كان زاتيل في مختبره يعمل بلا توقف. في الأيام الأخيرة، قضى كل وقته في صنع رونات من المرتبة الأولى، لا يغادر المكان إلا كل بضعة أيام لينام. بجانبه هرم من مكعبات الطعام تطفو بين الحين والآخر إلى فمه ليأكلها، لكن حتى أثناء ذلك، لم يتوقف عن العمل.

الأمر الذي قد يثير الدهشة هو أنه حتى أثناء الأكل، يبقى كل تركيزه منصباً على الرونات.

كان الأمر كما لو أن شخصين يتحكمان بجسده: الأول يسيطر على عينيه ويديه، مركزاً كل انتباهه على صنع الرونات، والثاني يتحكم بفمه وجهازه الهضمي، يراقب الطاقة داخله.

هذا الإنجاز كان بفضل الرونة المتوهجة في الجزء العلوي من عموده الفقري، التي حلّت محل "الوعي الثانوي" الذي كان هناك سابقاً. هذه الرونة التي تمكن من صنعها فقط بمساعدة "عين الحياة والخلق"، تُدعى "مرآة العقل".

"مرآة العقل" رونة من المرتبة الثانية المتوسطة. تعمل على تعزيز القدرات الإدراكية بمعامل اثنين، وتسمح بتقسيم العقل والتركيز على مهمتين مختلفتين في آن واحد.

ما كان يفعله زاتيل هو استخدام عقل واحد للتركيز بالكامل على صنع الرونات، بينما الآخر يتحكم بجهازه الهضمي، موجهاً الطاقة المتولدة إلى قلبيه.

يستخدم "نيوديمون" هالة الهاوية كمصدر للطاقة، وأجسادهم تتمتع بحيوية عالية. لكن الطاقة اللازمة لاستخدام رونة من المرتبة الثانية باستمرار هائلة. زاتيل لم يقترب حتى من قمة المرتبة الأولى، لذا كان عليه توجيه كل الطاقة تقريباً من "قلب السلالة".

الجزء الأكبر من طاقة القلب الأصلي كان مخصصاً لاستخدام الرونة، مع الاحتفاظ بالباقي لنقش الرونات. هذا فقط لأن مخزونه من الطاقة أكبر من أي كائن آخر في المرتبة الأولى، حتى بين عرق "نيوديمون".

بهذه الطريقة، لن يضطر زاتيل إلى الاختيار بين تعزيز قوته أو تحسين مهاراته، بل يمكنه فعل الاثنين معاً.

عندما كان على وشك إنهاء رونة، تلقى رسالة من هاينز عبر بلورة البرج. بعد إكمال عمله، أخذ البلورة وفحص الرسالة.

يبدو أن هاينز لديه أخبار سارة له، ويطلبه إلى غرفته. بما أنه لم يكن لديه ما هو عاجل، أكل زاتيل مكعباً واستدعى مقاتل السيف.

...

في الغرفة ذات الجدار المليء بالسيوف والآخر بالجروح، كان هاينز يستريح. على جسده بعض الجروح المفتوحة، وإن كانت سطحية، إلا أن وهجاً داكنًا يحيط بها، يمنع قدراته التجددية من شفائها.

هذه الجروح سببتها هجمات تحمل قوانين الموت، وكان هاينز يستخدم طاقته لطردها من جسده. رغم أن "قانون القتل" يتفوق على "قانون الموت" في الهجوم، إلا أن الأخير مرتبط بالتحلل والفساد وذبول الحياة، لذا فهو عنيد بمجرد التصاقه بكائن حي. لكن بفضل قوة هاينز، سيتمكن من إزالته في بضع ساعات.

عندما اختفى آخر الوهج الداكن من جسده، تلقى هاينز الرسالة ووقف ليفتح بوابة، خرج منها زاتيل.

"أخي، لدي أخبار سارة. سيتم إرسال بعثة استكشافية إلى المنطقة الداخلية من 'الغابة اللامتناهية'، مهمتها استخراج معدن من كهف هناك. بسبب الخصائص الخاصة للمعدن، فقط من هم في المرتبة الأولى فما فوق يمكنهم لمسه بأمان. فكرت إذا كنت ترغب في المشاركة. كعربون شكر للمساعدة التي قدمتها لي في تدريبات السيف، ستحتفظ بكل ما تجنيه هناك، على عكس الآخرين الذين سيحصلون على نسبة فقط."

بفضل مساعدة زاتيل، تمكن هاينز من السيطرة على خصمه في المعركة على الكهف، لذا أراد مكافئته بهذا العرض.

رغم أن هاينز يمتلك ثروة كافية ليهب زاتيل ما يشاء، إلا أنه اعتقد أن ذلك قد يضر علاقتهما. لذا فإن منحه فرصة لكسب ثروته بنفسه سيكون الأمثل.

ترجمة : krinker

"شكراً لك. لكنني بحاجة لمزيد من المعلومات عن هذه البعثة، مثل قوة المشاركين والأعداء المحتملين قبل اتخاذ القرار. فالمنطقة الداخلية للغابة اللامتناهية مكان خطير."

رغم حاجة زاتيل لثروة هائلة لبناء برجه السحري، إلا أنه لن يتخذ قرار المشاركة في بعثة كهذه باستخفاف، خاصة إلى مكان قد يوجد به مخلوقات من المرتبة الثالثة.

