"أستاذ؟" أعادتني مساعدة صوتي إلى الحاضر، وعيناها تفيضان بالقلق.
“لا شيء ذو بال،” أجبتها بتهوين، موحيًا باللامبالاة المعتادة. دخلت قاعة الدرس بهدوء مصطنع، مستعدًا ليوم رتيب آخر.
“صباح الخير،” حييتُ الطلاب بنبرة محايدة. “لنبدأ.”
وبينما كنت أقف أمام وجوه طلابي المتلهفة، ألقي المحاضرات ببراعة مكتسبة، لم يسعني إلا أن أشعر بانفصال تام عن العالم من حولي. درافيس جرينجر، هكذا كانوا ينادونني؛ أصغر أستاذ في تاريخ الجامعة، وعبقري في مجال الهندسة الميكانيكية. ولكن، على الرغم من كل إنجازاتي، كنت أشعر بفراغ داخلي عميق.
ولدتُ في كنف عائلة من المثقفين، كان والداي كلاهما باحثين مرموقين في مجاليهما. ومنذ نعومة أظفاري، برعتُ في الدراسة والرياضة على حد سواء، متفوقًا بسهولة على أقراني في كل جانب. ولكن مهما كثرت الكؤوس التي تملأ رفوفي أو الشهادات التي تزين جدراني، لم أتمكن قط من التخلص من شعور الفراغ الذي كان ينهش روحي.
مرت حياة الجامعة كلمح البصر، بين المحاضرات والأوراق البحثية وجلسات الدراسة المتأخرة. تخرجتُ متصدرًا صفي، وكان اسمي يُهمس بإجلال بين الأساتذة والطلاب على حد سواء. ومع ذلك، بينما كنت أسير عبر المنصة لأتسلم شهادتي، لم يسعني إلا أن أتساءل: ما الغاية من كل هذا؟
“شكرًا لانتباهكم،” اختتمت الحصة وخرجت من القاعة.
“رائع كالعادة، أيها الأستاذ درافيس. تلميذتك إيفا قدمت أطروحة لافتة للنظر في هذه الفترة الوجيزة من البحث. الموضوع مثير حقًا؛ فهو يستكشف جدوى مولد يعمل بحركة دائمة ومدمج لتسخير الكهرباء المعتمدة على الجاذبية. فكرة جريئة، لكنها آسرة للغاية،” هكذا حياني صوت في الرواق بينما كنت متجهًا نحو مكتبي.
“...صوفي،” أجبتها، مدركًا لوجودها. لم تكن غريبة عني، بل بعيدة كل البعد عن ذلك. كان وجهها منقوشًا في ذاكرتي؛ صورة من الجمال الأشقر، بملامح رقيقة وعينين تتلألآن بالذكاء. ثم، ظهر ذلك الشيء؛ خاتم الخطوبة اللامع الذي يزين إصبعها.
“يبدو أن تهانينا واجبة،” علّقت، ملاحظًا الخاتم.
“أوه!” حاولت إخفاءه. “آسفة، لم أقصد ذلك—“
“لا بأس. أنا سعيد حقًا لسعادتك،” طمأنتها، بالرغم من أن الكلمات بدت خاوية. “إذا سمحتِ، لدي مناقشة أطروحة طالب خلال عشرين دقيقة. أتمنى لك يومًا سعيدًا.”
وبعد قول ذلك، تابعت طريقي نحو مكتبي، مخلفًا صوفي ورائي.
قد تظهر أنماط غير اعتيادية في كل يوم، لكنها تظل رتيبة ومملة كالمعتاد. غير أن موضوعًا معينًا قد أثار اهتمامي مؤخرًا بشكل كبير.
“أستاذ؟ ألا تُعقد مناقشة أطروحة الطالب آدم غدًا؟” سألتني مساعدتي، خشية أن تكون قد ارتكبت خطأ في ملاحظاتها، ومع ذلك كانت واثقة من صحة ما كتبته.
“إذن أنتِ محقة. عذرًا، لكنني أحتاج بعض الوقت بمفردي. شكرًا لكِ على مساعدتكِ اليوم، استمتعي بيومك،” منحتها مكافأة بسيطة فوق راتبها المعتاد، وتركتها أمام مكتبي.
