الفصل الثاني: نصل الجليد في عرين الذئاب
[المكان: مدرسة "شين جين" للمستيقظين - الممر الرئيسي]
كانت جدران المدرسة مطلية بلون رمادي كئيب، تملؤها شقوق دقيقة ناتجة عن ترددات "المانا" المستمرة التي يطلقها الطلاب المراهقون. الهواء داخل الممر كان مشبعاً برائحة العرق، والمنظفات الكيميائية الرخيصة، وطاقة ذكورية خام تتصادم في كل زاوية.
مشى كانجي كاجيرو بخطوات ثقيلة ومنتظمة، وقع حذائه على الأرض الرخامية كان يصدر صوتاً إيقاعياً يشبه دقات الساعة القاتلة. شعره الأبيض الناصع كان يتحرك مع كل خطوة، وحواجبة البيضاء الكثيفة كانت تعطي وجهه حدة لم تكن موجودة من قبل. عيناه الحمراوان، اللتان كانتا في الماضي تنظران للأرض بخجل، كانت الآن تجوب المكان ببرود ماسح، كأنها رادار يبحث عن نقاط الضعف في جدران المدرسة وبشرها.
"انظروا.. إنه 'الشبح الأبيض' عاد من جديد،" همست طالبة وهي تمر بجانبه، ممسكة بصديقتها.
"يقال إنه صرخ في وجه 'دايكي' الصباح.. هل فقد عقله؟" ردت الأخرى بصوت خفيض.
تجاهل كانجي الهمسات التي كانت تحوم حوله كالذباب. بالنسبة لشخص قضى ثلاثين عاماً يسمع صرخات الوحوش في الطوابق العليا للبرج، كانت هذه السخرية تبدو له كموسيقى أطفال عابثة.
دخل كانجي "قاعة التدريب العملي رقم 4". كانت القاعة شاسعة، سقفها مدعم بأعمدة فولاذية ضخمة، وأرضيتها مغطاة بطبقات من المطاط المقوى لامتصاص الصدمات. في الوسط، وقف المعلم "ساتو"، رجل ضخم ذو ندبة عرضية على وجهه، وهو مستيقظ من الرتبة B-، كان معروفاً بقسوته مع الضعفاء.
"تجمعوا أيها الصعاليك!" زأر ساتو، وصوته تردد في القاعة كالانفجار. "اليوم هو اختبار 'الثبات الحركي'. الرتبة E ستقف في جهة، والرتبة D وما فوق في الجهة الأخرى. سنرى من منكم يستحق أن يطلق عليه لقب 'محارب' ومن منكم مجرد حمل زائد على المجتمع."
وقف كانجي في صف الرتبة E، الصف الذي يضم الحثالة والمنبوذين. بجانبه، وقف دايكي، الذي كان لا يزال يفرك معصمه بحقد، وعيناه تشتعلان برغبة في الانتقام.
"كاجيرو..." همس دايكي بنبرة تقطر سماً، "ما حدث في الممر كان مجرد غفلة مني. هنا، أمام المعلم، سأحطم عظامك البيضاء هذه أمام الجميع. سأجعل عينك الحمراء تخرج من مكانها."
لم يلتفت كانجي. ظل ينظر للأمام، ليديه اللتين كان يفتحهما ويغلقهما ببطء. كان يشعر بضعف العضلات، وهشاشة العظام في هذا الجسد الشاب، لكنه كان يشعر أيضاً بـ "مسارات الطاقة" التي يعرف خباياها أكثر من أي شخص في هذه القاعة.
"الاختبار الأول: المواجهة المباشرة!" صرخ المعلم ساتو. "دايكي ضد كاجيرو. تقدموا للمركز!"
ساد الصمت القاعة. الجميع كان يعرف النتيجة مسبقاً؛ دايكي يمتلك مهارة "قبضة الحديد" من الرتبة D، بينما كانجي لا يمتلك سوى مظهره الغريب.
