الفصل الأول: استقبال العام الجديد لشاب في "استراحة محارب"

***

أشرق فجر الأول من يناير لعام 2028، معلنًا بداية العام الجديد.

وكانت هذه بداية جديدة أيضًا بالنسبة لي، بايك جيمين الشاب الذي أُجبر قبل شهرين على الانضمام إلى صفوف "الشباب المستريحين" (العاطلين عن العمل) بعد إفلاس الشركة التي كنت اعمل بها.

واستقبالاً لصباح العام الجديد، فتحتُ النوافذ على مصراعيها وهي التي نادراً ما كنت أفتحها للتهوية وبدأتُ أنفض الغبار عن كل زاوية وركن في المنزل باستخدام منفضة الريش.

"هاااك-! كح، كح!"

وعلى الرغم من أنني عانيتُ عندما طارت كتلة من الغبار في الهواء واستقرت مباشرة داخل فمي، إلا أنني لم أتراجع، مدفوعاً بعهدي الذي قطعته على نفسي بأن أُنظف البيت بجد في العام الجديد.

بعد ذلك، انتقلتُ إلى مسح الأرضيات بهمة أعلى من المعتاد.

في الأيام العادية، كنتُ أكتفي بمسح الأماكن الظاهرة للعيان مسحاً خفيفاً بمنديل مبلل، لكن اليوم وبما أنه العام الجديد فقد جهزتُ نفسي لتحريك الأثاث كله وتنظيف كل زاوية مخفية.

بيد أن الأمر المؤسف الوحيد هو عدم وجود ممسحة صالحة للاستخدام.

وبما أن متجر "دايسو" كان مغلقاً في هذا اليوم، انتهى المطاف بمنشفة تبدو هي الأكثر رثاثة واتساخاً بين مناشفي لتصبح ممسحة الأرض الجديدة.

بعد الانتهاء من التنظيف واحتساء كوب من القهوة على مهل، حان الوقت لترتيب الملابس المتراكمة في زاوية خزانة الملابس.

قميص كاروهات؟ لقد ارتديته لست سنوات كاملة لمجرد أن والدتي هي من اشترته لي، لكن بالنظر إلى ياقته التي اهترأت وتمزقت تماماً، فمن المؤكد أن أمي نفسها كانت ستأمرني برميه فوراً لو رأته.

بنطال جينز قديم يتطلب ارتداء حزام؟ ياللسخرية، ففي عام 2025، تعرّفتُ على ذلك الاختراع الحديث المذهل: "الجينز ذو الخصر المطاطي"!

بما أن هناك هذا البنطال المريح الذي يكفي أن تدس قدميك فيه ثم تشده تماماً كما تربط حزام بدلة التايكوندو ليثبت على خصرك، فما الداعي لتكبد عناء ارتداء حزام معدني يصدر قعقعة في كل حركة؟

جوارب الكاحل القصيرة؟ هذه اشتريتها ذات مرة عندما كانت رائجة، لكنني ركنتها جانباً بعد أن تسببت في احتكاك وتر أخيل بحذائي بشكل مؤلم للغاية.

يبدو أن لدي الكثير من الأشياء عديمة الفائدة هنا.

وتيمناً بشجرة القيقب التي تسقط أوراقها الخريفية لتستعد لثوبها الجديد، بدأتُ بجمع ملابسي القديمة وحشرها في أكياس بلاستيكية.

أثناء ذلك، عثرتُ على قطعة ملابس جعلتني أغرق رغماً عني في بحر من الذكريات والندم.

لقد كان ذلك الزي الذي طالما تذمرتُ منه، ومع ذلك حافظتُ عليه بعناية.

"آه... تباً. أخيراً سأتخلص من هذا الشيء المقيت."

البذلة العسكرية والحذاء العسكري.

لقد فُصّلت لي هذه البذلة يوم تسريحي من الخدمة، وها أنا أرميها الآن بعد مرور ثماني سنوات كاملة. وبما أن تسريحي كان في شهر يناير، فقد كان ينتابني دائماً شعور مزعج وكأنني قضيت سنة إضافية في الاحتياط.

