الفصل الثاني: وانغ باولي، ماذا فعلت؟
سطع القمرُ وسط سماءٍ شبه خالية من النجوم، يسكب ضوءه الفضي على الغابة المطيرة "سحابة البركة"، والتي بدت باردةً أكثر من أي وقت مضى. بركٌ صغيرة تشكّلت من مياه المطر، تعكس ضوء القمر، فتُضفي سحرًا خادعًا على المكان، بينما صيحات الوحوش وصرخات الطيور تتعالى من بين الأشجار، فتبعث القشعريرة في النفوس.
في زاويةٍ منعزلةٍ من تلك الغابة، قرب جدولٍ مائي، كانت هناك فتاتان تبدوان في حالٍ يرثى لها، لكن ملامحهما ما زالت تحمل براءة الشباب. إحداهما طويلة القامة، والأخرى أقصر وأكثر ظرافة، ولكلٍّ منهما جاذبيتها الخاصة. كانت الفتاة الطويلة تراقب المكان بحذر، بينما كانت رفيقتها تخلع ثيابها الداخلية لتفحص جرحًا تحت إبطها، ماسحةً إياه بحذر وهي تتمتم بعينين مضطربتين:
"دو مين، لقد مرت ثلاثة أيام... من يدري متى سيصل الإنقاذ؟ ومخيمنا يكاد يخلو من الطعام..."
صمتت "دو مين"، الفتاة الطويلة، حين سمعت ذلك. لقد شعرت أن حياتها انقلبت رأسًا على عقب خلال الأيام الثلاثة الماضية. فقبل ذلك كانت طالبة في كلية الداو السماوي، أما الآن فهي ضائعة في أرضٍ يملؤها الخطر.
رغم أن الغابة المطيرة بدت جميلة، إلا أن أرضها كانت موحلة ونتنة، تملؤها العظام، وتزحف فيها الديدان والافاعي الضخمة والمتعددة الألوان، فتثير في النفس الرعب.
منذ ظهور "طاقة الروح" في عصر البدايات الروحية، تطوّرت الحيوانات بسرعة مذهلة، واكتسبت قوى مروعة، حتى أصبحت البراري مناطقَ محرّمة على البشر.
وبينما كانت الفتاتان تتناقشان في يأس، كان فتى بدين يقف غير بعيد منهما، يتبول تحت شجرة بعينين غاضبتين. لم يكن سوى وانغ باولي، الذي لم يلاحظ وجود الفتاتين، ولا الزهور الصغيرة تحت قدميه، التي كانت تهتز من تيار بوله.
اللعنة! لطالما كنت أقول إنني أستطيع قراءة الناس ككتاب مفتوح... ولم أتوقّع أبدًا أن أقع ضحية لمؤامرة كلية الداو السماوي! كم هم ماكرون... جعلونا نصدق أن السفينة قد انفجرت حقًا!
كان وانغ باولي غاضبًا بشدّة. فقد استُيقظ هو وزملاؤه على انفجارٍ مفاجئ، ليجدوا أنفسهم يُقذفون خارج السفينة بفعل صدمةٍ عنيفة. لحسن الحظ، كانت ملابس "الروح المغناطيسية" تحميهم، فهبط على الأرض سالمًا، لكنه رأى السفينة تنفجر وسط سحابةٍ من الطاقة الكهرومغناطيسية.
كان الطلبة قد تفرّقوا في الغابة، والطعام شحيح، والوحوش كثيرة، والخوف يحيط بكل زاوية. بعضهم شكّل جماعات، والبعض مضى وحده، وآخرون انهاروا نفسيًا.
كان درسًا قاسيًا في البقاء، أشعل في النفوس أطيافًا متنوعة من المشاعر: الجشع، والأنانية، والبطولة، والرحمة... كلّها ظهرت بلا رتوش.
خدعة محكمة! لكن لماذا فقدتُ ثلاثة كيلوجرامات؟!
من خلال خاتم قياس الوزن، أدرك أنه خسر وزنًا بشكل لم يحدث له من قبل. كان قد جرّب الصيام والرياضة شهورًا، ولم يخسر شيئًا. أمّا الآن، فثلاثة كيلوجرامات في ثلاثة أيام؟! أمرٌ مريب!
لا بد أن هذا اختبار نفسي وضعته الكلية... يبدو أنهم استخدموا بيئة افتراضية!
ما جعله متأكدًا من ذلك كان القناع الأسود الذي أرجعه له الطبيب العجوز... حين حاول لمسه لاحقًا، مرّت يده من خلاله! وكأن النظام الافتراضي لم يتمكن من محاكاة تركيبة هذا القناع.
حتى مظهر القناع بدأ يذوب ويُظهر نصوصًا ضبابية. رغم أنه لم يفهم تلك الكلمات، فإن قناعته بأن كل شيء حوله مجرد محاكاة افتراضية بلغت 100٪.
هدف الاختبار ليس قياس القوة، فنحن لم نتعلم فنون القتال بعد... لا بد أنه لاختبار الشجاعة أو الولاء للكلية.
