث في مستشفى ميا في ذلك اليوم.»

«هاه؟»

وظل يرمقني بملامح حائرة حتى بعد التوضيح... حقاً، لا أمل يُرجى منه!

«يومها، قلتُ لك: "إذا كنتَ ستجلس هكذا بلا فائدة، فلماذا لا تعود إلى البيت؟"، فعدتَ فوراً!»

«وماذا في ذلك؟ أنتِ من طلبتِ مني المغادرة!»

«قلتُ: "إن كنتَ ستجلس هكذا..." ولم أقل: " ارحل"!»

«الأمر سواء!»

«لا، ليس سواء! أنتَ من اتخذ قرار التخلي والعودة بنفسك!»

«كفى اختلاقاً للأعذار! ماذا كان بإمكاني أن أفعل حتى لو بقيتُ هناك؟!»

وها نحن نعود للمربع الأول... تنهدتُ مجدداً.

«كان بإمكانك فعل الكثير! بالتأكيد، العلاج والتشخيص مهام الأطباء، ومن المهم ألا نعطل عملهم... لكن الاستماع لتفاصيل إصابتها، البقاء بجانب ابنتك، مناداتها باسمها، والإمساك بيدها... كل هذه أمور كان بإمكانك القيام بها!»

«ماذا؟! أتقصدين أنكِ أردتِ مني البقاء إلى جانبكِ منذ البداية؟! لماذا لم تقوليها بصراحة إذاً؟! كيف لي أن أعلم إن لم تتكلمي؟!»

إذن، هو يزعم أنه لا يفهم إلا إذا أُمِر؟

«...نعم، ربما كانت صياغتي السيئة جزءاً من المشكلة، وأنا أعتذر عن ذلك.»

انحنيتُ خفيفة بأسلوب شكلي رسميّ... أعلم أن طريقتي لم تكن مثالية، لكنني رفعتُ رأسي وحدجتُه بنظرة حادة:

«لكنك حتى مع ذلك، غادرتَ دون أن يرف لك جفن. وفي اليوم التالي أيضاً، لم تكلف نفسك عناء الحديث إلى الطبيب، ولا حتى زيارة ابنتك التي تركتَها صريعة الفراش!»

تجهّمت ملامحه بقمة الاشمئزاز والضيق... آه من هذا الوجه، كم سئمتُه! أعرف تماماً ماذا يفعل حين يصل لهذه المرحلة؛ يحاول إنهاء الحوار عنوة عبر تهديدي واستعراض سلطته.

لكنني لن أسمح له بذلك هذه المرة.

«...أنا أفهم ما تقولين، لكن هل فكرتِ بعواقب هذا؟ إذا طُرِدتِ من هذا المنزل، فلن تجدي مكاناً يلجؤكِ، هل تدركين ذلك؟»

قالها بعد لحظات صمتٍ بنبرة انتصار، وكأنه ألقى بورقته الرابحة الأخيرة.

بالطبع... كانت تلك الكلمات المتوقعة منه بالضبط.

في الواقع، يقطن أخي وزوجته في منزل والدَيّ الآن، وأنا متأكدة من أنهما كانا سيرحبان بي وبأطفالي بأذرع مفتوحة...

لكن، يا زوجي العزيز... الشخص الذي يُفترض به مغادرة هذا القصر ليس أنا!

«لن أغادر هذا البيت... بل أنتَ من سيرحل!»

«...هاه؟!»

استغرق الأمر بضع ثوانٍ ليستوعب ما قلته، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة:

«ما هذا الهراء؟ أنا رب هذه العائلة وسيد القصر، إن كنتِ نسيتِ!»

«نعم، كنتَك كذلك... بالاسم فقط.»

«احترمي نفسكِ وإلا...! أنا—»

ولإسكات جعجعته، أخرجتُ وثيقة أخرى وضعتها أمامه على الطاولة.

«ما هذا أيضاً؟»

تراجعت حدة صوته ونظر إلى الورقة بتوجس.

«هذه وثيقة رسمية صادرة عن والدك (المركيز السابق)، يطالب فيها بعزلك من منصب رئيس العائلة، ونقل كافة صلاحياتك وإدارتها إلى ولدنا كيفن.»

إن حماي يعيش معتزلاً في ضيعته الفلاحية، وما إن أرسلتُ له خطابات أشرح فيها حقيقة الوضع، حتى أصدر هذه الوثيقة فوراً وبسرعة غير متوقعة... لقد كان يدرك جيداً معدن ابنه الرخيص.

«هذا مستحيل! هراء! أنا رب الأسرة الشرعي، ووالدي متقاعد لا يملك سلطة نفيي أو عزلي...»

«بل يملك... وقد بذلتُ قصارى جهدي لتجريدك من أي منفذ.»