بالطبع، في اللحظة التي تسرحتُ فيها وخرجتُ مرتدياً إياها، كنت أشعر بفخر واعتزاز لا حدود لهما. أما الآن، وبعد أن تجرعتُ مرارة الحياة الاجتماعية مراراً وتكراراً، فقد تحولت البذلة والحذاء العسكري إلى عبء ثقيل يلاحقني في كل مرة أنتقل فيها من منزل إلى آخر.

كان أصدقائي يخبرونني أنه يمكنني رميها منذ السنة السابعة، لكنني بسبب ترددي المعتاد وتكاسلي عن رميها أبصرتها تقبع هنا حتى هذا اليوم.

أحضرتُ كيساً بلاستيكياً كبيراً مخصصاً، ووضعتُ فيه الحذاء العسكري، ثم نظرتُ إليه بمزيج من مشاعر الحب والكره.

وفجأة، رمشتُ بعيني وتوقفت.

"لحظة... هذا يعتبر زياً عسكرياً في نهاية المطاف، فهل يجوز رميه هكذا ببساطة؟"

كنتُ أنوي في البداية حشره في حاوية إعادة تدوير الملابس المستعملة، لكنني غيرت رأيي.

أخرجتُ هاتفي وبحثتُ في الإنترنت، وتأكدت مخاوفي؛ إذ تبين أنه يجب إزالة الشارات وبطاقة الاسم أولاً، ثم تمزيق البذلة إلى نصفين ووضعها في كيس النفايات المدفوع مسبقاً، أو تسليمها إلى مقر وحدة الاحتياط المحلية.

المشكلة كانت أن أكياس النفايات الرسمية قد نفدت من منزلي تماماً الآن.

ويبدو أنه لا بأس من رمي الحذاء العسكري كما هو، لكن فكرة رؤية البذلة العسكرية وحيدة دون حذائها جعلتني أشعر بنوع من الغصة، فعدلت عن الأمر.

فكما يُقال "كل فردة حذاء ولها مثيلتها"، فإن البذلة والحذاء ثنائي لا يفترق، وإن كنتُ سأتخلص منهما، فمن الأفضل إرسالهما معاً بدلاً من تفرقتهما في أكياس قمامة مختلفة.

يا لِعاطفة بايك جيمين الجياشة!

"سحقاً! لا يهم."

لقد نالت هذه الدراما الحزينة كفايتها من وقتي.

تباً لعهود العام الجديد؛ نحن في الأول من يناير، إنه يوم عطلة رسمية ثمين ويمثل يوم ميلادي أيضاً، فكيف لي أن أشغل نفسي بهذا الأمر المزعج؟

بما أن الأول من يناير هو يوم ميلادي، فقد بلغتُ الثامنة والعشرين من عمري. وبصفتي شاباً عاطلاً في "استراحة محارب"، فإن كل أيامي تعد عطلاً رسمية، ومع ذلك، فحتى لأمثالنا كبرياء خاص!

الشاب المستريح بحق هو من ينام عندما يعمل الآخرون، ويمرح عندما يمرحون.

أما من يعمل عندما يمرح الآخرون، وينام عندما ينامون، فكيف يصح تسميته بشاب مستريح؟ بل هو شاب مجتهد ونشيط!

أعدتُ حشر الكيس الذي يلف البذلة والحذاء العسكري في زاوية الخزانة، وتابعتُ تنظيف بقية المنزل. جمعتُ الملابس التي يمكن رميها مباشرة في حاوية الملابس المستعملة، ورغم أنها كانت ثقيلة، قررتُ نقلها على دفعات بالذهاب والإياب عدة مرات.

لم أكن غبياً لأرتكب حماقة نقلها كلها دفعة واحدة.

فما هو الشيء الذي يملكه الشاب المستريح بايك جيمين بوفرة؟ إنه الوقت!

إذا كان بإمكاني تقليل الجهد الجسدي الذي أشعر به بمجرد استهلاك بعض الوقت، فهذه هي قمة العقلانية والذكاء.

وهكذا، بعد الذهاب والإياب ثلاث أو أربع مرات بين غرفتي وحاوية الملابس، شعرت بنظرات حارس المبنى الذي كان يدخن على بعد مسافة قصيرة وهو يرمقني بنظرة شفقة وازدراء.

لكنني رددتُ على نظرته بابتسامة مشرقة وتحية دافئة:

"كل عام وأنت بخير بمناسبة العام الجديد، ايها العم!"