وبينما كان وانغ باولي يُنهي "مهمته الطبيعية"، لفت انتباهه صوت همساتٍ قريبة. نظر فصُدم برؤية دو مين والفتاة الأخرى. كانت الأخيرة تعالج جرحها، ولم تكن قد لاحظت وجوده بعد.
وحش بشري!
فغر فمه من الدهشة. نظرت دو مين إليه بذعر حين التقت عيناهما، وقبل أن تصرخ، سبقه هو بالصراخ وهو يسحب بنطاله:
"ما خطبك؟! لم ترِ رجلًا يتبول من قبل؟!"
تجمّدت الكلمات في حلق دو مين، ثم صرخت:
"أيها المتغطرس، أهذا ما تسميه رجولة؟!"
ردّ وانغ باولي بغضب:
"وهل تُدعى أمثالك نساء، أيتها الغرّاء المسطحة؟!"
كادت أن تموت من الغيظ. وبينما كانت تهمّ بمطاردته، أطلق تنهيدة درامية وقال:
"آه... شرفي قد دُنّس. لقد رأيتما كل شيء! كيف سأعيش؟!"
ثم هربت بأقصى سرعة، متظاهرًة بالحزن، وقلبها ينبض بسرعة من التوتر.
كانت ملاحقته سببًا في إيقاظ المعسكر. اندفع الجميع نحو الضوضاء، يتقدّمهم طالب ضخم البنية يدعى "ليو داوبين". كان يتمتع بكاريزما كبيرة، وقد أصبح زعيمًا للطلبة خلال تلك الأيام الثلاثة.
"وانغ باولي! ماذا فعلت؟!" سأل ليو بغضب وهو يرى الموقف العجيب.
"كنت... أتبول فقط..." ردّ وانغ باولي، لكن قبل أن يُكمل، تعالت صرخة مذعورة خلفهم.
وفجأة، انبعثت رائحة نتنة من الأرض، تبعتها أصوات زحف، وظهر سرب هائل من الأفاعي الملوّنة يزحف من تحت الأرض وبين الأغصان، يُطوّق دو مين وصديقتها!
وبينما الجميع مذهول، دوّى صراخ آخر قادم من الغابة، تبعته ومضة حمراء أظهرت أفعى ذات رأس طفل بشري!
"أفعى النيون البيضاء ذات العظم الأحمر!" صرخ أحد الطلبة، وعمّ الذعر.
ليو داوبين تراجع تلقائيًا، خائفًا على حياته، تاركًا الفتاتين لمصيرهما.
أمّا وانغ باولي، فقد تذكّر أن كل ما يراه محاكاة. فسكنت روحه، وتأهّب ليستغل الفرصة.
بما أن الأمر غير حقيقي... فلن أضيع هذه الفرصة!
نفخ صدره، ورفع ذقنه، ثم صاح بصوت عال:
"رغم أن دو مين مسطحة، وحقيرة، وأذلّتني كثيرًا... إلا أنني، وانغ باولي، رجلٌ نبيلٌ شجاع، لا أهرب حين يُصيب الخطر زملائي!"
وباندفاعٍ بطولي، قفز وسط سرب الأفاعي، وانتشل الفتاتين في حركة درامية، وحمل إحداهنّ على ذراعه، والأخرى تحت إبطيه، وركض بهما عائدًا.
لكن في طريقه، عضّته الأفاعي في مؤخرته مرارًا، مما جعل وجهه يسوّد، لكنه تحمّل الألم بصبر، حتى أسقط الفتاتين في مكان آمن ثم انهار.
آه... كدت أموت. أن تكون رجلًا حقًا، هذا صعب!
وقبل أن يفقد وعيه، أمسك بيد دو مين وقال:
"دو مين... أنقذت حياتك... مؤخرتي تؤلمني... قولي لي، هل ستسحبين السم منها؟"
+_+
ثم أغمي عليه، لكنه حرص على أن لا يسقط على صدر دو مين، بل على صدر الفتاة الأخرى، وبابتسامة رضا غاب عن الوعي.
نظر الجميع إليه بدهشة ممزوجة بالاحترام... أما دو مين، فقد كادت تنفجر غضبًا، لكنه بدا... بطوليًّا.
في مكانٍ بعيد، على متن سفينة تتحرّك نحو كلية الداو السماوي، كان مئات الطلبة نائمين بسلام في غرفة زراعة الأرواح. من بينهم... وانغ باولي، يبتسم في نومه كمن يعيش أجمل حلم.
في المقصورة الرئيسية، كان جميع المدرّسين، وعلى رأسهم الطبيب العجوز، يُحدّقون في الشاشة التي تُظهر كل شيء.
"من هذا الفتى البدين؟!"
"إنها بيئة وهمية، لكن أفعاله حقيقية. شجاعته... استثنائية!"
"إنه موهبة نادرة، لم نرَ مثلها منذ قرن!"
حتى الطبيب العجوز، الذي كان يشعر بالشكوك، فتح ملف الطالب ببطء وقال في نفسه:
هل أخطأت في حكمتي عليه؟