كانت مناقشة الأطروحة كذبة بالطبع؛ فقد كنت بحاجة إلى وقت شخصي لشيء آخر.
جلستُ مستريحًا على أريكتي، وتناولتُ خوذة مزينة بآلات مثيرة. كانت تلك نظارات واقع افتراضي، تُعرف بـ"العتاد الافتراضي".
“تفعيل الاتصال،” نطقتُ بهدوء، فأثار الأمر الجهاز ليبدأ في العمل. وفي لحظة، شعرت بوعيي ينتقل إلى عالم آخر. عالم لعبة معينة.
لقد كان ذلك خلال فترة عملي كأستاذ حين تعرفتُ لأول مرة على عالم الواقع الافتراضي وألعاب الخيال. كان عالمًا غريبًا تمامًا على شخص مثلي، فرد جاد وراقٍ لا يمتلك اهتمامًا يذكر بالملهيات العابثة. ومع ذلك، كان هناك شيء ما في فكرة الهروب إلى عالم من السحر والمغامرة قد ناداني، محركًا شيئًا عميقًا في روحي.
شرعتُ في البحث والتعمق في عالم الألعاب، أمضيت ساعات لا تحصى في دراسة تعقيدات تصميم الألعاب وتطويرها. كان هذا جانبًا من شخصيتي لطالما قمعته، دفنته تحت طبقات من المسؤولية والتوقعات. ولكن مع مرور كل يوم، وجدت نفسي أنجذب أكثر وأكثر إلى عالم الخيال، فوعد المغامرة يغريني بالاقتراب.
وهكذا، اتخذت قرارًا سيغير مجرى حياتي إلى الأبد. تواصلت مع مطوري الألعاب، وعرضت عليهم فكرتي للعبة خيالية لا مثيل لها. كان عالمًا ولد من مخيلتي، عالمًا مليئًا بالسحر والغموض والأخطار غير المحكية. ولدهشتي، أبدوا اهتمامًا برؤيتي، وكانوا متحمسين للتعاون في إحيائها.
مرت شهور كلمح البصر في دوامة من البرمجة والاختبار والتحسين، بينما بذلنا قصارى جهدنا لإنشاء لعبة تجاوزت حتى أجرأ أحلامي. وأخيرًا، جاء اليوم الذي كنا فيه مستعدين للكشف عن إبداعنا للعالم.
واليوم أخيرًا هو اليوم الذي يمكنني فيه اختبار اللعبة بنفسي.
جلستُ مستندًا على أريكتي، ووضعت خوذة العتاد الافتراضي على رأسي، شعورًا باندفاع من الترقب. وبينما كان الجهاز يشتغل، أحسست بوعيي يتحول، والعالم المألوف من حولي يتلاشى في بحر من وحدات البكسل والشيفرات. وبعد لحظات، وجدت نفسي أقف في قلب عالم خيالي، عالم كان نابضًا بالحياة وواقعيًا كأي حلم عرفته من قبل.
“مرحبًا بك في عالم الأركانوم،” صدح صوت حولي، مهيئًا المسرح للمغامرة التي كانت تنتظرني.
عالم الأركانوم. هو عالم الخيال الذي بنيته وفقًا لهوسي العجيب منذ صغري. كان الإعداد غنيًا وغامرًا، يضم مناظر طبيعية شاسعة، وجبالًا شامخة، وغابات عتيقة تعج بالمخلوقات الغامضة. ومع دخول اللاعبين إلى اللعبة، يستقبلهم عالم خصب ونابض بالحياة، يضج بالسحر والعجائب.
مملكة ريدانيا، التي سُميت تيمنًا بعائلتها الحاكمة، هي المركز الحضاري الرئيسي داخل هذا العالم. وعاصمتها، أركاديا، مدينة صاخبة حيث يتجمع المغامرون سعيًا وراء الشهرة والثروة والمجد. وتطغى الأبراج الشاهقة والكاتدرائيات العظيمة على الأفق، تلقي بظلالها الطويلة على شوارعها المرصوفة بالحصى أدناه.