"آه... أجل. وأنت بخير. أتمنى لك التوفيق في كل ما تفعل."

بعد ذلك، أعدتُ الأثاث إلى مكانه، ونظرتُ إلى غرفتي النظيفة، فاجتاحتني موجة من الفخر والرضا.

في الحقيقة، لم أفعل شيئاً سوى التنظيف، لكنني شعرتُ بإنجاز عظيم كما لو كنت قد حققتُ نصراً مؤزراً.

ومستمتعاً ببهجة هذا الشعور الغريب بالامتلاء، جلستُ أمام شاشة الكمبيوتر.

"لقد عشتُ يوم الأول من يناير بهمة عالية وبطريقة صحيحة تماماً. البداية مبشرة جداً."

كان هذا وقت المكافأة التي أمنحها لنفسي مكافأةً على التزامي الرائع بعهود العام الجديد.

أنا مجرد شاب مستريح لم يتجاوز عهده بالبطالة شهرين فقط.

لستُ من أولئك الشباب "المتعفنين" الذين يقبعون في منازلهم منذ سنوات؛ فشاب مثلي مضى على استراحته شهران يعد "طازجاً" وفي قمة النضارة كخريج جديد.

وبينما كانت تعلو وجهي ابتسامة رضا غامرة بهذا الإنجاز، دخلتُ إلى تطبيق "ديسكورد"، ليرفع بقية الشباب "المتعفنين" المنتظرين هناك أصوات ميكروفوناتهم ترحيباً بي.

[ كل عام وأنت بخير بمناسبة العام الجديد.]

[ كل عام وأنت بخير، يا أخي.]

"أجل، عام سعيد عليكم جميعاً."

ولكن، بما أنه لا يوجد من هو أكثر دراية بالسياسة والشؤون الجارية من أصدقائي هؤلاء "الشباب المتعفنين" الملتصقين بتطبيق ديسكورد، فقد تحول حديثنا العابر عن الأحداث الشخصية البسيطة في لمح البصر إلى الساحة الأكثر سخونة ومناقشة للقضية الأبرز في الآونة الأخيرة.

[ بغض النظر عن ذلك، سمعتُ أن الضباب الذي يلف سيول يزداد كثافة يوماً بعد يوم؟ حتى أن البعض يقول إن مدى الرؤية الأفقية في بعض المناطق بات يتراوح حول 30 متراً فقط، ويطالبون بفرض حظر تجوال وإعلانها مناطق مقيدة الحركة.]

"نحن لسنا في سيول هنا. ما لكم بسيول وأنتم تعيشون في مقاطعة جيونجي؟"

[ يا أخي، يجب علينا على الأقل أن نكون على دراية بهذه القضايا العامة. علاوة على ذلك، يُقال إن سبب هذا الضباب مجهول تماماً، وهناك شائعات تفيد بأنه قد يمتد ليصل إلى مقاطعة جيونجي أيضاً. ثم إن هناك مناطق أُعلنت بالفعل كمناطق مقيدة الحركة.]

"أوه، أقول هذا لأنه لا فائدة من النقاش في موضوع نهايته مبهمة ولا جدوى منها. وماذا بعد؟ هل اكتشفوا السبب على الأقل؟"

كان السبب وراء هذا الجدل هو ذلك الضباب الغريب الذي بدأ يتسلل وينتشر في بضع مناطق من سيول منذ أواخر نوفمبر من عام 2027 تقريباً.

إنه ضباب حقيقي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ولم يكن مجرد صقيع عابر، بل كان ضباباً رطباً وخانقاً بدأ يتصاعد مؤخراً في أزقة وشوارع سيول، مما دفع قلق الناس وخوفهم إلى ذروته.

وبطبيعة الحال، منذ ذلك الحين، بدأ مسؤولو هيئة الأرصاد الجوية والعديد من الخبراء يظهرون على وسائل الإعلام ليقدموا تفسيرات هادئة وتبدو منطقية في ظاهرها.

وزعموا أن هذا الضباب ما هو إلا ظاهرة محلية ومحدودة، نجمت عن التغير المناخي في شبه الجزيرة الكورية، حيث أصبحت درجات الحرارة الفعلية أكثر دفئاً وارتفعت مستويات الرطوبة، على عكس ما يشعر به الناس من برودة الطقس.

