جرة المحارب كارل؟
حين لمست مالو علامة الاستدعاء، ظهر جسد روح مألوف أمام الجميع فجأة.
لقد كانت "جرة المحارب" التي أنقذوها من حصار الوحوش.
كان جسده لا يزال مكسوًا بالتشققات، لكنه رُمّم ببعض المواد الخاصة بترميم الجرار، ليبدو بحال أفضل قليلًا مما كان عليه؛ على الأقل لم تكن محتوياته تتسرب بلا توقف بعد الآن.
كانت تقنية الإصلاح بدائية للغاية؛ لدرجة لا يصح معها تسميتها "الإصلاح" بحق. أشبه ما تكون بحشو الفجوات بأي شيء يمكنه سد الثغرات. دون مساعدة "مصلح الجرار"، لم يكن لجرة المحارب أن تفعل أكثر من ذلك.
وبينما تحدّق مالو بجسد جرة المحارب "كارل" المليء بالندوب، شعرت بترددٍ لأول مرة في استدعاء مساعد.
بفضل الأداء الباهر لكنيسة النار النجمية، بات "محاربو الشمس" وآلية الاستدعاء أمرًا شائعًا بين المغامرين، حتى صار المغامرون المتعثرون في اجتياز الزنزانات يتهللون فرحًا كلما رأوا علامة استدعاء، متمنين لو بإمكانهم سحب بضعة "إخوة طيبين" للمساعدة.
لكن للأسف، هناك حدٌ أقصى لعدد المساعدين الذين يمكن استدعاؤهم—ثلاثة في أقصى الحالات، ومع كل مساعد يُستدعى، تزداد قوة الزعيم أيضًا.
لم تكن مالو قد استدعت أحدًا من قبل. فبقوتهم الحالية، كانوا قادرين على التعامل مع معظم المواقف، وفي الحالات التي تعجزهم، لن ينفعهم الاستدعاء أصلًا.
ومع ذلك، فإن رؤية علامة استدعاء ذهبية لمحارب شمس في أثناء الاستكشاف تبعث نوعًا غريبًا من الطمأنينة في الجسد والروح، وكأن الجميع يخوض الزنزانة معًا.
"هل أستدعيه؟" تمتمت بتردد.
قال ليون بعد لحظة تأمل: "أنا فضولي".
هل يمكن للوحوش داخل الزنزانة أن تُستدعى كمساعدين؟ كان يعتقد أن المساعدين يأتون فقط من عوالم أخرى.
إذا استدعيته الآن، ثم ذهبت إلى "المقبرة"، هل سأراه مجددًا؟ لا أظن ذلك؛ المسافة بيننا شاسعة للغاية، و...
بعد كل ما قضوه من وقت في الزنزانة، تلاشى لديهم الإحساس بالزمن في العالم الخارجي. لكن من المؤكد أن الجميع أمضى وقتًا طويلًا في الطوابق الشبيهة بروغلايك، وهذا يعني...
أن هذا اليوم شارف على نهايته!
فبعد هزيمة وحش الزعيم خلف بوابة الضباب، ربما لن يروا "طائر طقوس الموت" مرة أخرى.
لكن المغامرة لا تُنجز في ليلة؛ لا بد لها أن تُخاض خطوة بخطوة.
فلمست مالو علامة الاستدعاء، فاستُدعي "جرة المحارب كارل". ضم ذراعيه معًا، واتخذ وضعية استعراضية كشخصٍ قوي. ولو لم يكونوا قد رأوه من قبل يتعرض للضرب على يد الوحوش دون مقاومة، لكانوا قد انخدعوا به.
إذا حيّيته، يرد بإيماءة خفيفة من جسده.
قال ليون: "هل أنتم مستعدون؟ فلنتقدّم إذن."
"انتظر لحظة!"
ركضت مالو نحو الجانب وعلّقت إكليل الزهور الذي أهدتها إياه الجرار الصغيرة على عمود حجري بارز. لم تكن ترغب في أن يتضرر خلال المعركة القادمة.
ابتسم ليون بفهم، وعلّق إكليله أيضًا. وسرعان ما كانت جميع الأكاليل معلقة على العمود الحجري، تبعث بهجة زاهية تزيح شيئًا من كآبة الزنزانة.
قال غابار ببرود: "لماذا تحدّقون بي؟" بينما ظل إكليله على رأسه. "هل تظنون أن الوحوش تجرؤ على لمسي؟"
بالطبع لا. وهكذا، أصبح "قدّيس السيف" الوحيد الذي دخل بوابة الضباب وهو يرتدي إكليل الزهور.
وكانت جرة المحارب آخر "شخص" يلحق بهم. نظر إلى الأكاليل المعلقة على العمود، وسرت فيه حيوية مفاجئة.
