9 - وجوه من الماضي.. ومواجهة غير متوقعة

​مرّ أسبوعان على وجود لوسين، وكأنها كانت تسكن هذا البيت منذ الأزل. كانت تجلس على الأرض، تحيط بها الألوان المائية من كل جانب، ترسم بتركيزٍ شديد بيتاً صغيراً وشجرة، وبجانبهما طفلة تمسك يد رجل طويل.

​دنت منها كاميليا بابتسامتها المعهودة وسألت: "آنسة لوسين، ما هذه اللوحة الجميلة التي ترسمينها؟".

رفعت لوسين رأسها، وكان طرف أنفها الصغير قد غرق في اللون الأحمر، مما جعل منظرها مضحكاً للغاية. قالت ببراءة خطفت قلب كاميليا: "أرسم لوسين وبابا لؤي".

​ضحكت كاميليا برقة: "يا إلهي، كم أنتِ لطيفة! السيد لؤي محظوظ حقاً بوجودكِ".

ردت لوسين بصدق غريب: "لا.. لوسين هي المحظوظة لأنها وجدت بابا".

​في تلك اللحظة، دخل لؤي ملقياً التحية، فقفزت لوسين كالعصفور ملوحة بورقتها: "بابا.. بابا! انظر، لقد رسمتُ لوحة لنا!".

حملها لؤي وقبّل جبينها وهو يتأمل الرسمة: "يا للجمال! لم أكن أعلم أنني وسيم إلى هذا الحد في عينيكِ".

​قطع هذه اللحظة الدافئة رنين هاتف لؤي.. لقد كان اتصالاً مرئياً من والديه. تجمدت ابتسامته قليلاً قبل أن يفتح الخط. ظهر وجه والده الرزين ووالدته الأنيقة: "مرحباً يا بني، كيف حالك؟".

أجاب لؤي بصوت هادئ: "بخير يا أبي.. كيف حالكما أنتما؟".

صاحت والدته بشوق: "أوه يا طفلي العزيز، كم اشتقت إليك!".

رد لؤي بخجل: "أمي.. أرجوكِ، لم أعد طفلاً!". وهنا انفجرت لوسين بضحكة ساخرة صغيرة وهي تغطي فمها بيدها، مما جعل لؤي يرمقها بنظرة مداعبة.

​لكن الأجواء تغيرت تماماً عندما قالت الأم: "سمعنا أنك تبنيت طفلة، ورأينا صورها المذهلة.. أخبرنا يا لؤي، من أي ملجأ أحضرتها؟".

​سقط السؤال كالصاعقة على لؤي. "ملجأ؟". كيف يخبرهم أنها نجمة هبطت من السماء؟ شعر ببرودة تسري في عروقه، وغامت عيناه بحزن مفاجئ وضيق لم يستطع إخفاءه. ساد صمت ثقيل، لكن لوسين، بحسها العالي، أدركت ارتباك والدها. سحبت الهاتف بلطف وقالت بصوتها الملائكي: "مرحباً ياعمي.. مرحباً يا خالتي!".

​شهقت الأم من شدة اللطافة: "يا إلهي! صوتها يبعث الراحة في النفس.. أهلاً بكِ يا صغيرة".

بينما انشغلت لوسين بمحادثتهما، انسحب لؤي بهدوء متجهاً إلى غرفته، وهو يشعر بعبء السر الذي يحمله. نظرت لوسين إلى ظهره المغادر وهمست بداخلها: "بابا..".

​قاطعتها الأم عبر الهاتف: "هل أنتِ سعيدة مع لؤي يا لوسين؟".

أجابت لوسين بثبات: "نعم، لوسين تحب بابا كثيراً، وبابا يحب لوسين".

قالت الأم بابتسامة: "هذا يسعدني.. أخبري لؤي أننا سنأتي لزيارته في الشهر القادم".

ودعتهم لوسين بهدوء، ثم وضعت الهاتف ونظرت نحو غرفة لؤي بقلق.

2026/02/17 · 5 مشاهدة · 366 كلمة
Zal🦋
نادي الروايات - 2026