أخرجتُ الورقة الأخيرة، الدفعة القاضية، ووضعتها بهدوء أمامه.

كانت ورقة ملكية فاخرة، تُزيّن زاويتها السفليةختم نسرٍ ملكي مذهب لا يخطئه أحد في هذه المملكة.

«هذا مرسومٌ ملكي سامٍ من جلالة الملك.»

«...مـ.. ماذا؟!»

لقد رفع كيفن، بحكم عمله في القصر، الأمر إلى جلالة الملكة نيابة عني... بل بالأحرى، المستشفيات الملكية أماكن عامة يعج بها كبار النبلاء والمسؤولين، وقد شاهد الجميع بعيونهم موقفك اللامبالي البارد بينما ابنتك بين الحياة والموت.

وصلت الشائعات إلى الملكة، فأحالت الأمر للملك. وتشرفتُ بأن عُرضت قصتي معززة بالوثائق؛ فخلال السبعة عشر عاماً الماضية، من كان يدير شؤون الكونتية والمنطقة فعلياً؟ أرفقتُ السجلات المالية والوثائق المعالجة التي تخلو تماماً من توقيعك كدليل قاطع.

«هذا مرسوم إمبراطوري يعلق تماماً صلاحياتك كرئيس للعائلة، ويأمر بنقل السلسلة والممتلكات فوراً إلى كيفن.»

رسالة طلاق، طلب عزل من والده، ومرسوم ملكي نافذ!

شحب وجهه كالجثة وهو ينقل نظرته المرتعدة بين الأوراق الثلاث.

«أتعلم يا زوجي العزيز؟»

تحدثتُ إليه بصوتٍ ناعم، فرفع رأسه بنظرة ترجٍّ خاوية.

«لقد قلتَ لي يومها: *"لا يوجد شيء يمكنني فعله حتى لو بقيتُ هنا"*... أليس كذلك؟ نعم، لقد كنتَ محقاً تماماً... لذا، رجاءً...»

ابتسمتُ بصفاء ورقة:

«تفضل بالمغادرة، واخرج من هذا المنزل.»

«أمي!»

ما إن خطوتُ خارج الغرفة حتى ناداني صوتٌ مألوف. كان التوقيت مثالياً، وكأنهما كانا ينتظران خلف الباب.

«ميا؟ كيفن؟ ماذا تفعلان هنا؟ ألم تكن في عملك يا كيفن؟»

التفتُ لأجد ابني وابنتي يقفان معاً جنباً إلى جنب.

«لقد منحتني الملكة إجازة خاصة... والأهم من ذلك كلّه يا أمي: شكراً لكِ على كل ما بذلتِه لأجلنا.»

كانت ابتسامته الرقيقة وعيناه المطبقتان برفِق تبعثان في النفس سكينة وطمأنينة لا حدّ لها... أتساءل بيني وبين نفسي: *متى كبُر هذا الصغير وأصبح رجلاً يُعتمد عليه إلى هذا الحد؟*

«أمي! لقد قال أخي إنه سيأخذنا للترفيّه عن أنفسنا وتناول البارفيه!»

قالتها ميا وهي تطلق ضحكة صافية مفعمة بالحياة. كان رؤيتها وقد استردت عافيتها بالكامل تنزل كبرد وسلام على قلبي.

«مهلاً، أتعلمون؟ لقد أطلق متجري المفضل نوعاً جديداً وضخماً من البارفيه!»

«...ميا...»

«وبما أن أخي الكبير هو من سيدفع الفاتورة، فعلينا أن نأكل حتى نكتفي!»

«ميا، أرجوكِ، هلا خففتِ من اندفاعكِ قليلاً؟ ظروفي المالية حرجَة بعض الشيء هذه الأيام...»

«لكن هذا احتفالٌ بشفائي وخروجي من المستشفى، أليس كذلك؟ يحق لي أن آكل كل ما أحبه... أليس كذلك يا أخي؟»

«............ نعم، بالطبع.»

حين رأيتُ كيفن يجهد نفسه بالإيماءة رغم تعابير وجهه المكتئبة حيلةً، لم أستطع تمالك نفسي وانطلقتُ ضاحكة من أعماقي.

هل فقدتُ شيئاً حقاً؟

لا... لم أفقد أي شيء ذي قيمة.

بل على العكس، لقد كسبتُ كل شيء... كسبتُ مستقبلاً زاهراً، مليئاً باللحظات الدافئة والمبهجة التي سأقضيها برفقة طفليّ الرائعين.

«أجل، هيا بنا... نحن الثلاثة معاً!»

النهاية

2026/07/23 · 5 مشاهدة · 2835 كلمة
Azrak77
نادي الروايات - 2026