ما بعد بوابة الضباب كانت غرفة دفن، تسري فيها برودة تقطع العظم.
وقبل أن يتسنى لهم تبين هوية الوحش الموجود داخلها، اندلعت شرارات برق فجأة في الجهة المقابلة!
تشكل البرق على هيئة رمح، ثم ظهرت حوله رماح أخرى أصغر حجمًا—كلها متوهجة بطاقة كهربية.
"رمح البرق؟" هتفت مالو. لقد رأت سترلاند يستخدم تعويذة مشابهة من قبل.
لكن ليون قال: "لا، هذا ليس رمح البرق الذي تعرفينه"،لقد لاحظ فرقًا واضحًا؛ إذ إن رمح البرق الذي استعمله ستلاين كان دافئًا كالشمس، وكأن جوهره لم يكن البرق حقًا.
أما ما ظهر في غرفة الدفن الآن، فكان برقًا خالصًا!
ذلك لأن هذه الصلاة تُدعى: 【رمح برق الفارس】!
وفي اللحظة التالية، اندفعت عدة رماح برق نحوهم، تقفز فيها أقواس كهربية، وتحمل قوة هائلة؛ الإصابة المباشرة بها تعني الاحتراق حتمًا!
"تفرقوا!"
وما إن تفرق الجميع لتفادي الضربات، حتى تواصل الهجوم برماح أخرى! بدا وكأن تلك الرماح تملك وعيًا خاصًا، وتتعقب أهدافها!
وبعد أربع أو خمس ضربات متتالية، توقفت أخيرًا، وتمكّن الجميع من رؤية العدو.
【فارس الموت (فأسين مزدوجين)】
فارس هيكلي تنبعث منه هالة موت من الرأس حتى أخمص القدم، ممسكًا بفأسين مشحونين بالكهرباء.
ولسبب ما، ما إن رآه ليون، حتى وضع يده على سيفه "الطعنة الدرعية" عند خصره.
"طعنتي الدرعية ترتجف... لا بد أن كرسيًا متحركًا جديدًا قريب".
إحساس غريب داخله أخبره أن سلاح هذا الخصم وسيفه الخاص من نفس نوع "الكرسي المتحرك"!
"مثير للاهتمام."
لحس شفتيه، وانعكس في عينيه توق جامح للانتصار.
لكن بنية فارس الموت لا تبدو كسطح يمكن لطعنته الدرعية اختراقه. حسنًا، لنراقب أولًا بأسلوب قتال عادي.
اندفع فارس الموت نحو ليون بعنف، يضرب بفأسَيه بكل قوته، مصوّبًا إلى النقاط الحيوية.
صدّ ليون بعض الضربات، ثم جرّب التملّص منها، ليخلص إلى نتيجة: هذا الفارس يقارب في مستواه "فارس البوتقة".
ذات يوم، شكّل فارس البوتقة تحديًا هائلًا، لكن الزمان تغيّر—أعضاء الفريق قد تطوّروا، مثل طاقم "قبعة القش" بعد سنتين من الفراق.
ربما لم تكن تطوراتهم بذلك التطرف، لكنها كانت كافية لمجابهة فارس الموت!
كان "تيل" و"جرة المحارب" يتكفّلان بالدفاع، و"ديلو" بالشفاء والدعم، ومالو بالتشويش، بينما كان ليون ودار السيفين الضاربين.
تقسيم مثالي للأدوار. فماذا عن غابار؟
قال بتثاقل وهو يجلس على تابوت: "لست مهتمًا". ثم خاطب دار: "انتبه لتنفسك، أيها الفتى".
"هاه؟ أوه!"
لم يستوعب دار في البداية، حتى كرر غابار كلامه، ففهم أنه يعطيه إرشادًا قتاليًا.
هل يمكن لسترة واحدة أن تشتري نصيحة من قديس السيف؟
وبينما كان يقاتل، واصل دار تعديل وقفته القتالية وفق تعليمات غابار، حتى دخل حالة غريبة، مريحة للغاية، وكأن القتال يشبه السير في ينابيع ساخنة.
لكن كان ثمة إحساس غريب أيضًا؛ إذ إن اتّباع غابار حرفيًا سيحوّله إلى دمية. لذا عليه أن يمتصّ الخبرة قدر الإمكان من هذه المعركة ويطوّر نفسه.
وحين تصادمت "السيف العظيم فارّون" الذي يحمله دار مع سلاح فارس الموت، لاحظ فجأة—متى أصبح الوحيد الذي يشتبك معه؟
نظر من حوله، فوجد الباقين قد تراجعوا للخلف، يصفقون ويهتفون له!
لا تهتفوا فقط—ساعدوني!