خارج حدود المدينة، تنقسم المملكة إلى مناطق مختلفة، لكل منها بيئتها وتحدياتها الفريدة. فغابات إيفر وود الخضراء موطن لمخلوقات الغابات المراوغة وآثار قديمة يلفها الغموض. وتُبتلى الأراضي القاحلة في الرمال المحروقة بالعواصف الرملية وقبائل البدو الرحالة.
أما التندرا الجليدية في صقيع السقوط، فتسكنها عمالقة جليد مرعبون ووحوش جليدية.
لكن ليست المناظر الطبيعية وحدها هي التي تجعل عالم الأركانوم آسراً لهذه الدرجة. بل هو النسيج الغني من القصص والتاريخ المنسوج في جميع أنحاء العالم. يمكن للاعبين الكشف عن نبوءات قديمة، والتعمق في المقابر المنسية، وكشف أسرار الماضي بينما يخوضون مهامًا ومغامرات ملحمية.
تُشكل نقابة المغامرين العمود الفقري لمجتمع المملكة، فهي توفر المهام والعقود والدعم للمغامرين الطموحين. فمن قتل التنانين إلى استعادة التحف المفقودة، تقدم النقابة مجموعة واسعة من الفرص للاعبين لاختبار مهاراتهم وكسب المكافآت.
السحر أيضًا هو محور اللعبة، حيث يمكن للاعبين الاختيار من بين فئات سحرية متنوعة مثل السحرة والمشعوذين والدرويد. لكل فئة تعاويذ وقدرات فريدة خاصة بها، مما يسمح للاعبين بتخصيص أسلوب لعبهم وإنشاء شخصيات فريدة حقًا.
لكن الأمر لا يقتصر على القتال والاستكشاف فحسب. يضم عالم الأركانوم أيضًا نظامًا قويًا للحرف اليدوية، يسمح للاعبين بجمع الموارد وصنع الأسلحة والدروع والتحف السحرية. وسواء كان ذلك صوغ سيف عظيم أو تخمير جرعة قوية، يمكن للاعبين صقل مهاراتهم وإنشاء عناصر ذات قوة أسطورية.
وبينما يشق اللاعبون طريقهم عبر عالم الأركانوم، سيصادفون مجموعة من الشخصيات التي لا تُنسى، من فرسان نبلاء إلى لصوص ماكرين، لكل منهم قصصه ودوافعه الخاصة. ومع إبرام التحالفات، وكشف الأسرار، ومواجهة الأعداء الأقوياء، سيكتشفون أن مصير المملكة — وربما العالم بأسره — يقع بين أيديهم.
اندفاع من الحماس اجتاحني بينما وطأت قدماي العالم الافتراضي للمرة الأولى، مستعدًا لخوض مغامرة لا مثيل لها. [ ترجمة زيوس]
“مرحبًا بك في نقابة المغامرين! هل أنت جديد هنا، أيها الشاب؟” رحبت بي امرأة، ترتدي زي موظفة استقبال النقابة، بابتسامة. بدا مظهرها واقعيًا لدرجة مذهلة، مما دفعني للتساؤل عما إذا كانت مجرد شخصية غير قابلة للعب.
ولكن قبل أن أتمكن من الرد، حدث شيء غريب. وجدت نفسي متصلبًا في مكاني، عاجزًا عن الحركة أو النطق. كان الشعور سرياليًا، وكأنني محبوس في حلم.
“مرحبًا؟ أيها السيد؟” اخترق صوت المرأة أفكاري، لكنني بقيت جامدًا.
ثم، دون سابق إنذار، مزق ألم مبرح صدري، مما جعلني أصرخ ألمًا. شعرت وكأن قلبي يُعصر في ملقط، ورأسي ينبض بكثافة تقترب من أن تكون لا تُطاق.
“سيد؟! ما الذي حدث؟ ما الذي حدث؟” بدا صوت المرأة بعيدًا، مكتومًا بشعور الألم الغامر.
بالكاد استطعتُ إدراك الإشعارات التي كانت تومض أمام عيني، محذرة من ارتفاع معدل ضربات قلبي بشكل جنوني. ولكن وسط هذه الفوضى، بدأ شيء آخر بالظهور؛ طوفان من الذكريات والمعلومات تتدفق عبر عقلي بسرعة مذهلة.
'ذكريات شخص ما... أهي ذكرياتي أنا...؟'