الفصل 02 - النظام سيساعدك يا ويل (1)
هبّت نسمةٌ لطيفة عبر السهول العشبية الخضراء ، حاملةً معها عبق ندى الصباح المنعش. انسكب ضوء الشمس فوق العشب القصير الذي يكسو التلّ المنحدر ، وكانت الأشعة الذهبية ترقص مع السنابل المتمايلة ، كأنّ الأرض نفسها تتنفّس بإيقاعٍ بطيءٍ مسالم.
زقزقة الطيور تردّد صداها في البعيد ، غافلةً - أو لعلّها غير مبالية - بالحزن الذي يخيّم على قمّة التل.
عند القمّة ، انتصبت شجرتا غارٍ عتيقين ، شامختان كثيفتا الأغصان ، تتشابك فروعهما لتشكّل مظلّةً طبيعيّة. أوراقهما تهمس بنعومة مع هبوب الريح.
معًا ، ألقت الشجرتان ظلًا واسعًا على الأرض أسفلهما ، يحجبها عن دفء الشمس ، كما لو أنّهما تحرسان مكانًا مقدّسًا.
تحت أحد الجذوع العريضة ، جلس الفتى ويل ، وقد عقد ساقيه وأغمض عينيه ، وراحت يداه الصغيرتان تستقرّان فوق حجره. كان شعره الداكن يرفرف بخفّة مع النسيم العابر.
رغم أنّه لم يتجاوز الثانية عشرة ، فإنّ ملامحه حملت ثقلَ من عاش عمرًا أطول بكثير ، من اقترب أكثر ممّا ينبغي من أنياب المأساة.
مرّت اثنتا عشرة سنة منذ أن عثر عليه كايزر وزوجته مهجورًا في الغابة. اثنتا عشرة سنة منذ احتضنته عائلةٌ منحته الدفء والحبّ ومكانًا ينتمي إليه.
رغم ذلك…
انزلقت تلك السنوات الاثنتا عشرة كما لو كانت أنفاسًا عابرة.
الآن ، بدا التلّ الذي كان يومًا مليئًا بالضحكات والتوبيخات اللطيفة صامتًا على نحوٍ لا يُحتمل.
فتح ويل عينيه ببطء ، وحدّق في القبرين أمامه. كان التراب حديث التقليب فوق القبر الثاني ، وما تزال التربة رطبة.
نُقشت على الشاهدين كتاباتٌ بسيطة - متواضعة ، تمامًا كحال الزوجين الراقدين تحتهما.
بدلًا من دفنه في مقبرة القرية ، أصرّ كايزر على أن يُوارى الثرى فوق هذا التل.
تذكّر ويل ذلك اليوم بوضوح - الفارس العجوز جالسًا إلى جواره ، يستعيد ذكريات شبابه ، ويحكي له كيف كان يركض عبر هذا التلّ نفسه بفرحٍ طائش.
آنذاك ، كان ويل قد تجاهل الأمر ، وعدّه ثرثرة شيخٍ مسنّ ، تكرارًا لحكايات سمعها ألف مرّة.
من كان ليتخيّل أنّ تلك الكلمات ، التي بدت بلا قيمة حينها ، ستُنقش اليوم بألمٍ في أعماق قلبه؟
رحل جدّه قبل سنتين إثر مرضٍ عضال. ولحقت به جدّته قبل يومين فقط ، حين استسلم جسدها الواهن أخيرًا بعد سنواتٍ من الشوق إلى الزوج الذي فقدته.
اعتنى بها ويل دون كلل - يطهو الطعام ، يجلب الماء ، يسندها حين تضعف ساقاها - لكن في النهاية ، وقف شاهدان حجريّان جنبًا إلى جنب ، تاركين إيّاه وحيدًا من جديد.
انقبض حلقه ، واستنشق نفسًا مرتجفًا.
لكن الحزن لم يكن الظلّ الوحيد الذي يطارده.
منذ أوّل سنواته في هذا العالم…
كان ويل يعلم ، دون أن يفهم تمامًا ، أنّ هناك شيئًا مختلفًا فيه.
كوابيسه كانت حيّة أكثر ممّا ينبغي ، واقعيّة على نحوٍ مرعب. غرائزه كانت حادّة بطرقٍ لا تليق بطفل. ثم عادت الذكريات عندما بلغ العاشرة.
كالسكاكين المغروسة في عقله الغضّ ، تدفّقت شظايا حياةٍ سابقة.
حياةٌ عاشت على كوكبٍ بعيد.
الأرض.
أو ، كما سمّتها كائنات الهاوية - الكوكب الأزرق.
في حياته الماضية ، كانت الأرض عاديّة. مسالمة. متوازنة.
عالمًا يذهب فيه الناس إلى أعمالهم ، يتذمّرون من الازدحام ، ويحلمون أحلامًا بسيطة. كان ويل رجلًا عاديًا هناك ، يعمل في وظيفةٍ رتيبة ، ويأمل بمستقبلٍ أفضل.
ثم حلّت نهاية العالم.