بالطبع، هذا الادعاء الذي يبدو معقولاً لم يكن كافياً ليرأب الصدع في المنطق العام للشعب الذي تشتتت أفكاره بالفعل.

كما أن الفجوة في وجهات النظر بين أصدقائي "الشباب المتعفنين" وبيني أنا، بصفتي شاباً في "استراحة محارب"، لم تكن لتتقلص بسهولة. ومع ذلك، كان مجرد قدرتنا على التواصل والتفاهم أمراً يدعو للارتياح.

[ في الماضي، كانت هناك شاحنات تجوب الشوارع لنشر دخان ضبابي كثيف لرش المبيدات الحشرية، أليس كذلك؟ أتساءل إن كانوا يفعلون الشيء نفسه الآن. ربما تسللت حشرة ضارة وقاتلة وهم يحاولون مكافحتها.]

[ إذن كان الأجدر بهم الإعلان عن ماهية هذه الحشرة الضارة أولاً! أنا متأكد بنسبة مائة بالمائة أنهم يجرون اختباراً ما. ماذا لو كانوا يخلطون جرعات ضئيلة جداً من مادة تؤثر على الحالة العقلية ليتسببوا في إدمان تدريجي؟ البقية واضحة ولا تحتاج لشرح، أليس كذلك؟]

[ مهلاً، لِمَ تتحدث معي أنا تحديداً دون كُلفة وبصيغة غير رسمية؟]

[ لأننا صديقان مقربان. أما الأخ جيمين فلا زال الوقت مبكراً للحديث معه هكذا.]

بينما كنت أراقب هذا الزميل الذي لا ينفك يتحين الفرص ليسقط الألقاب ويتحدث معي بصيغة الند للند متجاهلاً احترام الأخوة، قطعتُ عهداً على نفسي بألا تزداد علاقتي به قرباً بأي حال من الأحوال.

ومع ذلك، فإن وضعهما يُعد أفضل بكثير من غيرهما.

فكلما تجولتُ في الإنترنت بحثاً عن أخبار جديدة أو مستجدات تخص هذا الضباب، أجد أن تسعة من أصل عشرة من أقسام التعليقات تتحول إلى ساحات عراك ومشاحنات.

"النخبة الخفية (The Deep State) بدأت أخيراً في خطة السيطرة على السكان"، "كوريا الشمالية أو الصين تشنان حرباً بيولوجية وكيميائية لكن الحكومة مخترقة وتتستر على الحقيقة"، "إنها خدعة لخفض أسعار العقارات في سيول"، "التغير المناخي كذبة من الأساس فكيف يفسرون الضباب به؟"، "هذا دليل قاطع على التغير المناخي لذا يجب علينا التوجه نحو احتياطات أكثر صداقة للبيئة"...

في النهاية، كان كل شخص قد وضع لنفسه استنتاجاً مسبقاً مقتنعاً به.

أما الاستنتاج الذي توصلتُ إليه أنا، بايك جيمين، فكان كالتالي:

"إذن، لِمَ يشغل سكان مقاطعة جيونجي أنفسهم بالقلق على سكان سيول؟ هيه، شغّلوا اللعبة فحسب."

بالطبع، لم يكن هذا هو الاستنتاج الحقيقي والعميق.

بل كان استنتاجي يكمن في جانب أكثر جوهرية؛ فمن خلال عيشي كشاب مستريح متكاسل طوال الشهرين الماضيين، شعرتُ أنه إذا استمر الحال على هذا النحو، فسوف أنتهي كشاب متعفن يقضي سنواته بطالة في بطالة دون فعل أي شيء.

ولم يكن لديّ أي متسع من الوقت للتفكير في أمر مثل الضباب.

أعني، لم يكن لديّ متسع... حتى بقيت مستيقظاً طوال الليل ألعب حتى فجر اليوم التالي.

***

ووووونغ-

دوى صوت اهتزاز صاخب عبر سماعة الرأس.

رمشتُ بعينيّ الغائرتين المتعبتين جراء السهر طوال الليل مستعيناً بعبوة من مشروب الطاقة "مونستر"، ثم سألت ببطء:

"ما هذا الصوت؟"

[ لديك هاتف أنت الآخر يا صاح.]