تقدم دايكي للمركز، وهو يستعرض عضلاته، وشحنة من المانا الزرقاء بدأت تتصاعد من قبضتيه. "سأنهيك في ثانية واحدة،" قال دايكي وهو يبتسم ابتسامة صفراء.
وقف كانجي أمامه ببرود مرعب. لم يتخذ وضعية قتال تقليدية، بل وقف بذراعين مرتخيين، وعينين تلمعان بذكاء وحشي.
"ابدأوا!" صرخ المعلم.
انطلق دايكي كالرصاصة، قبضته المشحونة بالمانا شقت الهواء مصدرة صوتاً حاداً. كانت الضربة تستهدف وجه كانجي مباشرة، ضربة كفيلة بتهشيم الجمجمة.
في تلك اللحظة، تحرك كانجي. لم يكن تحركاً سريعاً بالمعنى الفيزيائي، بل كان "تحركاً مثالياً".
أمال رأسه مليمترات قليلة، فمرت قبضة دايكي بجانب أذنه لدرجة أن حرارة المانا لفحت جلده. وفي جزء من الثانية، انزلق كانجي ليدخل تحت إبط دايكي، مستخدماً وزن الخصم وقوته ضده.
بيد يسرى تشبه الملقط، أمسك كانجي بساعد دايكي، وباليد اليمنى، وجه طعنة بأصابعه (قبضة النسر) نحو منطقة الحجاب الحاجز—النقطة التي تلتقي فيها الأعصاب الحيوية.
"آآآآآآآه!"
انقطع نفس دايكي فوراً. تحول وجهه للون البنفسجي، وسقط على ركبتيه وهو يحاول استنشاق الهواء الذي غادر رئتيه فجأة.
لم يتوقف كانجي. بحركة انسيابية كالماء، ركل خلف ركبة دايكي ليسقطه تماماً، ثم وضع قدمه فوق عنق دايكي، ضاغطاً بوزنه بالكامل.
"هل هذه هي قوتك يا رتبة D؟" همس كانجي، وصوته كان هادئاً جداً لدرجة أنها أرعبت كل من في القاعة. "أنت تملك المانا، لكنك تفتقر للروح. أنت مجرد طفل يلعب بالنار، وأنا.. أنا الجحيم الذي سيحرقك."
تسمر المعلم ساتو في مكانه. لم يصدق ما رآه. لم تكن هناك مانا مستخدمة، كانت مجرد "تقنية قتالية" نقية ومرعبة، تقنية لا يمكن لمراهق في السادسة عشرة أن يتقنها إلا لو كان قد قضى عمراً كاملاً في ساحات الإعدام.
"كانجي! توقف!" صرخ المعلم وهو يتقدم بسرعة. "لقد انتهى النزال!"
رفع كانجي قدمه ببطء، ونظر إلى المعلم ساتو بنظرة جعلت الأخير يتراجع خطوة للخلف لا إرادياً. كانت تلك عين محارب قتل الآلاف، وليست عين طالب.
"المعذرة يا معلم،" قال كانجي وهو يعدل قميصه ببرود، "لقد انزلقت قدمي قليلاً."
ساد ذهول مطبق في القاعة. الطلاب كانوا ينظرون لكانجي وكأنهم يرونه لأول مرة. دايكي كان يزحف على الأرض باحثاً عن كرامته المهدورة، بينما كانجي عاد لصف الرتبة E بكل هدوء.
لكن في أعماق كانجي، كان هناك قلق واحد يشغل باله. نظر إلى الساعة القديمة المعلقة في صدر القاعة.
[متبقي 42 ساعة على 'انهيار البرج'.]
"المدرسة والطلاب.. كل هذا لا يهم الآن،" فكر كانجي وهو يقبض على يده، "يجب أن أحصل على 'جوهر المانا' الخام الليلة. أحتاج للقوة الحقيقية لإنقاذ والدي. الزمن يداهمني."