انفجرت الوحوش في كلّ مكان ، مزّقت المدن ، وابتلعت الملايين خلال أيّامٍ معدودة. وصُبغت الأرض بالدم القاني.
سادَت الفوضى…
لكن في النهاية ، ردّت الطبيعة بميزانٍ جديد.
استيقظ البشر على قدراتٍ خارقة ، وبرزوا كصيّادين. وأُعيد تنظيم المجتمع ، واضعًا هؤلاء المقاتلين في القمّة.
بالنسبة لـ ويل ، الذي فقد عمله ووالده على يد الوحوش ، جلب ذلك بصيص أمل. فقد بقيت له عائلة - أمّه وأخوه الصغير.
أقسم أن يعيش من أجلهما.
وآمن أنّ الأمور ستتحسّن.
إلى أن وقعت الكارثة الثانية.
فُتحت الهاوية ، وتدفّق الشياطين كطاعونٍ لا يُرد.
واجهت البشريّة ، المنهكة أصلًا والنازفة ، الإبادة. صار الذعر اعتياديًا ، وتحوّل الأمل إلى شيءٍ هشّ. ووجد ويل نفسه يقاتل لحماية ما تبقّى من عائلته. أصرّ على الانتقال إلى مدينةٍ أكثر أمانًا ، لم تطأها الهاوية بعد.
جادل ، أقنع ، توسّل - إلى أن وافقوا أخيرًا.
لكن القدر كان قاسيًا… بلا رحمة.
ما إن وصلوا إلى المدينة الجديدة ، حتى تمزّقت بوّابة هاوية أخرى بالقرب منهم.
اندفعت الشياطين ، أُغرقت الشوارع بالصراخ والمجازر. ركض ويل حاملًا أخاه الصغير على ظهره ، بينما كانت أمّه تتبعه بيأس.
لكن أحد الشياطين كان مختلفًا عن البقيّة.
وحشٌ شبيه بالبشرِ ، يقطر بمادّةٍ مظلمة موحلة ، كأنّ جسده نفسه يرفض العالم من حوله. كان يتحرّك كتجسيدٍ للموت.
ركض ويل أسرع ، والرئتان تحترقان. لكن الكارثة حلّت - تعثّرت أمّه. وقبل أن يتمكّن حتى من الالتفات ، مزّقها الشيطان بضربةٍ واحدة. تناثر دمها في الهواء. وانغرس صراخها في روحه إلى الأبد.
ثم جاء دوره.
بضربةٍ واحدة من يده ، طار ويل وأخوه وارتطما بالأرض. سقط ويل بقوّة ، وانقطع نَفَسه.
أعماه الألم ، وتشوش نظره ، لكن وسط ذلك الضباب… رأى الشيطان يلتقط أخاه.
"كلا… أرجوك… أرجوك…"
خدش الأرض محاولًا النهوض ، لكن ساقيه عصتاه. راح قلبه يخفق بعنف ، رعبًا وعجزًا.
ثم جاءت اللحظة -
الصوت -
الرعب الذي لن يغادره أبدًا.
قلب.
قلبٌ دافئ ، ما يزال ينبض.
وُضع بلطفٍ فوق حجره.
صمتت أذناه. تجمّد جسده. وانكسر عقله.
ابتسم الشيطان بسخرية - يستهزئ به ، يتلذّذ بعذابه. ثم استدار ، وتركه حيًّا.
كأنّ غايته في ذلك اليوم… كانت تحطيمه.
هو تحديدًا.
لا أمّه.
ولا أخاه الصغير البريء.
بل هو.
ظلّ ويل يحدّق في القلب النابض ، إلى أن تحطّم وعيه أخيرًا تحت وطأة الواقع. تدفّق الندم فيه كحديدٍ منصهر.
لو أنّه لم يُصرّ على الرحيل…
لو أنّه بقي…
ربّما كانا لا يزالان -
زمجرةٌ أعادته قسرًا إلى لحظة موته.
كان ذئبٌ منخفض الرتبة يزحف نحوه ، منجذبًا إلى رائحة الدم النفّاذة. نظر ويل مباشرةً إلى عينيه الجائعتين ، متقبّلًا نهايته.
لم يصرخ.
لم يتوسّل.
اكتفى بالمشاهدة.
في لحظاته الأخيرة ، أطلق ويل لعنةً بنفسه.
أجل ، بطريقةٍ ما ، لعن نَفْسَهُ. عهدٌ نُقش أعمق من الدم ، أعمق من العظم.
هذه الذكرى لن تتلاشى أبدًا.
لن تضعف.
لن تُغتفر.
وإن وُلد من جديد -
فسينهض فوق جميع الكائنات.
سيعثر على المصدر أو الكيان الكامن خلف نهاية العالم.
سيذيقه جحيمًا لا نهاية له من العذاب.
وقبل كلّ شيء…
سيُبيد كلّ شيطانٍ موجود.
سيُمحى عِرق الشياطين من وجه الكون - أو حتى الكون المتعدد ، إن وُجد.
لن يُستثنى أحد.
لا أحد…
غضبه سيبتلع كلّ ما يعترض طريقه.