"لا أريد أن أبعد عيني عن الشاشة."

[ لا شيء يذكر. إنه تنبيه بشأن المناطق المقيدة الحركة بسبب ضباب سيول. ذلك النوع الذي يأتي كرسالة تحذيرية من الكوارث.]

"اللعنة!"

المسافة بيننا وبين سيول تستغرق أكثر من ساعتين، فلماذا يتسببون في اهتزاز هواتف سكان مقاطعة جيونجي برسائل تحذيرية من الكوارث؟

نظرتُ إلى الوقت لأتأكد، فكانت الساعة تشير إلى الرابعة وثلاث وخمسين دقيقة فجراً.

وعندما فكرتُ في الأعداد الغفيرة من سكان جيونجي الذين استيقظوا قسراً بينما كانوا يستعدون للذهاب إلى أعمالهم وهم لا يزالون يتجرعون حلاوة العطلة الرسمية في الثاني من يناير، شعرتُ بنوبة من الغضب والاستياء العارم تجتاحني تلقائياً.

وفي تلك اللحظة، اخترقت أذني كلمات طردت ما تبقى من النعاس في جَسدي تماماً.

[ أخي. يبدو أن الأمر هذه المرة جاد وخطير للغاية.]

"ماذا هناك؟"

[ يُقال إنه تم العثور على جثث لضحايا جرائم قتل في المناطق التي أُغلقت وقُيدت الحركة فيها بسبب الضباب. وبحسب الأخبار، فإن الجثث كانت في حالة متقدمة من التحلل، وتشير الإحصائيات إلى أن بلاغات المفقودين خلال الشهرين الماضيين تجاوزت 200 حالة بالفعل. وهناك أقاويل تنتشر بأن قوات شرطة سيول لم تعد قادرة على التعامل مع الأمر بمفردها.]

بلع.

سمعتُ صوت شخص يبتلع ريقه بصعوبة عبر سماعة الرأس.

ودون وعي مني، أدرتُ رأسي ونظرتُ من النافذة بلا سبب محدد.

[ دار نقاش في الجمعية الوطنية (البرلمان) حول إمكانية إقحام القوات العسكرية للحفاظ على الأمن العام، لكن تم تسريب أنباء عن وقوع مشادات كلامية حادة مع المعارضة التي اعتبرت الخطوة محاولة انقلاب أو إثارة للذعر والخوف العام. والمثير في الأمر أن هذا النقاش دار قبل شهر كامل! والآن، ورغم استدعاء الجنود تحت مسمى ’الخدمة المدنية التطوعية‘ لمساعدة الشرطة، إلا أنهم لا يزالون يتحدثون عن نقص في القوة الأمنية.]

[ تباً، إنهم يعبثون ويهذرون!]

كان الغبش لا يزال يلف الأفق خارج النافذة.

وبما أن منزلي لم يكن يقع في قلب مدينة جيونجي، بل في منطقة نائية نسبيًا، لم تكن هناك سيارات تمر تقريبًا باستثناء أضواء مصابيح الشوارع. ورغم وجود بلدة صغيرة على بُعد عشر دقائق، إلا أن هذا الوقت من اليوم يكون هادئًا تمامًا هناك.

لكن، في وسط نوم الجميع، كانت غرفتي أنا الشاب المستريح في استراحة محارب هي الوحيدة التي يسطع نورها.

[ ولكن يُقال إن الجمعية الوطنية هذه المرة ناقشت مسألة تعبئة قوات الاحتياط دون أي مشادات كلامية تذكر. لكن هذا الجزء لا يزال مجرد شائعات مجهولة المصدر حتى الآن...]

"أي احتياط هذا الذي يتحدثون عنه؟ لن يحدث شيء كهذا أبدًا."

[ صحيح. لم تنشب حرب بعد، فما الداعي لتعبئة قوات الاحتياط؟ أين عقلوهم؟]

"في المقام الأول، هل يعقل أن يتم استدعاء الاحتياط لمجرد وجود بعض الضباب في سيول؟ هذا هراء محض حقًا."

[ يا رفاق، لقد أخبرتكم أنها مجرد شائعات. لكن هذا يوضح مدى خطورة أزمة الضباب؛ فالأماكن التي اشتد فيها الضباب لدرجة تعذر رصدها بكاميرات المراقبة قد أُغلقت بالفعل وقُيدت الحركة فيها.]