وبينما أصابه الارتباك، تلقّى ضربة عميقة في كتفه. ولحسن الحظ، غيّر وضعيته بسرعة، وردّ الفارس بضربة أجبرته على التراجع.
قال غابار بهدوء: "ثبّت عقلك."
تنفس دار بعمق، وظهر عليه "رقص فارّون الدوّار". تحركاته الرشيقة وضرباته القوية خلّفت العديد من الجروح على جسد فارس الموت، فبات الطرفان متكافئين.
جيد... لدينا فرصة!
ظهر على وجهه الفرح، فانطلق إلى الهجوم النهائي من رقصة فارّون.
لكن لهذا الهجوم عيب خطير—رغم قوته، إلا أن سرعته ووقت استعادته متدنيان.
فاستغل فارس الموت الفرصة. ومع طنين مفاجئ، تحوّل إلى برقٍ خاطف، واندفع أمام دار في لحظة!
برقٌ نقيٌ صافٍ—هجوم "وميض البرق"!
"ما...؟" شعر دار بالخطر. رأى الفارس يدور بفأسه في حلقة—
"ضربة دوّامة البرق!"
دوّامة مشحونة دارت بسرعة خارقة وابتلعت دار في ثوانٍ. صرخ "آآآه!"، وعندما هدأ البرق، طار جسده بعيدًا، متفحّمًا ومتشنجًا.
سقط دار على الأرض، جسده يرتعش بالكامل، في حالة يُرثى لها.
"..."
جفل الجميع مما حدث.
اتسعت عينا ليون وهو يحدق في الفأسين. أحس أن تلك الحركة الدوّارة كانت بالتأكيد فنًّا قتاليًا مدمجًا في السلاح.
كرسي متحرّك... بلا شك!
"أريده بأي ثمن!"
لكن المفاجآت لم تنتهِ هنا.
عباءة فارس الموت خلفه تحوّلت فجأة، كشفت عن أجنحة شبحيّة، وتعاظمت هالة الموت المحيطة به.
دخول المرحلة الثانية!
اندفع "تيل" للاشتباك معه، ليمنح "ديلو" وقتًا لشفاء دار. بينما تقدمت مالو من الخلف وضربت بسيفيها المنحنيين.
لكن فجأة، أمسك الفارس وجه "تيل"، ورفعه في الهواء بقوة هائلة!
كان يمتص شيئًا ما من جسد "تيل"—حياته تتناقص بسرعة، مقابل تعافي الفارس بوتيرة جنونية!
"لماذا دومًا نواجه وحوشًا قادرة على الشفاء؟!"
صرخ تيل، ثم أطلق العنان لقوته وانفلت من قبضته. لكن حين هبط، كان فارس الموت قد غيّر هدفه بالفعل، وتحول إلى برق واندفع نحو مالو!
"إييييك!"
تشنجت مالو، تملأ رأسها فكرة واحدة: "اهربي!"—لكن لم يعد هناك مفر!
أنا سأموت مجددًا! أغلقت عينيها بخوف، وشعرت بحرارة البرق تلسع جلدها.
انقضّ الفارس، ومعه صوت صفيرٍ حاد، ثم—
"بوووم!"
فتحت مالو عينيها، فرأت مشهدًا لن تنساه ما حييت.
جرة المحارب، المتشققة بالكامل... وجّه ضربة عليا إلى فارس الموت، أطاحته في الهواء!
"طخ!"
ارتطم الفارس بالأرض، مذهولًا—من هذا الذي تجاهله طيلة الوقت، والآن صار شجاعًا هكذا؟
أيمكن أنه فعلها لحماية مالو؟
في هذه اللحظة، جسّد "جرة المحارب" اسمه عن جدارة. واجه "دوّامة البرق" دون خوف، مصطدمًا بها بمطحنة الرياح خاصته، رغم ازدياد الشقوق في جسده!
كل حركة كانت تكسر جزءًا آخر من جسده. لم يكن بإمكان جسده المرمم على عجل أن يصمد أكثر.
تلك الضربة كانت أقصى ما يستطيع فعله، لكنها كانت كافية.
فقد استعاد الجميع عافيتهم.
"سأقتلك!"
دار، بشعره المحترق، لم يحتمل المهانة. أطلق دم الذئب داخله، وأقسم أن يسحق فارس الموت!
لم تطل المعركة بعدها؛ إذ انهار فارس الموت تحت ضربات المجموعة الغاضبة، وذُرّي رماده، تاركًا وراءه ومضة ضوء بيضاء.
لكن قبل أن يحتفلوا، انهار جرة المحارب أيضًا.
ثم انفجر إلى كومة من الشظايا!
■■■■■
فارس الموت
مش عارف شو مقصود بي كرسي متحرك