لم يفاجأ هاينز بطلب زاتيل لمزيد من المعلومات. بل على العكس، لو وافق على الفور، لاعتبره أحمقاً. فحتى هاينز نفسه يحتاج للحذر في بعض مناطق الغابة، فما بالك بمن في المرتبة الأولى.

"توقعت سؤالك. كما تعلم، تعمل الغابة اللامتناهية كحاجز طبيعي بين أراضي إمبراطورية إيترنوم وسلالة العين. من اكتشف الكهف بهذا المعدن هو 'طاغوت العين' من السلالة. عادةً، من يعثر على ثروة في الغابة يمكنه المطالبة بها لصالح قوته. لكن بما أنه دخل أراضينا دون إعلامنا، تمكنت من جعل المكان محل نزاع. اتفقت القوتان على إرسال مجموعات متساوية القوة لاستخراج المعدن معاً، في منافسة تحدد من سيجني الكمية الأكبر."

لم يفاجأ زاتيل بهذا الترتيب. فالقوى العظمى نادراً ما تخوض حروباً على الموارد، بل تفضل هذا النوع من المنافسات لتجنب الصراعات التي قد تخرج عن السيطرة، خاصة مع وجود من يتربص بالضعفاء.

"كم عدد أعضاء البعثة وما هي مراتبهم؟ ومتى تبدأ؟"

"ستضم المجموعة المرسلة من الإمبراطورية واحداً من المرتبة الثالثة، وخمسة من المرتبة الثانية، وعشرين من المرتبة الأولى. سيكون دور المرتبة الثالثة حماية البقية من المخلوقات القوية. أما المرتبتان الأولى والثانية فستكونان القوة الرئيسية في استخراج المعدن والقتال ضد فريق السلالة. أحذرك، رغم أن المعارك ستكون بين من هم في نفس المرتبة غالباً، إلا أنه قد يواجه المرتبة الأولى خصوماً من المرتبة الثانية. لكن محظور على المرتبة الثالثة و'ملك العين' المشاركة في القتال، لذا لن تقلق بشأنهم."

عند هذه النقطة، توقف هاينز ونظر إلى زاتيل. معظم من في المرتبة الأولى يرتعبون عند سماع احتمال مواجهة المرتبة الثانية، لكن زاتيل لم يبد أي تغير.

"كما توقعت من شخص أكن له الاحترام."

أومأ هاينز موافقاً على موقف زاتيل واستمر: "ستنطلق البعثة بعد أربع سنوات إلى الكهف. سيتم استخدام هذا الوقت لاختيار المشاركين وترتيبات في المنطقة. بما أن الفضل يعود لي في حصول الإمبراطورية على هذه الفرصة، سأختار بنفسي واحداً من المرتبة الثانية وثمانية من المرتبة الأولى للمشاركة."

أعطى هاينز فكرة عامة عن سير المنافسة ومخاطرها.

"عندما أصل إلى قمة المرتبة الأولى، يجب أن أمتلك القوة الكافية لقتل مجوس مبتدئ من المرتبة الثانية. لكن في أربع سنوات، أقصى ما يمكنني تحقيقه هو إكمال 50% من تحول قلبي. قد أستطيع تعزيز قوتي برونات قوية، وفي أسوأ الأحوال، سأهرب باستخدام بلورة السراب."

كان زاتيل يقيّم خياراته ومخاطر المهمة.

"سأشارك. هل يمكنك توفير مقعدين إضافيين؟"

"أعتقد أنك تريد إشراك رفيقيك. يمكنني ضمهما للمجموعة، لكن على عكسك، سيكون عليهما تسليم جزء مما يجنيانه. يحتفظ المشاركون بـ25%، لكن بما أنهما معك، سيسلمان لي النصف فقط."

لم يكن لهاينز أي علاقة بصوفيا أو إيزيكويل، والمقاعد مطلوبة بشدة، لذا مجرد ضمهما يعد معروفاً كبيراً.

"أشكرك نيابة عنهما."

كان زاتيل ممتناً لموقف هاينز، وبدأ يكتسب ثقته شيئاً فشيئاً.

"أربع سنوات قد تكون طويلة أو قصيرة، لذا يجب استغلالها جيداً. إلى اللقاء."

مد زاتيل يده إلى هاينز.

قد يبدو هذا تصرفاً بسيطاً، لكنه أقرب ما يكون إلى الصداقة من زاتيل، الذي لا يظهر ذلك إلا مع أفراد عرقه. من خلال تفاعلاتهما، يعرف هاينز كم هذا يعني.

"أنا متأكد أنك ستفاجئني حقاً، أخي."

بعد الوداع، فتح هاينز بوابة إلى منزل زاتيل.

أومأ زاتيل وكان على وشك الدخول إلى البوابة عندما تصلب جسده كله، وامتلأ وجهه بالدهشة.

"أخي، هل أنت بخير؟"

هذه أول مرة يرى فيها هاينز زاتيل يفقد السيطرة هكذا، فقلق. لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ رأى الابتسامة على وجهه والحماس في عينيه.

"لا تقلق، أنا أكثر من بخير. وأنت محق، سأفاجئك بالتأكيد."

بهذه الكلمات، اختفى زاتيل من الغرفة، تاركاً هاينز في حيرة.

...

عندما وصل زاتيل إلى غرفته، أغمض عينيه وتركّز، فاتسعت ابتسامته أكثر وامتلأ تعبيره بسعادة غامرة.

"أخيراً، اسمي الحقيقي قد استيقظ!"

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

ترجمة : krinker

2025/05/27 · 22 مشاهدة · 1129 كلمة
krinker
نادي الروايات - 2026