وفي تلك اللحظة بالذات...

ومن بين ذرات الغبش المخيمة خارج النافذة، ومن بين السيارات القليلة التي تمر على فترات متباعدة، تناهى إلى مسامعي دوي ضجيج ثقيل. وسرعان ما وقع نظري على عدد من الشاحنات العسكرية بدأ يشق طريقه على الطريق السريع.

كانت ثلاث شاحنات عسكرية من طراز "دون-بان" (شاحنات نقل عسكرية بوزن طنين ونصف) تكشف عن جزئها الخلفي، وتسير في رتل متتابع تخترق سكون الفجر.

كان بإمكاني أن أرى بوضوح من غرفتي الواقعة في الطابق الثاني الجنود وهم يرتدون خوذاتهم وجُعبهم العسكرية ويحملون أسلحتهم، يترنحون بوهن مكدسين فوق بعضهم كأعواد الثقاب مع كل اهتزاز للشاحنة.

قرقرة، قرقرة!

بدأ الضجيج المزعج المميز للشاحنات العسكرية يتردد في الأرجاء، مخترقاً سماعة الرأس.

لم يكن الصوت حاداً أو صاخباً كأبواق السيارات، لكنه كان صوتاً يطبق على الصدر بثقل وغرابة.

شعرتُ بمزيج غريب من عدم الارتياح والراحة في آن واحد، فأعدتُ توجيه نظري نحو الشاشة مجدداً.

"أجل. ما دام لدينا أصدقاؤنا من جنود الخدمة الفعلية الشجعان والشباب، فما الداعي لتدخل قوات الاحتياط؟ نحن عجائز الاحتياط لا نصلح حتى لركوب تلك الشاحنات، ومن المخجل حتى أن نركب عربات تجرها الدواب، لذا سننسحب بهدوء إلى الصفوف الخلفية سيراً على الأقدام."

نظرتُ إلى الوقت بشكل تلقائي.

كانت الساعة الخامسة وثلاث دقائق فجراً.

ولم يحدث أي شيء آخر مريب.

وفي وسط صمت مريب خيّم علينا، تفرق شمل مجموعتنا، ولم أعد في مزاج يسمح لي بالعبث بالكمبيوتر، فاستلقيتُ بجسدي فوق الفراش الوثير.

وقبل أن أغفو، وعلى الرغم من أنني لا أؤمن بإله محدد، قررتُ أن أدعو بقلب صادق لأي قوة في هذا الكون:

'أرجوكم، إن كان لا بد من استدعائي للاحتياط، فليكن ذلك في العام المقبل.'

***

وفي السادس من يناير.

انتهى بي المطاف، أنا بايك جيمين، متوجهاً إلى مقر وحدة الاحتياط المحلية وأنا أرتدي تلك البذلة العسكرية والحذاء اللذين كنتُ على وشك التخلص منهما.

بينما كنتُ واقفاً بلا حراك أمام ممر المشاة، رأيتُ رجلاً في الجهة المقابلة يرتدي بذلته العسكرية بإهمال وتراخٍ، وهو يترنح ويبدو على وجهه السأم والملل من كل ما في هذا العالم.

يبدو من مظهره أنه يتوجه إلى المتجر الذي يقبع خلفي لشراء السجائر.

أنا أفهم شعوره تماماً.

رفعتُ هاتفي الذكي القابع في يدي، واجتاحتني موجة من الإحباط والذهول المطلق وأنا أقرأ الأخبار:

[بسبب اندلاع اضطرابات وأعمال شغب في منطقة سيول جراء الضباب، طالبت الحكومة الجمعية الوطنية بالمصادقة على قرار التعبئة رغم المعارضة الشديدة... وقد وافقت الجمعية الوطنية بدورها بشرط مؤقت؛ وهو أن يستمر الاستدعاء حتى يتم حل أزمة الشلل الاقتصادي في سيول...]

في السنة الثامنة لي في قوات الاحتياط.

لقد جاء استدعاء الاحتياط الأخير في حياتي.

2026/06/06 · 2 مشاهدة · 2575 كلمة
lia
نادي الروايات - 2026